Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

الاثنين

الذهاب من (القصَّة القصيرة) إلى (القصيدة)، وبالعكس، مع استبطان الرَّغبة العارمة، بين هذه وتلك، في (الرواية)، ظلَّ هو هاجس القمم الشوامخ من أدبائنا، كصلاح أحمد إبراهيم، وعلي المك، ومصطفى سند، ومحمد المكي إبراهيم، ومحمود محمد مدني، وفضيلي جمَّاع، وهم غيض من فيض.

(القصيدة) نظرة مختلسة من خصاص باب موصد بإحكام؛ أما (القصَّة القصيرة) فإطلالة عجلى من خلف باب موارب شيئاً؛ وأما (الرواية) فرؤية متمكثة للمشهد بأكمله، ليس، فقط، بعد فتح الباب على مصراعيه، بل وبعد هدم الحائط ذاته! لكن لا فضل لجنس أدبي على آخر إلا بمقدار ما تعود به العين المبدعة من تجويد للفن في المرتبة الأولى، وإحسان للفكر في المرتبة الثانية، وإنْ تكن (الرواية)، في ظنّي على الأقل، هي أقصى توق (الشاعر) و(القاص)، ومنتهى عشقهما المكنون، أفصحا عنه أم لم يفصحا!

ولصديقي بشرى الفاضل إبداع مشهود على صعيد (القصَّة القصيرة)، كحكاء بارع، مجوّد لفنّه، محسن لفكره، تشهد بذلك مجموعات سرديَّاته البهيَّات الثلاث (حكاية البنت التي طارت عصافيرها ـ أزرق اليمامة ـ فزيولوجيا الطفابيع)، واللاتي حزمهنَّ، أخيراً، في مجلد واحد صدرت طبعته الأولى في مايو 2009م، عن (دار الحضارة بالقاهرة)، تحت عنوان (قصص بشرى الفاضل). ولقد تصرَّمت دهور مذ قرَّ في أذهان الكثيرين، ربَّما لطول عُشرتهم مع قصصه، أنه تشبَّع بتجويد هذا الجنس الأدبي، وأشبع منه، فاكتفى، وكفى، وضرب خيمته، نهائيَّاً، في واحته، حتى كتب، عند النقاد والباحثين، وفق تصنيف مدرسي كاسد، (قاصَّاً) .. فحسب!

غير أن بشرى المشوق الشائق، القلق المقلق، كان، في كلّ تلك الأثناء، أبعد ما يكون عن الإحساس بالتشبُّع أو الإشباع؛ ولذا ظلَّ يمارس الانفلات العلني من خيمة (القصَّة القصيرة)، ليلوذ بقلعة التجريب في (الرواية) حيناً، أو بظلّ نخلة (القصيدة) أكثر الأحيان. ولئن لم ينشر (روايته) بعد، فقد جمع مخطوطة (قصائده)، وبعث إليَّ، مشكوراً، بنسخة منها، بعد أن أعدَّها للنشر، تحت عنوان (هضلبيم!)، وهي كلمة من مأثور منحوتاته الخاصَّة، جرياً على عادته في اللعب بالألفاظ، ويقول عنها هو نفسه أنها بلا معنى محدَّد، راجياً من قارئه العطوف إشباعها بمعنى إيجابي، أو بما يروق له من المعاني، حسب مشاعره أثناء القراءة!

وإذن فإن بشرى يطلب لقصائده، من الوهلة الأولى، مثلما لسرديَّاته، قارئاً يضارعه يقظة، وذكاءً، ولماحيّة، وانتباهاً للفجوات، والماورائيَّات، والماتحتيَّات، والمخبوء بين السطور؛ لا قارئاً يأوي، في المساءات، إلى فراشه، منهكاً، يستمطر الهجوع، ويستقطر النعاس، وينتظر من كاتب ما أن يدندن له بهدهدات ما قبل النوم! 

فإذا كنت قارئ بشرى المفضَّل، وأعملت عقلك ووجدانك، سواءً في نصوصه السّرديَّة أو في قصائده، فإنك ستلفى نفسك، لا محالة، محتشداً، في لحظة ما، بألم إنساني يهصر قلبك هصراً، حتى لتكاد تشرق بالغصص، وتختنق بالعبرات؛ لكن مفارقة عبثيَّة مشحونة بالسُّخرية اللاذعة سرعان ما تباغتك، وسط كلّ هذا الحزن الثقيل، لتفجّر لديك، لا الضحك وحده، وإنما، أيضاً، الوعي بحقيقة هذا الألم، وبأصله المركوز في صميم العلاقات الاجتماعيَّة المختلة، فما تلبث أن ترتقي بتفكيرك، رويداً رويداً، من مرتبة (السَّاخط العدمي) إلى مرتبة (الثوري الإنساني)! ولعلَّ هذا العنصر الجمالي والفكري المائز، سياسيَّاً وإنسانيَّاً، بالذات، هو الذي يضع بشرى، كقاص، ودونما أدنى مبالغة، في مستوى متقارب مع الرُّوسي أنطون تشيخوف والتركي عزيز نيسين، من جهة، كما ويُكسب قصائده، كشاعر، من جهة أخرى، نبل رسالتها السياسيَّة الإنسانيَّة التنويريَّة.

إستلال المفارقة السَّاخرة، إذن، من جوف أكثر اللحظات اكتظاظاً بالألم، هو عنصر أساسي لجماليَّات السَّرد في مجموعات بشرى القصصيَّة، كما ولجماليات القصيد في مجموعة (هضلبيم) الشعريَّة؛ لكنه، بالقطع، ليس العنصر الوحيد، فثمّة حزمة، كذلك، من عناصر الشّعريَّة، في سرديَّاته وقصائده، حيث يبدو، للوهلة الأولى، كطفل (يلهو) بحصى ملوَّن، على شاطئ رملي، تحت شمس مشرقة، ثمّ ما يلبث هذا (اللهو) أن يتكشَّف عن أعقد المضامين، وأكثرها جديَّة؛ على أن هذا مبحث يطول، ولست، هنا، في مقام الدراسة النقديَّة، بقدر ما أنا في مقام التوقيع المُرحّب بمجموعة صديقي الشعريَّة الأولى، وهاأنذا أفعل، بل أبصم بالعَشَرة!

 

الثلاثاء

نشر اتحاد المحامين بياناً في الصحف وصف فيه لجنة ثابومبيكي بأن مقترحها بشأن المحاكم المختلطة "قد تمَّ تسريبه إلى تقريرها نتيجة (مخطط!) اشتركت فيه مجموعات، و(ساهمت) بالقدر الكبير فيه (سكرتاريَّة اللجنة) مع أفراد من العاملين في (بعثة اليونميس) .. الخ" (الأحداث، 4/11/09).

وفي نفس اليوم نشرت الصحف أن د. مصطفى عثمان، مستشار رئيس الجمهوريَّة، أعرب، لقانونيين وإعلاميين بالقاهرة، عن اعتقاده بأن "لجنة ثابومبيكي (ليست ألعوبة) في أيدي (جهات معادية) للسودان" (الصحافة، 4/11/09).

فأيُّ (المعلومتين) هي الصحيحة؟! هل ثمّة (جهات معادية) للسودان، ممثلة في جزء من (بعثة اليونميس)، اتخذت من لجنة ثابومبيكي (ألعوبة)، فسرَّبت إلى تقريرها مقترح المحاكم المختلطة، حسب الاتحاد؟! أم أن هذه اللجنة (ليست ألعوبة) في أيدي أيَّة (جهات معادية) للسودان، حسب د. مصطفى؟!

  

الأربعاء

سرَّني أنني قرأت، أخيراً، كلمتين لكاتبين إنقاذيين ينتقدان إجراء (تأشيرة الخروج) كشرط لمغادرة المواطن للبلاد!

تساءل د. عثمان أبو زيد (سودانايل، 21/10/09) عمَّا إنْ كانت التأشيرة بدعة سودانيَّة، قائلاً إنه اكتشف، من حديث عابر مع بعض العرب والأفارقة، أن دولهم لا تلزمهم بها، وإنما تكتفي بوضع ختم المغادرة على جوازاتهم، فأدرك أن هذا الإجراء ربَّما لا يكون له وجود، اليوم، إلا في بلد واحد من مخلفات الشيوعيَّة هو فيتنام، وكان معمولاً به في ألمانيا النازيَّة وإيطاليا الفاشيّة! وأضاف أنه وجد شكوى مريرة من الجميع ضد هذا الإجراء، وأن أحدهم ذكَّره، ساخطاً، بقول القرآن الكريم عن فرعون الذي رفض تسهيل الخروج لبعض قومه عندما قالوا له: أن أرسل معنا بني إسرائيل؛ كما وأن أبا الطيّب سخر، لاحقاً، من حال كهذا بمصر، فشكا قائلاً: "فأمسِك لا يُطالُ له فيَرعَى ولا هُو في العَليق ولا اللجَام"! ومن ثمَّ ناشد الكاتب السلطات بإعادة النظر في هذه التأشيرة، وتطبيق توجيهات السيّد رئيس الجمهوريَّة "بإعطائها في المطار إن كان هناك داعٍ لها أصلاً"!

من جانبه عقب د. محمد وقيع الله على تلك الكلمة، فوصف التأشيرة بـ "العسف المتجبّر!"، وأوضح أنه هو من ذكَّر أبو زيد بالآية الكريمة وببيت المتنبي (سودانايل، 25/10/09).

مع سروري بالكلمتين، إلا أنني لا علم لي بتوجيه أصدره رئيس الجمهوريَّة بـ "إعطاء فيزا الخروج في المطار"، كما قال أبو زيد، وإنما مبلغ علمي أن التوجيه الرّئاسي قد انصرف، قبل سنوات طوال، لإلغائها، لكن لم يتكرَّم أحد بتنفيذه حتى الآن! وقد ذكَّرتني كلمتا أبو زيد ووقيع الله بما كنت كتبت حول الأمر في رزنامة 20/2/2007م، وأستعيده في ما يلي بمناسبتهما:

ربَّما لا يحتار المرء في شأن عدم الانسجام البادي على تركيبة هجين السلطة الحاكم، بقدر ما تدهشه سرعة الضوء التي ما انفكَّت هذه التركيبة تنزلق بها نحو شكل محيِّر من أشكال (ازدواجيَّة السلطة)! ويمكننا أن ندلل على ذلك بما لا يُحصى من الشواهد من كلّ الأوزان! على أننا نكتفي، هنا، بإيراد نموذج بسيط كان هو محور (الأنس بالسلطان)، على قول المجذوب، في (جلسة عصريَّة) جمعتني، اليوم، مع بعض الأصدقاء؛ فقبل سنوات استشعر د. مصطفى عثمان، وزير الخارجيَّة السابق، في ما يبدو، أن ثمَّة ضرورة ملحَّة لتجميل صورة (حقوق الإنسان) في السودان، على نحو ما، ابتداءً، على الأقل، من الجوانب الأخفِّ تأثيراً، بدلاً من الإصرار على المضي قدماً في المناطحة العدميَّة، في كلّ صغيرة وكبيرة، مع المؤسَّسات العالميَّة، الدوليَّة منها والمدنيَّة، الناشطة في هذا المجال. وهكذا لم يثِر الوزير، مثلاً، مسألة (الاعتقال الإداري)، وإنما أثار، فقط، مسألة (تأشيرة الخروج)! فبما أن حريَّة وحق (التنقل) من الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة المكفولة بالمواثيق الدوليَّة لحقوق الإنسان، بحيث لا يجوز تحميل الراغب في التمتع بها أيّ عبء مالي لحساب خزينة الدولة، فقد نصح، بحكم موقعه ضمن القطاع السيادي، بإلغاء (تأشيرة الخروج) ورسومها! رئيس الجمهوريَّة استجاب، فوجَّه بذلك، ونشر الخبر، وقتها، في الصفحات الأولى للجرائد. لكن، هل، تراه، نفذ ذلك القرار؟! إطلاقاً .. فقد التفت عليه (جهة ما) تعطله، عمليَّاً، بحيلة بسيطة، فحواها أنك إذا اعتزمت السَّفر إلى خارج البلاد فإنك ملزم، ما تزال، بالحصول على (تأشيرة الخروج)، رغم أنف الإلغاء! الفرق الوحيد هو أنه سوف يتعيَّن عليك، في سبيل الحصول عليها، أن (تختار) بين أحد طريقين: الأول أن تكون (عاقلاً)، وتأخذ الأمور من قصيرها، فتسعى بنفسك إلى وزارة الداخليَّة التي تقوم بتحصيل نفس الرسوم منك قبل أن تمنحك التأشيرة، لكن بفارق (بسيط)، أيضاً، هو أنها لا تفعل ذلك باسم (تأشيرة خروج)، ولا في جواز سفرك، كما كان الأمر في السابق، وإنما باسم (دلع) آخر مبهم، أظنه (رسوم استيفاء)، أو شيئاً من هذا القبيل، وفى وريقة منفصلة يحرص منسوبو الداخليَّة على استردادها منك في المطار قبل مغادرتك! أما الطريق الآخر فسوف تضطر إليه، ورجلك فوق رقبتك، إذا توهَّمت أنك حُرٌ مكفول الحق، فركبت رأسك، وأصررت على التمتع بحريَّتك، وممارسة حقك دون أن تدفع جنيهاً واحداً! ذلك لأنك، يا بطل، سوف تفاجأ بضابط شرطة (يقطع الطريق) عليك داخل المطار، وبعد أن تكون قد أكملت كلَّ إجراءاتك (القانونيَّة)، ولم يعُد بينك وبين صالة المغادرة سوى بضع خطوات، فيحملك حملاً، وفي تلك اللحظة الأخيرة، على سداد نفس الرسوم ، وبدون أيّ إيصال، فتضطر للرضوخ، وإلا فلن تغادر، حتى لو ضربت رأسك بالحائط، سوى إلى .. بيتكم! 

فاتني أن أقول لكم إن مناسبة (ونسة العصريَّة) تلك هي القرار غير المسبوق الذي أرجو أن يشمل أيضاً رسوم (تأشيرة الخروج)، والذي أصدره، بالأمس، الفريق أوَّل محجوب حسن سعد، المدير العام للشرطة، بمنع رجاله من المشاركة في تحصيل الجّبايات، وسحبهم من نقاط التحصيل والجباية كافة، وعلى كل المستويات، قائلاً: "إن هذا القرار جاء إيماناً من قيادة الشُّرطة بضرورة الانحياز للقرارات التي تعمل على تخفيف معاناة المواطنين" (السوداني، 18/2/07). واستطراداً، فلعلَّ سيادته يشير إلى قرار مجلس ولاية الخرطوم التشريعي، والذي أمَّن عليه وزير الماليَّة الولائي نفسه، بأن تلتزم المحليَّات بتحصيل الرسوم المجازة في الميزانيَّة فقط، والتوقف عن ممارسة أساليب القهر والقسر التي وصفها النوَّاب بأنها لا شبيه لها سوى "تلك التي كانت سائدة في التركيَّة السابقة!" (المصدر نفسه).

 

الخميس

إستبعدت السلطات الصحيَّة بمطار الخرطوم، أول أمس 3/11/09، شخصين من "أداء شعيرة الحج!"، بسبب محاولتهما السفر بكروت تطعيم "مزوَّرة!" (الأحداث، 4/11/09). فإلى من، يا ترى، أراد هذان أن يحجَّا؟!

 

الجمعة

مع أنه يعزُّ على المرء، حسب قولنا في رزنامة 27/7/2009م، أن (ينعق!) وحده، كما طائر الشؤم، في بيت (الفرح!)، إلا أننا، مع ذلك، توكلنا على الحيّ الذي لا يموت، وذهبنا باتجاه التشكيك في صدق المظاهر (الاحتفائيَّة!) التي استقبل بها قرار التحكيم الدولي حول نزاع أبيي، لسبب بسيط، هو أنه لم يكن ثمَّة، البتة، ما يقنع، مقدار قلامة ظفر، بأن تلك الاحتفاءات (حقيقيَّة)، أو أنها نابعة من (تلقائيَّة شعبيَّة)، فعبَّرنا عن قناعتنا بأن القرار أميَل إلى (التوفيق) منه إلى (التحكيم)، وأن رأي القاضي عون الخصاونة المخالف لرأي الأغلبيَّة، هو الأرجح، حيث وصف القرار بأنه "مدفوع بالرغبة في تحقيق نتيجة ما"، كما حدا بالعمدة عبد الجليل لأن يلخصه، تحت عنوان فاجع، هو: (النفط مقابل الأرض)! واعتبرنا الطرفين الحاضرين في مشهد ذلك (التوفيق)، الحكومة والحركة الشعبيَّة، طرفين افتراضيَّين، أمَّا الطرفان الحقيقيَّان، دينكا نقوك والمسيريَّة الحُمُر، فلم يعبأ أحد بسؤالهما رأيهما، دَعْ سماعه! وبالتالي غابت عن ذلك المشهد حقائق التاريخ والاجتماع وسبل كسب العيش في واقع المجتمع المحلي، وحضرت، فقط، رغبة الظفر السياسي والاقتصادي، في المستوى الفوقي لرؤية المركزين المتقابلين، الخرطوم وجوبا، فحقَّ لـ (المركز الأوَّل) أن يغتبط لنفط هجليج، ولرقعة الأرض التي تساوي مساحة لبنان، وللتأكيد، ولو جزئيَّاً، على صحَّة اتهامه لـ (لجنة الخبراء) بتجاوز صلاحياتها؛ مثلما حقَّ لـ (المركز الآخر) أن يغتبط لنفط دفرة، ورقعة الأرض التي تساوي مساحة بلجيكا، ولضمِّ أبيي، بمشيخاتها التسع، إلى الجنوب، بامتداد جغرافي يصل إلى خط عرض 10.10 شمالاً! 

هكذا ترك الطرفان المُغيَّبان للحيرة بشأن المراعي، وحقوقهما عليها! فالعشرة ملايين رأس من أبقار المسيريَّة، مثلاً، والتي تمثل ثلث القطيع القومي، هي التي تجسِّد معنى حياتهم بالمدلول الثقافي، لا النفط، وقد درجوا، في ما مضى، وبموجب أعراف كرَّستها الحكمة الشعبيَّة تحت رعاية الأبوين دينق ماجوك وبابو نمر، على التوغل بها، جنوباً، زهاء الثمانية أشهر كلَّ سنة، إلى ما وراء بحر العرب والرقبة الزرقاء، بل وحتى بانتيو، في أراض قد يبترها الاستفتاء، بضربة سيف، في ما لو جاءت نتيجته لصالح (الانفصال)، فيضحى السودان (سودانين!) يخضعان لقواعد القانون الدولي العام!

صحيح أن هذه القواعد تشدّد، كما نصَّ القرار نفسه، على عدم جواز تأثر الحقوق التقليديَّة للرعاة بترسيم الحدود بين الدَّولتين. لكن هذه العبارة الواحدة قد تستلزمنا، غداً، دهوراً من التفسيرات المتباينة ما بين الاتحاد الأفريقي، ومجلس الأمن، ومحكمة العدل الدوليَّة، والتحكيم الدولي، والمفاوضات الشَّاقة، وربَّما الحرب .. في أسوأ الحالات! وفي نهاية كلمتنا تلك تساءلنا عمَّا عساه يكون مصير الناس وقطعانهم، طوال تلك المدَّة، مع تفاقم الزَّحف الصحراوي، وتآكل الغطاء النباتي، يوماً عن يوم؟!

لم يكن المناخ موات، وقتها، لتلقي إجابة شافية على ذلك السؤال المقلق (شعبيَّاً)، لسببين: أولهما أن الساحة، بأكملها، كانت مشغولة بالتعبير (الشعبي!) عن الفرح (الرسمي!)، وما أدراك ما وسع حيلة (الرسمي)، في بلادنا، لانتحال (الشعبي)، متى وكيف أراد! وثانيهما أن الفصل نفسه كان خريفاً، وتماس المسيريَّة والدينكا، في المرعى، كان ما يزال بعيداً، ممَّا ساعد على إبقاء صوت التعبيرات الشعبيَّة (الحقيقيّة!) خافتاً إلى حدّ كبير!

لكن الآن، مع انقطاع الأمطار، وبدء موسم الجفاف شمالاً، وتهيُّؤ المسيريَّة للارتحال التقليدي مع أبقارهم باتجاه الجنوب، حانت ساعة (الحقيقة!)، وأزف موعد اختبار قدرة قرار لاهاي على الصُّمود في الذهنيَّة (الرَّعويَّة) الشعبيَّة، لا في حسابات (النفط) لدى بعض (مثقفي) القبيلة في طاقم الحكم بالمركز، والذين وصفهم محمد عبد الله ود أبوك، القائد المسيري والنائب البرلماني، بأنهم "يغطون النار بالعويش!" (الأخبار، 11/10/09)، ولاحت نذر انتباه الناس لمصالحهم الحياتيَّة، وما يمثله القرار من تهديد مباشر لهذه المصالح، حيث ما من أحد يستطيع إقناعهم، حتى لو انطبقت السماء مع الأرض، بأن (النفط) المكتسب بلاهاي يمكن أن يعوّضهم عن (المرعى) المفتقد على الأرض!   

هكذا، ما كاد ينقضي شهران منذ صدور القرار، حتى وضح، جليَّاً، بُعد الشُّقة، في شأنه، بين الموقفين (الرسمي) و(الشعبي)، وتأكدت شكوكنا، وليتها لم تتأكد، حول ما قيل، وقت صدوره، عن (شعبيَّة) و(تلقائيَّة) احتفاء الطرفين به! فقد نفد، في ما يبدو، صبر المسيريَّة على الاستمرار في "مسك اللجام الجّامح وإيدنا تدفق دم"، كما قال لي الصادق بابو، حرفيَّاً، في محادثة هاتفيَّة، فعقدوا، في الخامس من أكتوبر المنصرم، مؤتمراً للقبيلة، في منطقة ستيب، على بعد ستين كيلو إلى الجنوب من المجلد، بمشاركة أربعة آلاف عضو، خلصوا فيه إلى (رفض!) قرار التحكيم، و(استعدادهم!) لأي (نتائج!) يمكن أن تترتب على هذا الرفض، حسب تعبير ود أبوك (المصدر نفسه)؛ كما وأن مجموعات من الدينكا، حسب رينق دينق كوال، حاكم أبيي، باتت ترى، حتى قبل مؤتمر المسيريَّة، أن القرار ينتقص من حقوق قبيلتهم (الرأي العام، 30/9/09).

ولئن لم يكشف مؤتمر ستيب عن آليَّة لإنفاذ قراره، فإن كلَّ الدلائل ترجّح اندفاع الأمور، في ما لو تركت على حالها الراهن، نحو خيار (المواجهة!)، وعودة المنطقة، في نهاية المطاف، لا للاشتعال، وحدها، بمعارك محدودة (الجزيرة نت، 11/10/09)، وإن كانت كافية، على الأقل، لإعاقة العمل في هجليج لانعدام الأمن، بل ولتمسي بمثابة (الشرارة) التي ستندلع منها الحرب الأهليَّة الشاملة، مجدَّداً، بين الشمال والجنوب، لتقضي، نهائيَّاً، على اتفاقيَّة السلام، خاصَّة وأنها لم تنفذ بالقدر الذي (يضمن) أن تكون (الوحدة) خياراً (جاذباً) في الاستفتاء عام 2011م، وأن ما تبقى من زمن لن يكفي لتنفيذها بهذا المستوى، وأن علاقات شريكيها لا تمضي على الوجه الذي يبشِّر بإمكانيَّة هذا التنفيذ، حتى بافتراض توفر الزَّمن!

عند ذاك، فقط، سندرك أن ما ذهبنا نبحث عنه، بأبهظ التكاليف، في (لاهاي) تركناه وراءنا في (بسطام!)، حيث لم يكن ثمَّة ما هو أكثر يسراً، ولات ساعة مندم، من ترك الأمر ليعالجه كلا المسيريَّة والدينكا في مؤتمر جامع تحت ظلّ أيّ (عرديبة)، تأسّياً بإرث مجوك ونمر! ولا شك، بالطبع، في حقّ من يريد التمسُّك بقرار لاهاي أن يفعل، فهو (قانون) نافذ، ولا يؤثر في نفاذه رأي القاضي الخصاونة المخالف. سوى أنه، وبرغم ما بين (القانون) و(السياسة) من وشائج، إلا أن ثمَّة فرقاً جوهريًّاً بينهما لا يستقيم (قانون) ولا (سياسة) بدون إدراكه. فمن يعوِّل على (القانون) وحده لمعالجة قضيَّة أبيي (واطاتو صِبْحَتْ)! ذلك أن (القانون)، كما سبق أن قلنا مراراً وتكراراً، إنما يتأسَّس على (القاعدة الحقوقيَّة)، وهي عامَّة ومطلقة، بينما يتأسَّس (العمل السياسي) على (ميزان القوَّة)، وهو نسبي يتمظهر على الأرض بقدر كسب هذا الطرف أو ذاك؛ فما العمل؟!

قرار لاهاي وضع المنطقة، الآن، فوق برميل بارود، وجعلها محتاجة، أكثر من أيّ وقت مضى، لأعجل الحلول (السياسيَّة العمليَّة). وذاك هدف لا يتحقق، بطبيعته، إلا بتضافر مناهج شتى، فهو (قد) يستوعب جهد (القانونيين الفنيين)، لكنه لا يبرّر انفرادهم بالرأي فيه. ولقد قدّر لي أن أطلع، خلال بحثي عن أفكار جديدة في هذا الإطار، على بحوث ومقالات قيّمة تتضمَّن أفكاراً ومقترحات عمليَّة، وقد بذل فيها باحثون وكتاب في مختلف الحقول جهداً مقدَّراً يستحق التنويه به ولفت الانتباه إليه. من تلك البحوث ورقة د. عبد الباسط سعيد بعنوان (البيئة وضوائق سبل كسب العيش والاستقرار البشري: مستقبل الرعاة في جنوب غرب كردفان)، ومدارها هذه الهموم الحياتيَّة المقلقة، وما سيجابهه المسيريَّة عمَّا قريب بشأن الماء والمرعى خلال شهور الجفاف، حيث خلصت الورقة إلى مقترح عملي بإعادة التفاوض بين الشريكين، بحيث يذهب جزء من نفط هجليج إلى دينكا نقوك، مقابل الاحتفاظ للمسيريَّة بالحقّ في الماء والمرعى جنوباً.

رغم أن مقترح عبد الباسط يستدعي صرف النظر، بالضرورة عن قرار لاهاي، إلا أنه جيّد من حيث منحاه الواقعي والعملي، وقابليَّته، من ثمَّ، للمناقشة المجدية. لكنني أخشى أن يصطدم بعقبة السؤال حول مدى إمكانيَّة إقناع الرعاة من دينكا نقوك بجدوى النفط، حاليَّاً، في حياتهم، ليقايضوه بالماء والمرعى اللذين أكسبهم قرار لاهاي كامل الحقوق عليهما في أبيي! وتلك هي، بالتحديد، المعضلة التي كان حذر منها كثير من الباحثين قبل صدور قرار لاهاي!

من جانبي ما زلت أرى الحل العملي الوحيد في إعادة فتح اتفاقيَّة السلام الشامل لإعادة التفاوض من أجل إلغاء الاستفتاء، ومنح جنوب السودان الحقَّ في إقامة دولة مستقلة كاملة السيادة، مع التواثق على إبرام معاهدة (إتحاد كونفيدرالي) بينها وبين دولة الشمال، بحيث تتاح لمواطني الشمال والجنوب حريَّة التنقل والتملك والإقامة والعمل في أراضي الدولتين، مع التعامل بعملة واحدة، رغم اختلاف النظامين، على أن يُستفتى الجنوبيُّون كلَّ عشر سنوات، مثلاً، أي مرَّة في كلّ جيل، ليقرّروا ما إن كانوا يفضّلون الاستمرار بالنظام (الكونفيدرالي)، أم العودة للنظام (الفيدرالي)، أم (الانفصال). 

 

السبت

ما كاد ينقضي يومان على بدء عمليَّة التسجيل المقرَّر لها أن تستمر حتى نهاية نوفمبر 2009م، لنحو 20 مليون ناخب، من أصل 39 مليون نسمة هم عدد سكان البلاد، في الانتخابات المزمع إجراؤها في أبريل 2010م، حتى أعرب مركز كارتر المستقل، الذي تأسَّس عام 1982م، والذي وافقت الحكومة على مشاركته، إلى جانب الأمم المتحدة، باعتبارهما المراقبين الدوليين الوحيدين، في مراقبة هذه الانتخابات بـ 32 من كوادره، عن قلقه إزاء "عقبات" تواجهها العمليَّة (رويترز، 3/10/09)، وتشمل هذه العقبات تأخُّر إجراءات الحصول على وثائق الاعتماد، وفرض قيود على مندوبي الأحزاب السياسيَّة، ومضايقة المراقبين الوطنيين والدوليين، وإعاقة الأحزاب عن تنظيم حملاتها الانتخابيَّة، فضلاً عن عدم قيام مفوَّضيَّة الانتخابات بإطلاع الناخبين على تفاصيل عمليَّة الاقتراع في الانتخابات المحليَّة أو التشريعيَّة أو الرئاسيَّة، حيث يندر أن ترى ملصقات تشرح مواعيد وكيفيَّة التسجيل! ومن ثمَّ حثَّ المركز المفوَّضيَّة على "التحرك فوراً" لإزالة هذه العقبات (إي إف بي، 3/11/09).

أما ما ظلت تتداوله الصحف، وتشكو منه الأحزاب، وما ظلَّ يتناقله المواطنون في مختلف المناطق، فأكثر من ذلك بكثير، وجله يتعلق بعمل المفوَّضيَّة ومنسوبيها، وهنا مكمن الخطر! فعلى سبيل المثال، لا الحصر، ثمّة شكوى من تسجيل مجموعة من الطلاب أحضروا بزي موحَّد في مركز العمارات بالخرطوم ولا يقيمون في المنطقة (الأخبار، 4/11/09)؛ واشتكى مواطنو أم درمان ـ الدائرة الأولى، وبورسودان، من عدم وضوح أماكن مراكز التسجيل (السوداني، 4/11/09 ـ الميدان، 5/11/09)؛ وفي الدائرة الأولي بأم درمان رفض ضابط مركز مدرسة الخنساء تسجيل حوالي 40 شخصاً من منسوبي الشُّرطة الشَّعبيَّة لوجودهم في المنطقة بحكم عملهم، وليس إقامتهم كما يقتضي القانون، لكنه عاد واضطر لتسجيلهم بعد أن تلقى أمراً من المفوضيَّة بذلك؛ وفي مركز حي الرَّوضة بالدائرة (25) الدروشاب يقوم أعضاء المؤتمر الوطني بجمع مستندات التسجيل من المواطنين (الميدان، 5/11/09)؛ وفي نيالا تمَّ رصد أحد عناصر المؤتمر الوطني يجلس بالقرب من المركز رقم (3)، ويقوم، تحت سمع وبصر اللجنة، بتسجيل كلّ مواطن تمَّ تسجيله في السّجل بزعم أن التسجيل الثاني مكمّل للأوَّل (الميدان، 5/11/09)؛ وقد عقد رئيس الحزب الاتحادي الأصل وأمينه العام بولاية جنوب دارفور مؤتمراً صحفياً اتهما فيه المؤتمر الوطني بتطويع المفوَّضيَّة وتجيير أدائها لصالحه، وانتقدا المفوَّض الولائي في هذا الصَّدد، كما اتهما بعض الواجهات الحكوميَّة، كاتحاد الطلاب، بحشد التلاميذ القاصرين لتسجيلهم بالتزوير (الأحداث، 6/11/09)؛ وفي الخرطوم دفعت سكرتاريَّة الحركة الشعبيَّة بالولاية بشكوى إلى المجلس التشريعي الولائي ضد الخروقات التي تشهدها مراكز التسجيل، كما تقدَّم سكرتير الحركة وعضو المجلس التشريعي بالولاية بمسألة مستعجلة بشأن هذه الخروقات (الأخبار، 6/11/09)؛ وفي الدائرة (38) الشَّجرة سجلت لجنة مركز الرّميلة (1) و(2) عدد 15 شخصاً من خلوة الشّيخ التوم بدون أوراق ثبوتيَّة، حيث اكتفى ضابط المركز بتحليفهم اليمين على أنهم مقيمون في المنطقة، وبالغون للسنّ القانونيَّة، رافضاً قبول أيّ اعتراض على هذا الإجراء بحُجَّة أن هؤلاء الأشخاص "حفظة قرآن، ومتديّنون، وحلفوا المصحف" (الميدان، 5/11/09)، أما في همشكوريب فإن مركز التسجيل هو منزل المعتمد نفسه (الأحداث، 7/11/09).  

هذه مجرَّد عينات من وقائع نشرت على الملأ، ولم يتم نفيها، وهي كفيلة، في رأينا، بالمساس، في المقام الأوَّل، بسمعة كلّ الذين يتبوَّأون مواقع المسئوليَّة بالمفوَّضيَّة العليا للانتخابات، إن لم يسارعوا لعلاجها، تبرئة لذممهم .. والتاريخ لا يستثني أحداً! 

 

الأحد

على أيَّام الرئيس الأمريكي، بوش الابن، ورئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، وقفا يتحدَّثان في مؤتمر صحفي مشترك؛ فأعلن بوش عن قرار بقتل 20 مليون عربي وطبيب أسنان واحد! إحتار الصحفيون، فاستأذن أحدهم، وسأل بوش:

ـ "إشمعنى يعني طبيب أسنان واحد"؟!

تطلع بوش في وجه بلير، مبتسماً، ثمَّ ما لبث أن همس في أذنه:

ـ "ألم أقل لك إن أحداً لن يهتم بالـ 20 مليون عربي"؟!