Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الاثنين

أواخر سبتمبر الماضي كشف اللواء كوال ديم، الناطق باسم جيش جنوب السودان، عن أن الجَّيش اليوغندي سلم الجَّيش الشَّعبي 4 أفراد من مقاتلي جيش الرَّب بقيادة جوزيف كوني المناوئ للحكومة اليوغنديَّة، وأنهم أدلوا بمعلومات تفيد بأن كوني تحرَّك، مع بعض قوَّاته، من أفريقيا الوسطى التي كان لجأ إليها أواخر 2008م، هربا من المعارك التي اشتدت عليه في الجنوب، والضربات التي وجهتها له المروحيَّات اليوغنديَّة، خصوصاً في 22/9/2009م، ودخلوا إلى مناطق في جنوب دارفور، مثلما سبق أن توجَّهوا، في 11/9/2009م، إلى طمبرة بغرب الاستوائيَّة، وإلى راجا ببحر الغزال، في حالة من الإعياء والإنهاك الشَّديدين، ممَّا دفع الكثيرين منهم إلى تسليم أنفسهم للجَّيش الشَّعبي (الشرق الأوسط، 25/9/09).

والجدير بالذكر أن المعارك التي يومئ كوال إلى هروب كوني منها وقعت بمشاركة جيوش كلّ من يوغندا، والكنغو، وجنوب السودان!

الشاهد أن الأنباء ما انفكت تتواتر، تحت هذا الحصار المحكم لكوني، عن استسلام أو تسليم المزيد من مقاتليه للجَّيش الشَّعبي. ففي أواخر أكتوبر الماضي، فقط، استسلم 56 منهم، بينهم 5 ضباط من مختلف الرُّتب، للسُّلطات في منطقتي ياي ومريو، بعد أن ساءت أحوالهم الصّحّيَّة، وأصبحوا غير قادرين على القتال (الأخبار، 1/11/ 09). 

لكن العجيب، برغم كلّ هذا الحصار المحكم الذي تشارك فيه 3 جيوش، على الأقل، هو أن كوني نفسه ما يزال في مأمن! بل إن د. رياك مشار، نائب رئيس حكومة الجنوب، صرَّح قائلاً: "حتى الآن لم يتسنَّ لأحد معرفة المكان الذي يختفي فيه كوني!" (المصدر). فمَن ذا، تراه، صاحب المصلحة في توفير كلّ هذا الأمان لهذا (البلطجي)؟! وما هي حقيقة هذه المصلحة يا ترى؟!

الثلاثاء

حقاً إن كلَّ شئ بأوانه؛ فقد كنت قدَّرت، عبر الرزنامة، مطلع الألفيَّة، بجريدة (الصحافة)، أن الوقت ربَّما كان مناسباً كي نستقبل القرن الميلادي الجديد، شعبيَّاً، بعمل يخفف عن ضمائرنا وطأة الإحساس الثقيل بوزر الإهمال المتطاول لآبائنا الغرّ الميامين من رموز ثورة 1924م المجيدة، تحت قيادة البطل علي عبد اللطيف، وصحبه الأشاوس، عبد الفضيل الماظ، وعبيد حاج الأمين، وصالح عبد القادر، وجمال ابو سيف، وبقيَّة العقد النضيد الذي زان جيد السودان في تلك الفترة الباكرة من النضال الوطني في سبيل الحرّيَّة والاستقلال. وهكذا وجَّهت ندائي، أوان ذاك، أستنفر التفاكر حول مشروع ما لإحياء ذكرى تلك الشُّهب، حتى لا ينطفئ بريقها، أو يخبو، كإحضار رفاة علي عبد اللطيف من القاهرة، وإقامة نصب تذكاري له ولرفاقه في مدخل أم درمان. وفي رزنامة 2/5/2000م نبَّهت إلى أن وجهاً من وجوه هذا التكريم ينبغي أن يتجه نحو تقصّي وقائع الثورة نفسها، بغرض الكشف عن الكثير ممَّا لا يزال خافياً منها، وأهمُّه الكشف عمَّن خان الثورة، ووشى بالثوَّار!

صادف النداء استجابة مفعمة بالحماس من نفر كثيرين، ذكرت منهم، بوجه مخصوص، في رزنامة 14/3/2000م، الأستاذ القاص الناقد عبد القادر محمد إبراهيم الذي أهدى الرزنامة صورة تذكاريَّة نادرة لقبر علي عبد اللطيف بمدافن شهداء ثورة 1924م بالقاهرة، قال إنه عثر عليها ضمن تركة المرحوم زين العابدين عبد التام، كما أذكر أيضاً الأستاذ هلال زاهر سرور السَّاداتي الذي نقل إليَّ، أيضاً، حماس السيّد محمد حسين ريحان، زوج كريمة علي عبد اللطيف، ودعوته لي لزيارة منزلهم العامر بحي الموردة بأم درمان، والبحث  في متعلقات البطل الشهيد. لكن الشديد القوي سرعان ما جرفنا، مع قلة الحيلة وطواحين الحياة اليوميَّة، بعيداً عن ذلك المشروع البهي!

لكن يبدو أن الأوان قد آن، الآن، لإنضاج ذلك الجهد، فها هو صديقنا ياسر عرمان، نائب الأمين العام ومسئول قطاع الشمال بالحركة الشعبيَّة، قد أوقد ناره، مجدَّداً، وقرع ناقوسه، بقوَّة، حين قاد، صباح اليوم الثلاثاء 23/11/2009م، وفداً كبيراً من قيادات الحركة، ليقف وقفة فارهة أمام ضريح عبيد حاج الأمين بمدينة واو، يتلو الفاتحة، ويضع باقة الورد، ويقدّم تحيَّة الثائر للثائر، ويدشّن أعمال الترميم والطلاء والتجديد، ويعلن للجموع التي احتشدت، في مشهد الحفل التاريخي غير المسبوق، أن العودة إلى عبيد هي عودة لقيم كبيرة يحتاجها السودان، الآن، في سعيه لتجاوز القبليَّة والتحيُّزات العرقيَّة، وأن الفريق سلفا، النائب الأول لرئيس الجمهوريَّة، ورئيس حكومة الجنوب، ورئيس الحركة الشعبيَّة، سوف يزور الضريح، بنفسه، عمَّا قريب، ليؤكد على هذا المعنى العزيز. ثمَّ سجَّل الوفد، عقب ذلك، زيارة إلى سجن واو العمومي، حيث أمضى عبد اللطيف عدة سنوات، فيما قضى عبيد بقية حياته، كما زار الوفد، أيضاً، قبر كليمنت أمبورو الذي حملته ثورة أكتوبر 1964م إلى مقعد وزير الداخليَّة، كأول جنوبي يتولى وزارة سياديَّة منذ الاستقلال! ودعا ياسر القوى السياسيَّة لأن تعمل معاً لإحضار رفاة علي عبد اللطيف من القاهرة، واعداً بأن تقيم الحركة احتفالاً ضخماً في سوق عبد اللطيف ومقبرة عبيد تدعو له أسر أبطال ثورة 24 التي تتمدَّد جذور قادتها جنوباً وشمالاً. وكان هذا المعنى الوحدوي النبيل هو محور حديث ياسر، أيضاً، في محاضرة محضورة بجامعة بحر الغزال، مساء اليوم السابق (سودانايل، 24/11/09).

بخ .. بخ، أخي هلال زاهر، وبقيَّة الإخوة والأخوات، ها هو مشروعكم القديم يستوي على ساقيه، نافضاً عنه رماد العجز، ليتسنم ذروة الاقتدار؛ فهلا فعلنا، معاً، شيئاً ما يدعم هذا التوجُّه الوحدوي النبيل؟! هل يمكننا، مثلاً، أن ننظم يوم عمل طوعي نستنفر له طاقات الشباب في الخرطوم، شماليّين وجنوبيّين، كي ننظف، على الأقل، نصب عبد الفضيل الماظ القابع في ركن وزارة الصَّحة، بشارع الجامعة، ممَّا ران عليه من أدران العابرين، وملصقات بلو بلو وندى القلعة، فنجلوه مبنى ومعنى؟!   

الأربعاء

أديس أبابا قد تبوح لك بأسرارها، همساً، أحياناً، بالنهارات، وجهراً، مرَّات، في المساءات! لكنها، حتى لو أحوجتك، بعض الأحايين، لأيَّام، أو أسابيع، أو أشهر طوال، كي تتحقق، أو لا تتحقق، البتة، ممَّا تبوح  به، همساً أو جهراً، فإنها، بما تعجُّ به من حراكات و(خبارات) إقليميَّة ودوليَّة، لن تقتضيك، يقيناً، سوى محض غمضة عين وانتباهتها، كي تتحقق من أنها، بين همسها وجهرها، تكاد لا تنافس إلا نفسها على عرش دبلوماسيَّة القارَّة السَّوداء، وعلى تاج العاصمة السّياسيَّة الأولى لأفريقيا!

صكَّ أذنيَّ فيها، اليوم، مرَّتين بالمصادفة، همساً بالنهار، ثمَّ جهراً في المساء، أن واشنطن، وبدفع من بعض مراكز البحوث والدراسات السّياسيَّة والاستراتيجيَّة الدوليَّة، تعتزم إقناع الأطراف السودانيَّة بتأجيل الانتخابات، مرَّة أخرى، من أبريل إلى أكتوبر من العام القادم! ثمَّ إجراء هذه الانتخابات، عندئذ، لا كانتخابات (نيابيَّة)، بل (كتنفيذيَّة)، فحسب، بالاقتصار على رئيس الجمهوريَّة، ورئيس حكومة الجنوب، وولاة الولايات! بعد ذلك يجري الاستفتاء في يناير 2011م، فتنقضي اتفاقيَّة السَّلام. لكن إذا اختار الجَّنوبيُّون الانفصال، فسوف تتشكل، على الفور، حكومتان منفصلتان في الجنوب والشمال، وتبرمان، محلَّ الاتفاقيَّة المنقضية، بروتوكولاً جديداً يُبقى الجنوب ضمن السودان القديم لفترة انتقاليَّة جديدة حتى يناير 2015م، ريثما تجري ترتيبات ترسيم الحدود، ونقل السَّيادة على الإقليم المنفصل، وحسم المسائل المتعلقة بالمواطنة، وبالدّيون والالتزامات الخارجيَّة كافة، وبالنفط، ومصافيه، وأنابيب نقله، وموانئ تصديره، وبأوضاع قبائل التماس، وما إلى ذلك. وسوف ينشئ الطرفان، لهذا الغرض، هيئات مشتركة تتبع لرئاسة الجمهوريَّة، بشروط جديدة يحدّدها البروتوكول، لتؤدّي مهام محدّدة خلال السّنوات الأربع! 

وكذا .. كذا، يبدو أنها (الخمر القديمة) ذاتها، ولكن في (أباريق جديدة)! فإذا صحَّت المعلومة، فلن تمثل سوى طبعة خارجيَّة (معدَّلة) من المقترح الدَّاخلي لـ (المشروع الكونفيدرالي) الذي أصبحت تتزايد، يوماً عن يوم، أعداد من يدعون إليه، وسط القوى الوطنيَّة، ويعلنون عن استعدادهم لتبنيه. فهل نملك ما نتجاوز به محض الانتظار، فاغري الأفواه، مكتوفي الأيدي، لأيَّام، أو لأسابيع، أو لأشهر طوال، كي يتأكد لنا، أو ربَّما لا يتأكد، البتة، شئ من (طبعة واشنطن) هذه؟!

 الخميس

لا نريد أن ننكأ جرحاً، أو ننفخ كيراً، وإنما، فقط، نحمد الله أنْ آلت (فتنة) مباراة كرة القدم بين فريقي الجزائر ومصر بالخرطوم، مؤخَّراً، إلى خمود نرجو ألا تقوم لها، بعده، قائمة.

مع ذلك، وبرغم التقدير المستحق، من ناحية، للأقلام والأصوات المصريَّة والجزائريَّة المخلصة التي (جازفت) بإعلاء شأن (العقل) وسط مهرجان (الجنون) الذي نصبه غالب إعلام البلدين، فأسهمت في إطفاء الحريق قبل أن يستشري، وفي تلافي الكارثة قبل أن تستفحل، ككتابات أحمد الخميسي، وأحاديث حمدي قنديل، وبيان المثقفين الجزائريين، على سبيل المثال؛ وبرغم (الظاهرة) السَّالبة التي برزت، من ناحية أخرى، وسط ملابسات تلك الأحداث المأساويَّة المفتعلة، في نموذج الناقد الرّياضي المصري إبراهيم حجازي، على سبيل المثال أيضاً، والتي تستوجب الوقوف عندها بمستوى من التحليل المتمكث، كونها تعيد، وبشدَّة، طرح السؤال القديم المتجدّد عن واجب المثقف في أيّ حقل معرفي إزاء مجتمعه، وعن جدليَّة العلاقة بينه وبين جماهير شعبه؛ فإنني لا أستطيع ألا أحتفي بواقعة غاية في البساطة شدَّت انتباهي، أكثر من ذينك النموذجين المتعارضين، وكان من الممكن أن تكون عاديَّة جداً في ما لو كانت جرت في غير تلك الظروف. ذلكم هو الحفل البهيج الذي أقيم، مساء أحد تلك الأيَّام الشؤم، بمحافظة البحيرة في مصر، بمناسبة زواج شاب مصري من فتاة جزائريَّة (الجزيرة، 23/11/09).

لقد أتيح للملايين، حتف أنف الهياج والتوتر العدائيَّين، أن يشاهدوا، على شاشات التلفزيون، طقس الغناء والرَّقص الذي انسجم فيه أهل العروسين، غير آبهين لطبول الحرب تقرعها بعض أجهزة الإعلام حولهما، أو لـ (عطر منشم) يدقه بعض السياسيّين والصحفيّين بينهما؛ فيا لها من رسالة محبَّة شعبيَّة كثيفة البلاغة، زاهية الشَّكل، عميقة المحتوى!

الجمعة

عندما تكون أحزاب المعارضة والصحف المستقلة هي، وحدها، مصدر التنويه بالصُّور التقليديَّة للفساد (الرَّسميّ!) الذي ما برح يحتوش العمليَّة الانتخابيَّة، تاريخيَّاً، في بلادنا، والتخوُّف من الإرهاص القويّ بتكرار نماذجه في انتخابات 2010م، بدءاً من تعداد السُّكان وترسيم الدوائر، مروراً بتسجيل الناخبين وحصرهم، وانتهاءً بالاقتراع وفرز الأصوات، فلربَّما جاز، بالافتراض جدلاً، للنظام وحزبه الحاكم أن يعتبراها محض ادعاءات لا يسندها أيُّ دليل في الواقع الماثل، ومجرَّد مزاعم لا تنهض على أيّ أساس من التاريخ الوطني. لكن، حين يجئ هذا التنويه من جهة تتسم بالنزاهة العلميَّة والحياد الأكاديمي، فإن على النظام وحزبه أن يتعاطيا مع الأمر كإصبع تحذير يشير، بالجّدّيَّة كلها، إلى كامل مسئوليَّتهما، وحدهما، عن كلّ ما قد يقع من نماذج لهذه الممارسات، وعن كلّ ما قد يترتب على ذلك من نتائج!

في هذا الإطار، عَهَدَت هيئة التعاون الدَّولي البريطانيَّة، في منتصف العام الماضي، إلى معهد الأخدود العظيم RVI، بمُهمَّة إنجاز (مشروع تاريخ الانتخابات في السودان)، لتزويد الأطراف الوطنيَّة والدَّوليَّة المشاركة في الانتخابات القادمة بهذا السّياق التاريخي. أسند المعهد، بدوره، هذه المُهمَّة إلى فريق من أميز العلماء والأكاديميّين المتخصّصين في الشَّأن السوداني، وهم د. جاستين ويلز، المؤرّخ بجامعة دَرَم، والمنتدب، حالياً، إلى المعهد البريطاني في شرق أفريقيا بنيروبي، ود. عطا البطحاني، أستاذ العلوم السّياسيَّة بجامعة الخرطوم، ود. بيتر وودورد أستاذ العلوم السّياسيَّة بجامعة ريدنق.

إستعان الفريق، في بحثه الذي شمل العاصمة المثلثة ومدني وشندي وجوبا، بأرشيف دار الوثائق القوميَّة بالخرطوم، ودار وثائق جنوب السودان بجوبا، فضلاً عن دار الوثائق القوميَّة بالمملكة المتحدة، وأجرى مقابلات مع بعض الذين شاركوا في الانتخابات والاستفتاءات السَّابقة، كما استعان بمجموعة من الباحثين المساعدين، سودانيّين وأجانب، ثمَّ سكب هذا الجهد المرموق في تقرير واف بعنوان (التعلم من التجربة)، يحتوى على تقديم للملخَّص التنفيذي، وللحُجَّة، ولموجز التوصيات حول الشفافية، ومنع الممارسات الفاسدة، وشمول الانتخابات؛ وعلى مقدّمة، وخلفيَّة تاريخيَّة وسياسيَّة شاملة لفترات الديموقراطيَّات الأولى (1953 ـ 1958م)، والثانية (1964 ـ 1969م)، والثالثة (1985 ـ 1989م)، إضافة إلى انتخابات الحزب الواحد في عهد النميري (1969 ـ 1985م)، وكذلك الانتخابات منذ 1989م؛ كما يحتوي على فصل حول إجراءات تلك العمليَّات الانتخابيَّة، بما فيها إدارتها، وترسيم دوائرها، وتسجيل ناخبيها، وإعلامهم وتعليمهم، والحملات السّياسيَّة، والتصويت، والفَرز، والممارسات الفاسدة؛ وينتهي بخاتمة وتوصيات. وقد تمَّ تزويده بقائمتين بالمراجع والمستنطقين؛ وبخارطة لولايات السودان ومدنه وطرق اتصالاته؛ وبصناديق توضّح الأحزاب الرئيسة، والفترات السّياسيَّة منذ 1953م، والانتخابات التي جرت خلالها؛ وبجداول بنتائج انتخابات 1953م، و1958م، و1965م، و1968م، و1986م، والنسب المئويَّة لتسجيل الناخبين من مجمل سكان المديريَّة، وحصيلة تسجيل عام 1968م مقارنة مع تسجيل عامي 1965م و1967م، ومعدَّلات نسب المشاركة في كلّ تلك الانتخابات مأخوذة من العدد التقريبي للسُّكان.

يقابل التقرير، ابتداءً، بين موقفين متناقضين من القدرة التحويليَّة الكامنة في انتخابات (الاقتراع السّرّي)، أو ما يُعرف في المملكة المتحدة بـ (الاقتراع الأسترالي) الذي لم يستقر في أوروبا نفسها حتى نهايات القرن التاسع عشر، والذي أريد له أن يرمز إلى علاقة جديدة بين الشَّعب والحكومة يتخذ فيها الفرد المتحرّر، مؤقتاً، من رقابة الأسرة، والأصدقاء، ومالك الأرض، والقسّيس، وغيرهم، قراراً عقلانيَّاً بشأن التمثيل السّياسي. فبينما لا تزال هذه القدرة، في منظور بعض الوكالات الدَّوليَّة والحكومات المانحة في أوروبا والولايات المتحدة، بمثابة القوَّة الدافعة للاستراتيجيَّات التنمويَّة، يبدو البعض الآخر فاقداً لهذه الثقة، حيث يجادل بأن (الاقتراع السّرّي) تحوَّل، في بلدان العالم الثالث، إلى صنم يشجع على سلوك انتخابي شكلي لا يمسُّ جوهر مطلوبات التغيير، وأن بوسع الكثير من أنظمة هذه البلدان إتاحة حقَّ التصويت لمواطنيها، مع حرمانهم، فعليَّاً، من أساسيَّات الممارسة الديموقراطيَّة، كحريَّة التعبير والتنظيم، والوصول إلى العدالة، وشفافية الحكم.

إزاء هذين الموقفين يبدي التقرير انحيازاً إلى الموقف الأوَّل، واستمساكاً بـ (الاقتراع السّرّي) الذي يصفه بأنه (لحظة دراماتيكيَّة) تحتقن بالكثير من (أماني) الحكم الرشيد، بشرط فعاليَّةَ الإدارة، وعدالتها، وشفافيَّتها، وحيادها؛ فهو، لهذا، عنصر رئيس في أيَّة استراتيجيَّة تهدف لتحقيق تسوية سياسيَّة أكثر إنصافاً، واستقراراً، وشمولاً؛ ومن ثمَّ يطرح التقرير حُجَّته، شديدة التفاؤل، بأن انتخابات السودان القادمة تشكل فرقاً كبيراً، فهي ليست ممَّا يفرضه المجتمع الدَّولي، عادة، في مراحل ما بعد النزاعات، بقدر ما هي من الأمور التي لا غنى عنها بالنسبة لـ (الجَّدول الزمني) لاتفاقيَّة السلام الشامل، حيث (يمكن) أن (تكون) لحظة حقيقيَّة للمشاركة والالتحام الوطني (يُرجى) منها أن (تبرهن) على (إمكانيَّة) إقامة نظام (ديموقراطي) في بلد (موحّد)!

ولعلَّ هذا من أكثر الجوانب تقلقلاً في التقرير، حيث المفارقة ضاجَّة بين نيَّة (تفنيد) الموقف القانط من إمكانيَّة أن تؤدّي هذه الانتخابات، بشروط ممارستها الشَّكلانيَّة في بلدان العالم الثالث، ومن بينها السودان، إلى أيّ نوع من التغيير الحقيقي، وهو موقف لا يستطيع أحد، على مرارته، أن يكابر في كونه نابعاً، لدى أصحابه، من خبرة سياسيَّة حقيقيَّة ماثلة في الواقع المشاهد، وبين تأسيس هذا (التفنيد)، عمليَّاً، على محض حُجَّة تعاقديَّة، دستوريَّة، فنيَّة، قائمة على ضرورة (الالتزام) بإجراء الانتخابات وفق (الجدول الزمني) لتنفيذ (اتفاقيَّة السلام)، بـ (أمل) أن (تبرهن) نتيجتها على (إمكانيَّة) أن (يتحد) الوطن في ظلّ نظام (ديموقراطي)؛ علماً بأن التقرير يصمت عن الاحتمال الآخر في ما لو لم يتحقق هذا (الأمل)، ولم تسفر نتيجة الانتخابات عن هذا (البرهان)!

صحيح أن التقرير، كما سبق وأوردنا، قد (نبَّه)، في أكثر من موضع، إلى أن العدالة والشفافية وحرّيَّة التعبير والتنظيم هي بعض الشروط الجوهريَّة للانتخابات النزيهة، وأن معكوسها ممارسات (فاسدة) من شأنها إجهاض العمليَّة الانتخابيَّة؛ لكنه اكتفى بهذا (التنبيه)، ولم يبيّن كيف يمكن حمل النظام على إدارة هذه العمليَّة بشروط النزاهة، وبالتالي لم تجئ محاولته (تفنيد) حُجَّة القانطين من جدوى الانتخابات مفحمة، طالما أن النظام مستعد، بالفعل، لأن يتيح (التصويت)، فقط، للمواطنين، مع عدم استعداده، في ذات الوقت، لإبداء أدنى قدر من التنازل عن شروطه (المقيّدة) لحريَّاتهم في التعبير والتنظيم، و(القامعة) لعدالة الحكم وشفافيَّته!

من جهة أخرى لا يبدو كافياً، كذلك، احتجاج التقرير بأن الخبرة السّياسيَّة السودانيَّة في انتخابات الحكم الذاتي عام 1953م "قد أفحمت المتشائمين بهدوئها، وتنظيمها، ومستوى مشاركة الناخبين فيها، فوَضَعت بذلك أساساً لاستقلال السودان في العام 1956م".

وربَّما لا نحتاج إلى كثير إطناب للتدليل، بشأن هذه المسألة، على أهميَّة مراعاة فروق الوقت! وبالحقّ فقد جرت مياه كثيرة تحت جسور السّياسة السودانيَّة، خلال نصف القرن الماضي، ولم تعُد الشروط التي أديرت، بموجبها، انتخابات 1953م هي نفس الشروط التي ستدار، بموجبها، انتخابات 2010م! لذا ليس صحيحاً إطلاق القول، كما فعل التقرير، بأن انتخابات 1953م "ما زالت تمثل، إلى يومنا هذا، نموذجاً ملهماً في المشاركة الوطنيَّة؛ حيث منحت الناخبين إحساساً جديداً بالوطنيَّة، وأعطت موظفي الخدمة العامَّة العديدين الذين أداروها خبرةَ العمل معاً لمصلحة أمَّة جديدة!"، خصوصاً حين نلاحظ التناقض الصارخ بين هذا الحكم، وبين الحكمين المغايرين الواردين في موضعين آخرين من نفس التقرير، مرَّة بأن الانتخابات تراجعت "منذ 1953م .. عن كونها لحظة وطنيَّة مثاليَّة تجمع المواطن والدَّولة معاً"، ومرَّة أخرى بأن "الانتخابات لم تحقق (عبر تاريخ البلاد) .. الدور المحتمل الذي يمكن أن تلعبه .. في الحياة السّياسيَّة، بوصفها لحظات حقيقيَّة للمشاركة تنفخ الحياة في فكرة السودان الديمقراطي"!

أما من جهة ثالثة فيصعب الاتفاق مع تحليلات واستنتاجات التقرير التي يبدو أنها لا تثمّن إيجابيَّاً تحوير قاعدة (صوت واحد لكلّ شخص)، بإضافة دائرة لـ (الخرّيجين) في انتخابات 1953م، استناداً إلى أفكار جون ستيوارت ميل عن التصويت الجَّماعي للأفضل تعليماً، وإلى الخبرة السابقة لدوائر الجامعيّين في المملكة المتحدة، وغيرها من التحويرات التي اعتمدتها اللجنة الدوليَّة المختلطة، برئاسة الخبير الباكستاني سوكومارسون، والتي أشرفت على تلك الانتخابات، بالمغايرة لقواعد الانتخابات التعدُّديَّة التقليديَّة المعروفة، والمعتمدة في بلدان الغرب.

والواقع أن تلك التحويرات تعتبر من الإنجازات الحكيمة لتلك اللجنة التي نظرت في حقائق الواقع السوداني، من حيث الانقسام المريع بين (المدينة) التي تتحمَّل كلَّ أعباء العمل السّياسي، وبين (الريف) الذي لا يسهم، عادة، في مثل هذا النشاط، وبالتالي بين جماهير (المدن) ومناطق الإنتاج الحديث، وبين جماهير القطاع التقليدي في الرّيف، وكذلك من حيث الفروقات، داخل (المدن) نفسها، بين (المتعلمين) الأكثر التصاقاً بالأفكار السياسيَّة والاجتماعيَّة، وبين (غير المتعلمين) الأقلّ وعياً بها. لقد رأت اللجنة، بالنظر إلى مجمل تلك الظروف، أنها إنْ تشبَّثت بمبدأ (الصَّوت الواحد للشخص الواحد)، فإن ذلك لن يعني، في واقع المجتمع الطائفي أو القبلي، سوى (ملايين الأصوات) لكلّ زعيم طائفة أو شيخ قبيلة، حيث يستطيع، بإشارة من يده، أن يقول لأتباعه: "اذهبوا صَوِّتوا لفلان"!

هكذا خصَّصت اللجنة دوائر إضافيَّة لخرّيجي المدارس الثانويَّة، وقتها، يتنافس عليها خمسة مرشحين، كما اعتمدت نظام (الكليَّات الانتخابيَّة Electoral Colleges) للبدو والرُّحَّل، وتضييق أحجام الدوائر الجغرافيَّة في المناطق الحضريَّة، مقابل توسيعها في المناطق الريفيَّة، باعتبار تلك كلها خطوات على طريق زيادة عدد نوَّاب البرلمان من مناطق الوعي التي تتحمَّل تبعات العمل السّيَّاسي وأعباء التغيير.

لقد كان مأمولاً تطوير تلك التجربة الرَّائدة في (سودنة) الديموقراطيَّة التعدُّديَّة، من خلال الدفع بها، عبر التجارب اللاحقة، باتجاه مئالاتها المنطقيَّة في إفراد دوائر خاصَّة بـ (القوى الحديثة) كلها، بما في ذلك القوَّات النظاميَّة. على أن شيئاً من ذلك لم يتم، حيث توقفت الممارسة، خلال الديموقراطيَّة الثانية، وقبل انقلاب مايو 1969م، بانتخابات 1965م التعدُّديَّة التي خصّصت فيها الدوائر، هذه المرَّة، لـ (الخريجين الجامعيّين) وحدهم. ثمَّ أعيد تطبيق التجربة ذاتها في انتخابات 1986م التي أعقبت انتفاضة 1985م، ولكن بلا تطوير، حتف أنف النداءات المتلاحقة التي بحَّت منها أصوات الملايين!

ولعلَّ المدهش، بل المثير للعجب، أن التجربة الوحيدة لتطوير (دوائر الخرّيجين) إلى (دوائر القوى الحديثة) قد تمَّت خلال سنوات (الشُّموليَّة المايويَّة)! سوى أنها، ولذات هذا السَّبب، كان مقضيَّاً عليها بالفشل الذريع!

مهما يكن من شئ، فإن ذلك كله لا يقلل، البتة، من قيمة (التنبيه) المتكرّر، في هذا التقرير غير المسبوق، إلى مخاطر الممارسات الفاسدة على العمليَّة الانتخابيَّة. لقد قام جهد واضعي التقرير، منذ البداية، على إقرار حقيقة أساسيَّة، لا محض فرضيَّة، مفادها أن هذه الممارسات الفاسدة أضحت واسعة الانتشار في ظلّ الأنظمة الشُّموليَّة، وتتراوح بين حشو صناديق الاقتراع من قبل موظفي الانتخابات، واستبدال الصناديق بعد التصويت، وبين ما لا حصر له من الأشكال الأخرى الأقل مباشرة، كالتخويف، وإساءة استخدام موارد الدَّولة، والتدخُّل في الإعلام الإخباري، والاستبعاد المتعمَّد لبعض المرشَّحين، وما إلى ذلك من تجاوزات تخلف انتشاراً واسعاً لتشكك المواطنين حول كلّ إجراءات العمليَّة الانتخابيَّة. وبرغم إقرار التقرير، موضوعيَّاً، بأن الانتخابات الديموقراطيَّة التعدُّديَّة لم تخلُ، هي الأخرى، من مخالفات، إلا أنه حمّل المرشَّحين ووكلائهم، لا الموظفين العموميّين، المسئوليَّة الأكبر عن التلاعب في تلك الانتخابات. ومن ناحية أخرى لاحظ التقرير أن تلك المخالفات، في ظلّ الأنظمة الديموقراطيَّة التعدُّديَّة، كانت دائماً أقلَّ انتشاراً من رصيفاتها في ظلّ الأنظمة الشموليَّة، لولا أن إداريي الأخيرة المحليّين، ومراقبيها الرَّسميّين، بسبب من تصوُّرهم لإدارة الانتخابات كاختبار لكفاءتهم، غالباً ما يتسترون على هذه المخالفات، ويحجبونها عن تقاريرهم، ويبالغون، بالمقابل، في وصف سلاسة الاقتراع، وإخفاء نواقص العمليَّة الانتخابيَّة، والإصرار على أنه قد تمَّ اتِّباع كلّ الإجراءات السليمة، رغم أن الأساليب الفاسدة ظلت تشهد، تحت هذه الأنظمة، انتشاراً أوسع لشراء الأصوات، وتجاوزات الإحصاء السُّكاني، وممارسات تسجيل واقتراع الشخص الواحد أكثر من مرَّة، والتسجيل والاقتراع من قِبَل أشخاص غير مستوفين للشروط، والخروقات في ما يتصل باستخدام الموارد من قِبَل الموظفين، نتيجة للتردّي العام في أخلاقيَّات الخدمة المدنيَّة منذ سبعينيات القرن المنصرم، لا سيَّما وأن كلَّ تلك الانتخابات قد انعقدت بموارد قليلة، ومعينات لوجستيَّة شحيحة، وفي فترات زمنيَّة غير كافية، وتحت إدارة موظفين غير مدرَّبين جيداً، وبمستويات مشاركة لعب الدور الأساسي في تدنّيها بُعدُ مواقع بعض المقترعين المحتملين عن مراكز التسجيل والتصويت، خصوصاً في الجَّنوب والشَّرق والغرب، أي المناطق الواقعة خارج المركز النيلي.

ويخلص التقرير، في هذه الناحية، إلى أن ثمَّة احتمالاً قويَّاً بأن تعاني انتخابات 2010م من نفس نقاط الضَّعف التي قوَّضت رصيفاتها الشُّموليَّات في ما مضى، حيث تنتشر شكوك عامَّة، بناء على خبرة الناس السَّابقة، في إمكانيَّة التلاعب بإجراءاتها ونتائجها، خصوصاً وأن التحدّيات اللوجستيَّة ما تزال شاخصة، مع الأخذ في الاعتبار بالتعقيد الذي سيسم الانتخابات القادمة، من حيث التصويت المتعدّد والنظام المركب، الأمر الذي ينطرح كتحدّ إضافي! ومن هذه الزاوية، بالذات، يحذر التقرير من احتمال تكرار تجربة الانتخابات الأخيرة في كينيا، والتي أفضى الفشل في إدارتها بشفافيَّة، مع انتشار الشكوك في وقوع ممارسات فاسدة خلالها، إلى سرعة فقِدان الثقة في مجمل إجراءاتها، وبالتالي إلى انفجار العنف الدَّموي في عقابيلها. ومن ثمَّ يطرح التقرير توصيته الرئيسة بأن المخرج الوحيد لتفادي تلك الخبرة الأليمة إنما يتمثل في (شفافيَّة) العمليَّة الانتخابيَّة، و(شمولها) لكلّ قطاعات المجتمع.

لكن المخيف، في هذا السياق، أن التقرير يقطع بعدم كفاية حتى المراقبة الرُّوتينيَّة للممارسات الفاسدة، رغم كونها مطلوبة، ولذا يرى من الضروري توفير دعمٍ (حكومي!) أوسع، من حيث الشفافية، وتخصيص الموارد، وصرفها بتوازن، ومنع الاستخدام غير السليم لها، وضمان حرّيَّة الصَّحافة، وحرّيَّتي الحركة والتنظيم، وتكافؤ الفرص الإعلاميَّة، ودعم مراقبة الصَّرف على الحملات الانتخابيَّة مع لحظة انطلاقها وليس بعدها.

ولضمان المشاركة الواسعة وشمول الانتخابات، يوصي التقرير للمجتمع الدَّولي بتوفير الترحيل والتدريب لموظفي الانتخابات، والمواد الانتخابيَّة الكافية في مراكز الاقتراع، وتدريب وكلاء المرشحين على مستوى الدائرة، وتعزيز الاستخدام الخلاق لتكنولوجيا الموبايل والإنترنت وغيرهما، للوصول، مباشرة، إلى الناخبين المحتملين، وما إلى ذلك.

السبت

يفعل قانون التنوُّع فعله حتى بين الأحزاب الشّيوعيَّة في مختلف بلدان العالم. فبرغم الوحدة الغالبة على مصادرها الفكريَّة الأساسيَّة، إلا أنها ليست كلاً واحداً، ولا كسبها يتماهى، بالتالي، أو يتحاذى، حذوك النعل بالنعل. ذلك أن تطبيقات الفكر الشّيوعي ليست بمنجاة من الأثر الضاغط للمستوى الحضاري، أو للثقافة الاجتماعيَّة السائدة، في البلد المعيَّن. فالمجتمع الذي يكون قد اندبغ، مثلاً، لعهود طوال، بالثقافة (الشموليَّة)، لا بُدَّ أن تصطبغ فيه هذه التطبيقات، لا شعوريَّاً، داخل وخارج السُّلطة، وفي كلا المستويين الأيديولوجي والتنظيمي، بتلاوين متفاوتة من هذه (الشموليَّة)، إلا أن تصحب تلك التطبيقات (ثورة ثقافيَّة) جذريَّة، وشاقة، تتصوَّب، أوَّل ما تتصوَّب، داخل الحزب نفسه، ابتداءً، وبجدّيَّة وصرامة لا تعرفان المساومة، نحو كنس هذه الآثار السَّالبة، والتخلص منها تماماً؛ وكذا الحال بالنسبة لسوالب الذهن الذكوري، الرَّعوي، الأبوي .. وهلمَّجرَّا!

شيول وونج كيم شيوعي مخلص من كوريا الشماليَّة، وهو، إلى ذلك، موسيقار محترف عمل كعازف بيانو ماهر في أرفع أوركسترات الدَّولة هناك. غير أنه، وفي إطار (وظيفته الرَّسميَّة) تلك، كان دائماً ما يجد نفسه مجبراً على أداء (موسيقى البلاط) وحدها! ثمَّ حدث أن زار موسكو، حيث تعرَّف عن قرب، لأوَّل مرَّة، على (موسيقى الجاز)، فانفعل بها، وانجذب إليها، ووقف على الكثير من أسرار أدائها وتقنيَّاته. لكن، لسوء حظه، وبعد يوم واحد فقط من عودته إلى بيونق يانق، ضبطه أحد (بصَّاصي الحزب) يتدرَّب على هذا (الصّنف) من الموسيقى (التحريفيَّة)، فقدّم إلى محاكمة حزبيَّة كانت رحيمة به فاكتفت بإرغامه على كتابة نقد ذاتي من عشر صفحات! فما كان منه إلا أن هرب، بعدها، إلى كوريا الجنوبيَّة، مستجيراً من الرَّمضاء بالنار!

قبل أيَّام سمعت الرَّجل يتحدَّث، في لقاء تلفزيوني، قائلاً: "في بلدي، إذا لم تكن متطابقاً تماماً مع الفكر الرَّسمي، فإنك، حتى لو كنت موسيقاراً عظيماً، سوف تجد نفسك مضطرَّاً لمغادرة حقل الموسيقى، نهائيَّاً، إلى العمل، مثلاً، في مناجم الفحم!" (سي إن إن، 17/11/09).

أتراه يمكن أن يقع شئ مرعب كهذا في فرنسا، مثلاً، إن حدث وتولى الحزب الشّيوعي السُّلطة فيها؟!

الأحد

على أيَّام هتلر أصدر ضابط البروتوكولات النازي أمره إلى جنديّه المستجد قائلاً:

ـ "ما عليك، إذا مرَّ الفوهرر من هنا، سوى أن تطلق إحدى وعشرين طلقة"!

ففوجئ بالجندي يسأله:

ـ "طيّب .. وماذا أفعل إنْ أصبته من أوَّل طلقة"؟!