Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الاثنين

إستجاب مئات المواطنين والمواطنات، صباح اليوم الاثنين 7/12/2009م، لدعوة الأحزاب والمنظمات المدنيَّة، المنضوية تحت لواء تحالف (قوى جوبا)، بما في ذلك الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان، وحركة تحرير السودان، جناح مني أركو، الشريكتين في سلطة الفترة الانتقاليَّة (2005 ـ 2011م)، وذلك لتسيير موكب سلمي إلى المجلس الوطني بأم درمان، بغرض تسليم مذكرة تنادي بالإسراع، قبل نهاية دورة المجلس الحاليَّة بعد أيام قلائل، في إجراء الإصلاحات التشريعيَّة الخاصَّة بقانون قوَّات الأمن الوطني، وقانون الاستفتاء لجنوب السودان وأبيي، وقانون المشورة الشعبيَّة لجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا، وغيرها من القوانين التي لا يمكن بدونها إجراء أي اقتراع يتسم بالشفافية والعدل والنزاهة، ويستحيل، بالتالي، تكريس (السَّلام) أو إنجاز (التحوُّل الديموقراطي)، كهدفين أساسيَّين لاتفاقيَّة السَّلام الشَّامل والدستور الانتقالي لسنة 2005م.

جوبهت المسيرة بعنف رسمي، وقمع باسم القانون، واعتقالات طالت، في من طالت، بعض أبرز قيادات الحركة الشعبيَّة (الشريكة) في (السُّلطة)، وعلى رأسهم باقان أموم، أمينها العام، وحتى دستوريّين يتمتعون، نظريَّاً، بحصانات مخصوصة، كياسر عرمان، رئيس كتلتها بالمجلس الوطني، وآخرين من وزرائها.

تلك الأحداث، وغيرها، شكلت، من جهة، مثالاً مكثفاً لأزمة (السُّلطة) و(ازدواجيَّتها) التي ما انفكت بلادنا تعاني منها طوال السنوات الماضيَّة، ومن جهة أخرى نموذجاً طازجاً لبُعد الشُّقة بين النخبة ذات الغلبة في مفاصل الحكم الأساسيَّة، وبين جماهير الشعب، ولعمق الهُوَّة الفاصلة بين ذهنيَّتين ما تزالان تصطرعان بلا أيّ أمل في إمكانيَّة التواضع على كلمة سواء لتنظيم تباينهما، ولو بالحدّ الأدنى!

ما نعنيه بـ (ازدواجيَّة السُّلطة) هو نفسه ما أضحى يلاحظه في بلادنا، منذ حين، كثير من المراقبين السياسيّين والإعلاميّين، خصوصاً الخارجيّين، بتعبيرات الدَّهشة، بل الحيرة، إزاء ظاهرة التقارب الملموس بين كيانات سياسيَّة في كراسي (الحكم) مع أحزاب وتنظيمات في جبهة (المعارضة)، وتباعدها، بالمقابل، أكثر فأكثر، عن حزب المؤتمر الوطني الذي يُفترَض أنها (متحالفة) معه في ما يُسمَّى بـ (حكومة الوحدة الوطنيَّة) الخليقة بأن تسمَّى، عن جدارة، (حكومة الشقاق الوطني)! فالحركة الشعبيَّة، وفصيل مني أركو، وجبهة الشرق، تتحالف، الآن، عمليَّاً، وهي، بعدُ، داخل (السُّلطة)، مع كيانات سياسيَّة ناشطة في جبهة (المعارضة) الواسعة التي تضم زهاء الثلاثين حزباً وتنظيماً.

لكن، ليس في الأمر عجب! فحتى لو حقَّ لأولئك المراقبين الخارجيين أن يبدوا دهشتهم وحيرتهم، للوهلة الأولى، من أن (تعارض) قوى (شريكة) في (الحكومة) ما يُفترض، نظريَّاً، أن يكون (سلطتها)، فإن آخر من تحقُّ له هذه الدهشة والحيرة هو حزب المؤتمر الوطني نفسه، المتسبّب، أوَّلاً وأخيراً، في بروز هذه الظاهرة، بإصراره على استخدام (أغلبيَّته الميكانيكيَّة) في تغليب (استراتيجيَّته الشموليَّة)، حتى وهو (يشارك) في (سلطة) غايتها (المعلنة) تحقيق (السَّلام) و(التحوُّل الديموقراطي)، رغم أنه ما اكتسب هذه (الأغلبيَّة الميكانيكيَّة) بموجب أيَّة (غلبة) فعليَّة في (ميزان قوَّة) حقيقي على الأرض، وإنما بمحض (مواثيق تسوية) محدَّدة، دفعت باتجاهها، وفق منطق عملي بحت، قوى دوليَّة وإقليميَّة معلومة، في ظرف تاريخي معيَّن!

(النظام الشُّمولي) حكم لا يتحقق إلا في ظلّ (ميزان قوَّة) يسمح، عسكريَّاً ومدنيَّاً، بأن ينفرد طرف واحد من أطراف العمليَّة السّياسيَّة بـ (السُّلطة)، بعد إقصاء الأطراف الأخرى تعسُّفياً، ولا يدوم أطول من المدَّة التي يبقى فيها (ميزان القوَّة) نفسه على وضعيَّته هذه!

أما (النظام الديموقراطي) فيمكن أن يتأسَّس على حكم حزب منفرد، أو مجموعة أحزاب متحالفة حول أهداف متسقة، ولو بالحدّ الأدنى، بحسب ما تقضي إرادة الناخبين؛ وهي حالة قابلة، بطبيعتها، للتغيُّر، ديموقراطيَّاً، وفق صناديق الاقتراع.

غير أن ظاهرة (ازدواجيَّة السُّلطة)، وإن يكن من غير المتصوَّر أن تنشأ في إطار (الشموليَّة) الكاملة، إلا أنها غالباً ما تنشأ في إطار سلطة مكوَّنة من قوى متنافرة، على ركام نظام (شمولي) لم تجر تصفيته بشكل نهائي، لكنه، في ذات الوقت، لم يعُد مستطيعاً الاستمرار، لسبب أو لآخر، بذات قوانينه الباطنيَّة السابقة. وبالتالي فظاهرة (ازدواجيَّة السُّلطة) تنطوي، بوجه عام، على ثلاث حقائق أساسيَّة:

(1) أن (توازن القوى)، أو قل (توازن الضعف)، قد يخلق ظرفاً استثنائيَّاً شديد الخصوصيَّة والتعقيد، (يُجبر) أطرافاً سياسيَّة متناقضة، تماماًً، أن تتواثق، في ظله، على اقتسام (سلطة) ما، في شكل (شراكة)، وليس (تحالفاً)، والفرق جلي، لإنجاز (أهداف معلنة)، خلال فترة زمنيَّة معلومة، وعلى هذا النحو، وبهذه الصورة، وليس على أيّ نحو مغاير، أو بأيَّة صورة أخرى. ولأن هذه (الأهداف المعلنة) لا تكون متسقة، في العادة، مع استراتيجيَّات طرف أو أكثر، وإنما فرضها الظرف الاستثنائي الخاصُّ فرضاً، فإن حالة من التنازع المستمر، حول حسابي (الحقل) و(البيدر)، ما تلبث أن تطغى على علاقات (الشركاء)، فتطبعها بطابع المواجهات اليوميَّة، ممَّا يدفع كلَّ طرف لأن يسرّح بصره من فوق سور (الشراكة)، بحثاً عن (تحالفات) داخليَّة أو خارجيَّة يستقوي بها على بقيَّة الأطراف، ويعدّل بها (ميزان القوَّة) الذي فرض عليه، ابتداءًً، القبول بهذه (الشراكة)!

(2) لذا، وبدلاُ من أن تبدي الأطراف، كما في (التحالفات) الديموقراطيَّة الموضوعيَّة المستقيمة ذات الأهداف المتسقة، أكبر حرصها على الوفاء بالتزاماتها، حسب ما تواثقت عليه، وأقصى حذرها من الإخلال بـ (ميزان القوَّة) الذي تكون قد قامت عليه (مواثيقها) أصلاً، فإن الظرف الاستثنائي الخاص الذي تأسَّست فيه (سلطتها) المتنافرة هذه ما ينفكُّ يفعل فعله، ويلقي بظلاله الكثيفة على أداء كلّ طرف، فارضاً (أولويَّة) منطقه الباطني على مواثيقه الظاهريَّة، فما تلبث (السُّلطة الواحدة)، افتراضاً، أن تتمظهر، واقعيَّاً، (كسلطتين) أو أكثر، بحيث تدور كلُّ (سلطة) في مدار مناقض للأخرى!

(3) غير أن ذلك، بطبيعته، تناقض مؤقت، بحيث يستحيل أن تستمر هذه (الازدواجيَّة) بلا نهاية.  فجماهير الشَّعب، من جانبها، بكلّ طبقاتها وفئاتها وشرائحها، ليست، كما قد يتوهَّم البعض، عن غفلة، محض متفرّج سلبي على الرَّصيف، أو مجرَّد كمّ أصمّ لا صوت له ولا إرادة، وإن بدت، لبعض الوقت، في حالة من السكون الخيدع بإزاء الأهداف المتباينة التي يدور حولها الصّراع، بل هي طرف أصيل بما تمثل من طاقة التغيير الفعلي الذي من شأنه أن يُعدّل، في نهاية المطاف، بحراكات الجماهير غير القابلة للنفي العدمي، (ميزان القوَّة)، ترجيحاً لهذه الكفة أو تلك، بحسب رؤية الجماهير، واعتبارها لـ (مصالحها) في منظور الاستراتيجيَّات المصطرعة نفسها. واستطراداً، فإن من نافلة القول أن ذلك يمكن أن يحدث حتى لو انتهى، رسميَّاً، الأمد (التواثقي) لشراكة الأطراف!  

 

الثلاثاء

سبق أن عرضنا، في رزنامة 28/4/2008م، لنموذج غليظ من مغالطات السيّد عبد المحمود عبد الحليم، سفير السودان لدى الأمم المتحدة، يوم تناقلت أجهزة الإعلام العالميَّة، خلال يناير من نفس العام، أن الأمم المتحدة اتهمت القوَّات السودانيَّة بإطلاق نيران أسلحة خفيفة وقذائف صاروخيَّة على قافلة إمداد تابعة لقوَّات (يوناميد) خلال توجهها، في ساعة متأخرة من ليلة 7/1/2008م، إلى بلدة الطينة في دارفور، فما كان من سعادة السَّفير إلا أن سارع، كعادته، للمغالطة، عبر تصريحات صحفيَّة في 9/1/2008م، بأن متمرّدي حركة العدل والمساواة، لا القوَّات السودانيَّة، هم الذين أطلقوا تلك النيران! لكن، لسوء حظه، لم يكد يمضي سوى يوم واحد على تصريحه ذاك، حتى أدلى الناطق الرَّسمي باسم القوَّات المسلحة نفسها بتصريح مغاير، نقلته الصَّحافة العالميَّة عن وكالة السودان للأنباء، بأن القوَّات السودانيَّة هي، بالفعل، التي أطلقت تلك النيران، لا متمرّدي العدل والمساواة، وأن قيادة المنطقة الغربيَّة اعتذرت عن ذلك لممثل البعثة (رويترز، 11/1/08).

وبدلاً من أن يستشعر سعادة السَّفير من الحرج ما يكفي لجعله يتعظ، ها هو يعود ليتحف العالم بنموذج جديد من مغالطاته! ففي أواخر نوفمبر من هذا العام 2009م، قال بان كي مون، السّكرتير العام للأمم المتحدة، ضمن تقرير له حول الأوضاع في دارفور، إن الخرطوم خرقت اتفاقا بشأن نشر قوَّات حفظ السَّلام، فما كان من سعادة عبد المحمود إلا أن شبَّ لسكرتير الأمم المتحدة في حلقه، بتصريح ناري لوسائل الإعلام العالميَّة، قال فيه إن "الوقت قد حان كي تغادر هذه القوَّات دارفور!" (قناة الجزيرة، مساء 24/11/2009م). لكن، ولسوء حظه أيضاً، سارعت الحكومة السودانيَّة، على لسان وزير خارجيتها دينق الور، إلى نفي وجود أيّ اتجاه لطرد هذه القوَّات، حيث صرَّح قائلاً: "لم نطلب منهم المغادرة، وما تناقلته وسائل الإعلام بهذا الشأن ليس صحيحاً على الإطلاق، والحكومة ملتزمة تماماً بالاتفاق الموقع بينها وبين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بشأن قوَّات (يوناميد) ومهمّتها في دارفور" (وكالة الأنباء الكويتيَّة – كونا، 1/12/09). 

وبعد، يبدو أن سعادة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة ما يزال يغالط، ويتحرَّى المغالطة، حتى يُكتب، عند الله، غالاطاً!

 

الأربعاء

أواخر العام 1999م قرَّرت الحكومة الأردنيَّة أن تستثمر حتى في متاعب الإعلام العربي، وما يعانيه من تضييق على حريَّة التعبير في غالب بلدان المنطقة، وذلك بـ (إفراز) قطعة أرض من أراضي المملكة لإقامة (سوق حُرَّة) يستطيع أيُّ إعلام عربي (مقموع) أن (يتنفس) فيها مقابل (المعلوم) من الدولار الأمريكي بالضرورة!

لم نستطع، وقتها، مغالبة كوميديا (شرّ البليَّة)، فأبرزنا الخبر، في رزنامة 28/12/1999م، من جانبه السَّاخر، وضاهيناه بما فعلت الرَّأسماليَّة العالميَّة، أواخر ستينات القرن المنصرم ومطالع سبعيناته، حين أقدمت على الاستثمار حتى في غضبة الشباب (الهيبيين) المُضريَّة عليها، آنذاك، من أمريكا إلى اليابان، إذ حوَّلت، وبكلّ بساطة، شعورهم الكثة، ولحاهم غير الحليقة، وأغانيهم الضَّاجَّة بالفوضى، وموسيقاهم الناشزة عن أيَّة قاعدة، وأقمصتهم وسراويلهم الجينز الكانسة للأرض، إلى موضات يعمل عليها أشهر المصمّمين والمخططين، وتعيد إنتاجها أرقى المصانع، والاستديوهات، وصوالين الحلاقة، وبيوت الأزياء الفاخرة، فما لبثت أن اجتذبت الشَّباب من الجنسين، ومن كلّ الطبقات الاجتماعيَّة، كما تجتذب الزهور اليانعة أسراب النحل المشوق، وفي مقدّمتهم أبناء الأرستقراطيَّة والبرجوازيَّة، فانكبُّوا عليها انكباباً، تدفعهم إليها آلة الدّعاية والإعلان الرَّأسماليَّة التي تحيل الفسيخ شرباتاً، حتى ارتفعت أسعارها إلى عنان السَّماء، وما عاد (الهيبيُّون) أنفسهم بقادرين على شرائها، مع أنهم هم الذين اخترعوها، أوَّل أمرها، وما قصدوا من ورائها سوى تلقين هذه الطبقات والفئات ذاتها درساً حسبوها، لشدَّة قسوته، لن تنساه، حين يُفضي عزوفهم عن موضاتها وأساليبها في الموسيقى، والغناء، والأزياء، وتشذيب الشعور، وحفّ الشوارب، وإزالة اللحى، وغيرها، إلى كساد وخسران مبين!

لسنا متأكدين ممَّا إذا كانت الأردن قد نفذت مشروعها ذاك أم لا، لكننا نعلم أن إمارة (دبي) أنشأت مثل هذه السوق، فاجتذبت الكثير من القنوات الفضائيَّة والصحف النافذة التي يديرها مستثمرون عرب، وربَّما أجانب أيضاً، بحثاً، في واحدة من أثرى وأغلى مدن العالم، عن حلول سهلة لأزمة (حريَّة التعبير) في سواها من بلدان المنطقة! وبالنتيجة، ها هي سهام النقد تتصوَّب، صراحة، إلى هذه القنوات والصُّحف، كونها، وهي الأكثر (شقشقة) بنقد الأنظمة العربيَّة كافة، قد لزمت صمت القبور عندما ناءت الأزمة الماليَّة الأخيرة بكلكلها على الإمارة، وتداعت آثارها السالبة إلى مختلف البورصات الإقليميَّة والعالميَّة! والمانع، بالطبع، ليس خيراً على الإطلاق!

 

الخميس

لئن كانت بعض الدّراسات النقديَّة قد سدّدت، خطأ، سهام اتهامها للشاعر والقاص السوداني ـ اليوغندي تعبان لوليونق، وللروائي الكيني نقوقي واثيانقو، بأنهما يروّجان، على صعيد الأكاديميا، لنظريَّة (التطهير) الثقافي، وربَّما العرقي، بحسب ما أورد موقع ويكيبيديا على الشبكة العنكبوتيَّة ضمن توثيقه لسيرة لوليونق، فإن في ذلك حيفاً بيّناً، وإجحافاً كبيراً، بل ابتزازاً عنصريَّاً واضحاً بحق الأديبين المتميّزين، ممّا تدحضه حُجَّة نقادهما نفسها بأنهما إنما يسعيان، في منطقة شرق أفريقيا، لتأسيس طرائق وأساليب في المعرفة، وفي فهم وتذوُّق الأدب، بالاستناد إلى الموروث التقليدي، وتقعيد الثقافة الأفريقيَّة في أساس العمليَّة التعليميَّة، كوسيلة أصيلة تحقق بها شعوب الإقليم وعياً أفضل بذاتها الثقافيَّة، وإدراكاً أدق لهُويَّتها الحضاريَّة، في سياق تمثلها وممارستها لاستقلالها الوطني، وما أنبلها من رسالة يتصدَّى لغرسها، في العقول والوجدان، أيُّ مبدع!

ولعل الأهمَّ، في هذا الشأن، هو إفصاحات الكاتبين نفسيهما، والتي تسير في خط معاكس تماماً لهذا الاتهام. فواثيانقو، المولود في 1934م، في عائلة فلاحيّة من الكيكيو، والذي تركت ثورة الماوماو، في خمسينات القرن المنصرم، بصماتها العميقة على شخصيَّته وكتاباته، يروي، في حواره مع إيميلي ويلسون، بترجمة بانقا الياس (الأحداث، 7/4/09)، طرفاً من سيرته الأدبيَّة، حيث اعتقل، خلال الفترة 1977 ـ 1978م، بسبب مسرحيَّته (سأتزوج عندما أريد)، والتي كان كتبها بلغة الكيكيو، منتقداً فيها ما أسماه (كينيا الكولونياليَّة الجديدة)! وفي السّجن بدأ يتساءل: "لماذا لم تعتقلني السلطة عندما كنت أكتب بالإنجليزيَّة"؟! هذا التساؤل جعله يدرك مدى خوف السُّلطة من وصول الكاتب إلى مواطنيه بلغتهم! هكذا قرَّر هجْر الكتابة بالإنجليزيَّة، نهائيَّاً، والاتجاه إلى لغة الكيكيو، فأنجز بها، وهو في سجنه ذاك، روايته (الشيطان في الصليب) التي كتبها على الورق الوحيد المتاح له وقتها .. ورق الحمَّام! إن أهمَّ ما أهمَّ واثيانقو، في هذه الناحية، ليس (التطهير الثقافي)، كما يزعم نقاده، بل التأكيد على أن الكتابة باللغة المحليَّة، فوق أنها تقرّب الكاتب من جمهوره الأساسي، فتمكنه من الإسهام في استنهاض وعيه الهُويوي والسّياسي، فإنها، من الناحية الأخرى، لا تشكل حجاباً بينه وبين قرَّائه المحتملين في اللغة الأجنبيَّة، إذ من شأن الترجمة أن تقشع هذا الحجاب. أما موقفه من (التطهير العرقي) فيتضح، جليَّاً، في رأيه حول الأحداث المؤسفة التي صاحبت الانتخابات الكينيَّة عام 2009م، حيث شجب، بصرامة، ظاهرة (التطهير العرقي) و(التهجير القسري)، قائلاً إنه يرفضها تماماً، وأن بروزها، في ملابسات ذلك الصّراع السّياسي، كان فاجعاً له.

موقف لوليونق، أيضاً، لا يختلف عن موقف واثيانقو في البراءة من هذه التهمة العنصريَّة، بل لعله يبدو أكثر وضوحاً من جهة بغضه للإنغلاق القطري، في ما يتصل بالثقافة، وتشديده على ضرورة الانفتاح الإنساني. ففي إفادته المهمَّة حول تجربته في ورشة الترجمة بجبل البركل، والتي انعقدت بمشاركة شعراء وكتاب من شمال وجنوب السودان (2 ـ 7 فبراير2007م)، وقد نقلها القاص والمترجم عبد القادر محمد إبراهيم إلى العربيَّة، وسيطالعها القرَّاء، بإذن الله، ضمن العدد القادم من مجلة إتحاد الكتاب السودانيّين  (كرامة)، يقول لوليونق، في عبارة شعريَّة موحية، إنه "آخر مولود لشرطي سابق"، في أسرة من الكوكو، بكافياكنجي بجنوب السودان، عام 1939م، وإن أسرته نزحت إلى يوغندا، إثر مشكلة عشائريَّة، وعمره لم يتعدَّ العام الواحد، حيث استقر بها المقام مع زعيم لقبيلة الأشولي، "وكان والد هذا الزعيم قد مر بأرضنا ـ أرض الكوكو ـ عائداًُ من أم درمان التي كان سافر إليها لجلب (محاية) يستعملها، كترياق ضد الرّصاص، في حربه مع البريطانيين، فأعجبه أننا قوم نشطاء نحب العمل ونتفاني فيه". ويضيف لوليونق قائلاً إنه ترعرع في يوغندا، وتلقى فيها تعليمه العام، وتأهيله كمعلم، حتى إذا ما أصبح كاتباً مرموقاً كانوا يشيرون إليه كيوغندي، وأحياناً ككاتب من شرق أفريقيا. ويقول: "في موطن الأشولي كنا نتحدث، داخل المنزل، لغة الكوكو، وننظم حياتنا حسب ثقافة الكوكو؛ لكن ما أن يخطو أحدنا خارج المنزل حتى يتحدث لغة الأشولي، ويتفاعل مع المجتمع حسب ثقافة الأشولي .. هكذا عشت فيزيقيَّاً ولغويَّاً وثقافيَّاً في عالمين؛ في البيت أتحدث لغة الكوكو، وأتشرَّب حكاياتهم وأغانيهم وأساطيرهم، وأتصرف كأي كوكو مثالي، أما خارج البيت فيتحول كل ذلك إلى لغة وثقافة الأشولي. فنشأت متشرّباً لإرثين، وحاملاً لثقافتين مختلفتين برغم تشابههما إلى حد ما". ويستطرد قائلاً: "هناك حقيقة كانت ترددها عمتي إريياني .. مفادها أن الناس مذاهب! فإذا كان الفرنسيُّون يأكلون الضفادع، والصينيُّون يأكلون الكلاب، والزاندي القرود، وإذا كان العرب واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فإن لهم دينهم ولنا دين. وسنظل نأكل جرذان الحقول، على الأقل نقلل أعدادها، ونجنب الحقول أذاها. عمتي هذه لم تدخل مدرسة في حياتها، ولكنها كانت تعرف النسبيَّة الثقافيَّة"! ويمضي لوليونق قائلاً: "نجحت في الدخول لمدرسة (قولو) الثانويَّة حيث أضفت اللغة الإنجليزيَّة والأدب الإنجليزي والثقافة الإنجليزيَّة إلى ذخيرتي من الكوكو والأشولي. وبهذه الثقافة الجديدة المكتسبة بدأت ثقافتي الموروثة تفصح عن أهميتها في حياتي؛ فقد اتضح لي من امتلاك ناصية اللغة مع النسبيَّة الثقافيَّة، بثلاث لغات وثلاث ثقافات، أن الثقافات مهما اختلفت فإنها تؤدي إلى نتيجة واحدة، حيث الغاية التي ترمي إليها كل ثقافة هي أن تحمي الضعيف، وتجعل الحياة محتملة، وتحث الناس على إيواء عائلاتهم وإطعامها، وتربية أطفالهم بدنيَّاً وأخلاقيَّاً". وعن تكوينه الفكري يقول: "تفتح وعيي أثناء النضال السّياسي من أجل الاستقلال في أفريقيا، وقد لعبت دوراً في هذا النضال في يوغندا. وحينما سافرت إلى أمريكا كنت أرمي لدراسة الاقتصاد السّياسي .. لكن هذا المرام تلاشي تدريجياً؛ ربما لأنه اتضح لي أن السّياسة في أفريقيا لا تسير وفق منهج علمي .. وكان هناك هاجس يقول لي إن الإنسان إذا أصبح سياسيَّاً فإنه يتجذر في تربة قطر واحد؛ أما إذا درس الأدب فيستطيع أن يقرأ كل الخارطة البشريَّة والرُّوح الإنسانيَّة، ومن ثمَّ يكتشف الطرق التي يتلمس بها الكتاب القواعد الأساسيَّة للطبائع الإنسانيَّة، بغضّ النظر عن الاختلافات السَّطحيَّة بين الشعوب".     ويقول لوليونق عن نفسه: "أنا معلم، أدرّس مستخدماً لغة الكوكو في يوم، وفي اليوم التالي أستخدم حكايات الأشولي الشعبيَّة، وفي اليوم الثالث شعراً إنجليزيَّاً .. كلها تؤدي نفس الغرض".

وإذن، فإن مبلغ همّ كلّ من لوليونق وواثيانقو هو أن يعمل الأدباء الأفارقة على خلق وضعيَّة ثقافيَّة مثاليَّة تفضي إلى تقدير الأفريقي لذاته بشكل أكثر وثوقاً، وللآخر بلا أدنى شعور بالدونيَّة. ويقيناً إن رحابة ثقافيَّة إنسانيَّة كهذي لا يمكن أن تقرأ كعنصريَّة ضيّقة إلا من جانب ذهن عنصري ضيّق .. بالأحرى، ومن باب أولى!

 

الجمعة

بالأمس صادق الكونغرس الأمريكي على مشروع قانون لم يحلم حتى بوش الابن نفسه بإجازته على أيَّامه السُّود؛ إذ يلزم الرئيس بإبلاغ المجلس كلَّ ستة أشهر، ابتداءً من تاريخ إجازته، بأىّ تحريض تبثه أيَّة محطة تلفزة في الشرق الأوسط علي أيّ أعمال عنف أو غيرها ضدَّ الولايات المتحدة أو المواطنين الأمريكيّين (وكالات، 11/12/09).

المشروع الذي يتضمَّن إجراءات عقابيَّة، والذي حصد تأييد 395 نائباً، مقابل اعتراض 3 نوَّاب فقط، كان قد اقترحه العضو الجمهوري غيس بيلراكس، معتبراً هذا النوع من البرامج ضرباً من تغذية (الإرهاب)؛ وقد علق، عقب إجازة القانون، قائلاً: "بالنظر إلى المخاطر الناجمة عن هذا التحريض ضد تواجد الجنود والمدنيين الأمريكيين في الشرق الأوسط فإنه كان ينبغي منذ فترة طويلة أن تقوم الولايات المتحدة والدول الأخرى المسئولة بوقف هذا التهديد المتنامي"!

ويأتي هذا القانون الجديد في سياق نفس الخلط المتعمَّد، الذي تمارسه أغلب الدوائر السّياسيَّة والإعلاميَّة في الغرب، بين (الإرهاب) الذي يستهدف تحقيق مكاسب غير مشروعة، ماليَّة أو غيرها، حتى لو راح ضحيَّتها أبرياء، وبين "نضالات التحرُّر" التي تشنها حركات ثوريَّة لمقاومة الهيمنة الإمبرياليَّة، أو دفع العدوان الأجنبي عن أوطانها، أو مساعدة شعوبها للإنعتاق من ربقة الأنظمة العنصريَّة والاستبداديَّة. وما من شكّ في أن هذا خلط مغرض يرمي، بالأساس، إلى وصم هذه الحركات، في الذهنيَّة العامَّة، الغربيَّة والعالميَّة، بعدم الشرعيَّة، ممَّا يسهّل، وفق هذا التشويش، حصارها، ومحاربتها، والقضاء عليها. والأدهى أن هذا القانون يرمي، بشكل مباشر، إلى حرمان هذه الحركات التحرُّريَّة حتى من الإعلام عن أنشطتها، وفكرها، والتعريف بقضاياها المشروعة، وإدراج ذلك كله ضمن (الأعمال الإرهابيَّة) التي تستوجب الإدانة والعقاب!

حاوي الإمبرياليَّة لا يكفُّ عن إخراج الثعابين الملوَّنة من جوف قبعته العالية، كما وأن الكاوبوي الأمريكي لا يتوقف عن إطلاق رصاص مسدَّسه، سواء تحت إدارة بوش أو تحت إدارة أوباما!

 

السبت

عقب مسيرة الإثنين السلميَّة، في 7/12/2009م، لمطالبة البرلمان بالإصلاحات القانونيَّة الكافلة للسلام والتحوُّل الديموقراطي، أصدرت (هيئة علماء السودان) الموالية للحكومة فتوى (تحرّم) خروج المسلم في مظاهرة تنظمها خمس فئات عدَّتها كلها ضمن (أعداء الإسلام)، وهي الفئات التي أسمتها بـ "العنصريين ـ ودعاة الفتنة ـ ودعاة الشقاق ـ ودعاة النفاق ـ والطامعين في السُّلطة".

بحسب العُشرة الطويلة مع المصطلحات التي ما ينفكُّ يمضغها ويثفلها، آناء الليل وأطراف النهار، هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم، ويطلق النظام عليهم، صفة (علماء)، وهم، في الأصل، (سياسيُّون) يؤدون أدواراً محدَّدة، يستطيع الناس أن يفهموا أن المقصودين بالتصنيف الأوَّل (العنصريّين) هم، بالأساس، قادة وكوادر الحركة الشعبيَّة، وأن المقصودين بالتصنيف الخامس (الطامعين في السُّلطة) هم، بالأساس، قادة وكوادر أحزاب المعارضة. وبناءً على ذلك فإن دعوى السَّادة (علماء السودان) مردود عليها، في هذا الجانب، بأن سند (المشروعيَّة) في ما قام به هؤلاء وأولئك، صباح إثنين المسيرة، هو (الحريَّات والحقوق) المكفولة باتفاقيَّة السَّلام الشَّامل والدُّستور الانتقالي لسنة 2005م، فضلاً عن السند (العقلي) لحقّ كلّ حزب في أن يسعى لتولي السُّلطة بالوسائل السلميَّة؛ فما هو، بالمقابل، سند (المشروعيَّة) في (إنكار) السَّادة (علماء السودان) لهذه (الحقوق والحريَّات)، سوى (اعتقادهم) أن (الإنقاذ) ما جاءت إلا لتبقى أبد الدَّهر، بلا (معارضة)، ولا مطالب شعبيَّة، ولا تداول للسلطة، ولا يحزنون؟!

أما التصنيف الثاني (دعاة الفتنة)، وتابعاه الثالث والرابع: (دعاة الشّقاق والنفاق)، فهي تصنيفات (أخلاقيَّة) اشتهر بها، في تاريخ الدولة الإسلاميَّة، الحجَّاج بن يوسف الثقفي! غير أنه يجدر بالسَّادة (علماء السودان)، بالذات، أن ينأوا بأنفسهم عنها، إذ ليس من مصلحتهم تذكير الناس، المرَّة تلو المرَّة، بتراثهم (الدّيني) و(الأخلاقي) في موالاة كلّ حاكم، أيَّاً كان، منذ موقفهم المساند للتركيَّة السابقة ضد الإمام المهدي، وحتى يوم الناس هذا! وعلى سبيل المثال، فقط، فإن السَّادة (علماء السودان) هم أنفسهم أصحاب (الفتوى) الشهيرة بتكفير الأنصار والاتحاديين والأخوان المسلمين، عام 1970م، لمصادمتهم قوَّات النميري في الجزيرة أبا وود نوباوي، واصفين ذلك بأنه، أيضاً، (فتنة!)، حيث عنونوا (فتواهم) بعبارة: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"! ثمَّ قالوا، في المتن، لا فض فوهم: "مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الإسلام التي تقوم على العدل والإحسان ومحاربة الظلم والفساد، لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً، والخروج عليها خروج على أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام!" (الأيام، 3/4/1970م).

أما من جهة اختطافهم لـ (الحقيقة الإسلاميَّة)، كما لو كانوا مالكيها الوحيدين، وليّ عنقها، ثمَّ تجييرها، دائماً وأبداً، في خدمة الحكومة ضدَّ مصالح الشعب، بما فيه ملايين المسلمين، فيكفي أن نورد، هنا، تفنيد (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، مؤخراً، عن طريق رئيسه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، للفتوى الصادرة عن (هيئة علماء السودان) بـ (تحريم) المسيرات والمظاهرات السّلميَّة، وتخطئته الصريحة لها، حيث أكد على أن "المسلمين من حقهم التعبير عن مطالبهم المشروعة، وإبلاغ صناع القرار بحاجتهم بصوت مسموع، وبالتالي لهم الحق في أن ينظموا المسيرات والمظاهرات السّلميَّة"، مشدّداً على أن "هذا الأمر يدخل في دائرة الإباحة ولا صحَّة لتحريمه" (سودانايل ـ نقلاً عن "الشرق الأوسط"، 12/12/09). يعني، بالعربي الفصيح، لا صحَّة لفتوى (هيئة علماء السودان) بـ (تحريم) مسيرة الاثنين أو غيرها من المسيرات والمظاهرات السلميَّة!

فتوى ضدَّ فتوى! فلتنظر (هيئة علماء السودان) ما هي فاعلة، في (حرب الفتاوى) هذه، مع (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، بدلاً من أن تظلَّ (تتشطر)، صباح مساء، على المعارضين السّياسيّين!

 

الأحد

زار أحد (أباطرة) العالم الثالث دولة عظمى، فأهدته حكومتها تمثالاً أثريَّاً. لكنه، فور عودته إلى بلده، طلب من رئيس مخابراته أن يتأكد له من أن التمثال، بالفعل، أثري. وفي اليوم التالي، مباشرة، وقف رئيس المخابرات أمام (زعيمه) يؤدّي التحيَّة العسكريَّة، ويقول:

ـ "نعم، تأكدنا، يا سيدي، أنه أثري"!

تعجَّب (الزعيم) من سرعة التنفيذ، فسأله: 

ـ "وكيف ذلك"؟!

فأجاب مزهوَّاً:

ـ " سيدي .. لقد اعترف بنفسه"!

 

***