صديق محيسي*

 

الاثنين

فى كتابه (مذكرات أغبش) يقول عبد الله رجب إن رحمي محمد سليمان عمل، في البداية، موظفا بالقضائية، ثم صحفياً مع محمد عامر بشير فوراوي الذي كان أول من أصدر صحيفة باسم (الأخبار) عام 1948م. وفي 1951م استقل رحمي بصحيفة أسماها (أخبار الأسبوع)، لكنها لم تنتظم في الصدور، فأسقط عنها صفة (الأسبوع) لتصبح (الأخبار) التي استمرت حتى تعثرت وتوقفت عام 1952م! وفي 1957م عاودت الصدور حتى أوقفت عام 1965م. ثم أعاد رحمي إصدارها عام 1968م لتتعثر، بعد عددين فقط، وتتوقف لأربعين عاماً!

في 1967م حدث أن التحقنا، في وقت واحد بالمصادفة، يحي العوض ومحمود محمد مدني وشخصي، بصحيفة (السودان الجديد) التي كان يملكها ورثة احمد يوسف هاشم، ويرأس تحريرها فضل بشير. كنا أصدقاء، وفي أوج فتوتنا، وكنا نعرف، مسبقاً، من محرري (السودان الجديد)، احمد سهل وفتحي عبد المولى. غير أننا وجدنا هناك، أيضاً، متدرباً شاباً وسيم التقاطيع، رشيق الحركة، كثير الحماس، في صوته بحة خفيفة، تبين لنا، بعد السلام والكلام، أن اسمه كمال الجزولي، وأنه أكمل المدرسة الثانوية للتو، والتحق بالصف الأول بكلية القانون بجامعة القاهرة الفرع. وسرعان ما شكل معنا رباعياً منسجماً مهنياً واجتماعياً، خصوصاً بعد أن علمنا بعلاقة الجيرة والصداقة التي تربطه بصديقنا الصحفي العتيق ميرغني حسن علي.

توليت كمالاً بالرعاية لإتمام تدريبه، وتجويد تفريقه بين تكنيك التحقيق، والتقرير الخبري، والخبر بعناصره الخمسة، وكذلك بين كتابة القصيدة وبين كتابة الخاطرة الصحفية بلغتها الجزلة، وما إلى ذلك. وما أن أنهى تدريبه حتى قرر فضل بشير تعيينه ضمن أسرة التحرير. فأسندنا إليه صفحة متخصصة للطلاب والشباب كان يشرف عليها، قبله، كمال جبورة، صديقه وابن دفعته الذى هجر المهنة ليتحول إلى رجل أعمال! كما أسندنا إليه صفحة ثقافية بعنوان (مشاتل الفيروز) ما لبثت أن صارت ملتقى للشعراء والأدباء، فنشر فيها محمد المكي والحاردلو وأبو ذكرى وعبد العزيز جمال الدين وصلاح حاج سعيد والتجاني سعيد وإسحق القرشي ومبارك بشير ويوسف خليل وعمر الحويج وعثمان حامد وزينب موسى ومحمد تاج السر وغيرهم. وتوثقت علاقاتنا فصرنا أصدقاء ثوريين نجوب شوارع العاصمة، خفافا وثقالا، نغشى المنتديات الثقافية، وتستغرقنا قضايا الفكر والسياسة، ونجرب الكتابة الإبداعية في مختلف احتمالاتها، ونقرأ (الوجود والعدم) لسارتر، و(واقعية بلا ضفاف) لغارودي، و(أصل العائلة) لإنجلس، و(ماء لحصان العائلة) لسركون بولص، و(الدولة والثورة) للينين، و(سفر الفقر والثورة) للبياتى، و(ثورة على الفكر العربي المعاصر) لمحي الدين محمد، ونكتشف الطيب صالح في مجلة (حوار)، ونتابع كتابات محمود العالم ولطفي الخولي في (الطليعة)، ونفتتن بقصيدة ما بعد الحداثة الشعرية العربية لدى الماغوط وأنسي الحاج وتيار مجلة (شعر).  

ذات مساء زارني رحمي بالصحيفة، وكان يعتزم إعادة إصدار الأخبار، فرشحت له كمالاً وفاروق حامد ليجددا دماءها. وباقتراح من كمال أقام رحمي حفل عشاء فاخر لجمع من الكتاب المرغوب في اجتذابهم للتعاون مع الصحيفة، وذلك بفندق الأمباسادور الذي افتتح حديثاً، لصاحبه محمد كمال راشد (كيشو)، ملك الفنادق الشهير، والذى كان صديقه رحمي يسميه (تاجر النوم)، وكانت إعلانات الأمباسادور في الصحف تتحدث عن (الطباخ السابق للملك فاروق)، وعن طبق (بيض الأوز في أحشاء الكراكي)، ولعل كمالاً أفاض حول ذلك أول انتقال الرزنامة إلى الأخبار في عهدها الحالي برئاسة محمد لطيف.

لكن (أخبار 1968م) لم تستطع التنفس طويلاً بسبب (الربو المالي) المزمن، والمتمكن من رحمي على الدوام، فلم يصدر منها سوى عددين أو ثلاثة، ثم هوى صاروخها، لحظة انطلاقه، محترقا على الأرض! بعدها التحق كمال (بوكالة أنباء أفريقيا الجديدة) لصاحبها عمر كرار، لكنه ما لبث أن غادرها بسبب واقعة في غاية الطرافة، ربما نرويها، أو يرويها بنفسه، يوماً ما، فانتقل، بقرار من عبد الخالق، أحد أطراف تلك الواقعة، للعمل بصحيفة (الضياء)، الاسم البديل (للميدان) بعد حل الحزب الشيوعي، وبقي فيها إلى حين سفره لمواصلة دراسته بالاتحاد السوفييتي!

هكذا لازمت (العثرات) الأخبار حتى توفى الله صاحبها عام 2002م، في غرفة بمنزل إيجار بسيط بالخرطوم ثلاثة، ليس بها من متاع الدنيا غير سريرين وبضعة كراسي بلاستيك ورزم كتب ومجلات وصحف وأوراق مبعثرة هنا وهناك! وها هو محمد لطيف يشترى اسم الأخبار من ورثة المرحوم، ويعيد إصدارها، العام قبل الماضي، مستقطباً إليها كوكبة من الصحفيين المقتدرين والكتاب البارزين، وها هو كمال يعود إليها، هذه المرة، برزنامته الشهيرة.

وإذ ننتهز فرصة الأعياد لنزف إليهم أحر التهاني بما حققوا، حتى الآن، من نجاحات، حيث (العثرات)، بالفعل، تصلح (المشيات)، فإننا نتمنى للأخبار أن تنال، من المال و(المعينات) في عهد محمد لطيف، ما لم تنله في عهد طيب الذكر أستاذنا وصديقنا رحمي!

 

الثلاثاء

ما فعله المؤتمر الوطني في السابع من ديسمبر المنصرم يُعتبر، بكل المعايير، (انقلابه الثاني) على المشروع الديمقراطي، بعد انقلابه الأول في الحادي والثلاثين من يونيو 1989م. لكن الإنقلاب الأول جرى بزعامة الترابي، قبل مفاصلته التي أفضت إلى إزاحته من (السُّلطة) ليصبح زعيماً (للمعارضة)، واستخدمت فيها الدبابات للاستيلاء علي السلطة، و(الدبابون) لتحقيق النصر في حرب الجنوب، و(بيوت الأشباح) للجم المعارضين الشماليين، في تجربة نازية بكل مفردات العنف، قهراً وتعذيباً، حد الموت الأحمر! أما في الانقلاب الجديد فقد استخدمت (القشرة) الديمقراطية، كسلاح جديد يوائم المرحلة الحالية! لقد كشفت المسيرة أن (الإنقاذ) كانت تبيع الأوهام للشعب، وللمعارضة، وللمجتمعين الإقليمى والدولي، بإظهارها القبول باتفاقية نيفاشا، والتحول من (الحرب) إلى (السلام)، ومن (الشمولية) إلى (الديمقراطية) عبر صناديق الاقتراع. وهكذا تكوَّن مشهد زائف كانت السلطة تتحرك داخله للإبقاء علي التركيبة الشمولية، كخيار وحيد، بينما ترفع شعارات التعددية للتمويه على أهدافها الحقيقية! غير أن المسيرة أجبرتها على كشف (أوراقها)، خصوصاً على يدي د. نافع، فانفضح كل ذلك الزيف! 

والمراقب لأحداث الفترة القصيرة الماضية، منذ مؤتمر جوبا (24/3/2009م)، لا بد أن يلاحظ أن الحزب الحاكم ظل يتحسب، في عقله الباطني، لما يجري من محاولات تغيير حقيقي قوامه معارضة تتقارب أفكارها، وقد اختارت عاصمة الجنوب مكاناً لانطلاقها، فشن عليها إعلام النظام هجوماً موتوراً، لدرجة وصفها بالعمالة للأجنبى! فى ذات الوقت ألقت حكومة الجنوب القبض على استخباري مركزي تشير كل الدلائل إلى أنه ما وفد من الخرطوم إلا لمتابعة مؤتمر جوبا عن قرب، مما يشي بأن النظام قد انزعج، لأقصى حد، من ذلك المؤتمر كبوصلة تؤشر باتجاه غير مرغوب فيه! وكانت المفاجئة الأكبر لها مشاركة على محمود حسنين، نائب رئيس الحزب الاتحادي، في المؤتمر، حيث كانت قد راهنت على عدم مشاركته!

بعد المؤتمر عكفت مخابرات النظام على تحليل مقررات بيانه الختامي، بالتركيز على مهلة الشهر للحزب الحاكم لتغيير القوانين المقيدة للحريات، وإلا فسوف تقاطع قوى جوبا الانتخابات. هنا ارتفع ثيرمومتر التوجس لدى المؤتمر الوطني ثلاث درجات، إذ تيقن من أن المعارضة قطعت شوطا بعيداً في توحدها، وان الطريق صارت ممهدة لخطوات أخرى وشيكة، فكيف يواجه هذا الظرف الطارئ؟!

حركة الجماهير تمثل، بالنسبة لنظام (الإنقاذ) الشمولي، شبحاً مخيفاً يحرص على فك شفراته أولاً بأول، كي (يحسن) التعامل معه، وعلى رأس ذلك (المظاهرة)! فيتعين علينا النظر إلى دلالات هذه الأحرف الستة، لإدراك مدى استقرارها الحاد في العقل الباطن للنظام! (فالمظاهرة)، من جهة، ولسوء حظ (الإنقاذ)، من الحقوق والحريات الأصيلة المعترف بها للجماهير؛ لكنها، من جهة أخرى، المعول التقليدي المجرب لدى هذه الجماهير، منذ العهد الاستعماري، ليس فقط في الاحتجاج أو التعبير عن مطالبها، بل وفي إظهار سخطها الثوري المؤدي لإسقاط الأنظمة والحكومات في نهاية المطاف! لذا كان لا بد (للإنقاذ) أن تقضي سنوات عمرها العشرين وهي تلهث جاهدة لتفادي اندلاع أية (مظاهرة) ضدها! فعمدت، في هذا الاتجاه، إلى الاستيلاء على النقابات، وقمع الأحزاب المعارضة، وتدجين التنظيمات المدنيَّة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بل وتغيير تركيبة العاصمة والمدن الكبيرة الأخرى كافة، وسحق الطبقة المتوسطة التي كانت موطن الاستنارة السياسية، وصانعة أحداثها التاريخية، مستخدمة في هذا كل أدوات القمع التشريعي والمادي، وواضعة نصب أعينها الخبرات التاريخية لهذا الحراك الجماهيري في إسقاط نظامين شموليين سابقين، فلا بد لها، إذن، من قطع رأس التنين مرة واحدة!

هكذا ظل النظام يشن عنفاً مبالغاً فيه ضد أي عمل معارض، بما في ذلك أبسط إشارة لاحتمال اندلاع (مظاهرة)! وهذا ما فعلته، أيضاً، لمواجهة المسيرة السلمية أمام البرلمان، مستمدة السند، لا من مرجعية النصوص الدستورية، كما ظلت تزعم دائماً، وإنما من مرجعية الانقلاب الأول، ومستعينة بحزمة القوانين القمعية نفسها التي خرجت المسيرة للاحتجاج عليها، وبحشد فيالق متنوعة من قواتها المدربة على إجادة التصويب بالرصاص المطاطي والعصي الكهربائية؛ كما جرى اعتقال قادة (الحركة الشعبية) الشركاء في السلطة، وضربهم، وتمريغ أنوفهم في الرغام، حتى يفهموا أن (الإنقاذ) تقوم بانقلابها الثاني، حسب مقولة الميرغني، ولكن، هذه المرة، باقتلاع أدق الأعشاب الطفيلية من حوضها، حتى لا تخنق زرعه!

وقع كل هذا بعد أن التقطت كاميرات التلفزيون الرسمي، مساء اليوم السابق، مشهد المهدي والميرغني يستقبلهما البشير، يستمع إليهما، والابتسامات تعلو الوجوه، بينما مستشاره الأمنى الخاص يبلغه بأن العدة أعدت لكل شيء! ولعل السؤال الذي وقف الناس أمامه طويلاً هو لماذا اعتقلت السلطة قادة الحركة الشعبية، ولم تعتقل قادة الأحزاب الأخرى الذين اتخذوا قرار المسيرة؟! هل كان الأمر صدفة عشوائية، أم مخططاً مقصوداً؟! الإجابة، من خلال تحليل ثنائي، هي أن السلطة هدفت من تلك الخطوة إلى دق إسفين في تحالف جوبا من جهة، وعزل الحركة عن محيطها الشمالي من جهة أخرى. وثمة اعتبار آخر لا يقل أهمية، هو أن التعامل بعنف مع قادة الحركة في الخرطوم محدود الخطر، ويمكن تدارك آثاره على خلفية ما تعتقد السلطة من قلة خبرتهم بالأداء السياسي في الشمال، فهم، بالنسبة لها، ليسوا غير محاربين خرجوا من (الغابة) ليدخلوا (القصر)!

الشاهد أن السلطة تعاملت مع الحركة الشعبية بسياسة العصا والجزرة، فكانت الثمرة اتفاقهما أخيراً على قوانين استفتاء الجنوب، واستفتاء (أبيي)، والمشورة الشعبية لجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

طائران، إذن، بحجر واحد، كما يقول المثل: الوصول إلى حل ما مع الحركة، وإقصاء الأحزاب الشمالية من المشاركة فيه، كونه يحقق لها (انتصاراً) يجعلها (تدس) أنفها في بقية القضايا، وهو ما لا يرغب فيه الحزب الحاكم لمعرفته الوثيقة بقدراتها!

لكن قادة الحركة ارتكبوا خطأ فادحاً بقبولهم الإفراج عنهم، دون أن يجعلوا من اعتقالهم قضية إضافية، مما أراح المؤتمر الوطني، وهيأ له أن يأخذ نفس ارتياح عميق! فبرغم نجاحهم في مخاطبة العالم عبر الوسائط الفضائية من داخل المعتقل، وفضحهم لممارسات النظام على نطاق واسع، إلا أنهم قبلوا بالخروج دون معرفة التهم الموجهة إليهم، أو الإصرار على مقابلة ممثل الأمم المتحدة وسفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ثم نسيان الأمر برمته، وكأن شيئا لم يكن، مسجلين بذلك نقطة مجانية لصالح المؤتمر الوطني! فلو أنهم فعلوا، لأصيب الحزب الحاكم بلوثة سياسية ربما كانت ألجأته لطلب الوساطة الذي يستتبع تقديم التنازلات كمخرج من الورطة!

ذكرني هذا بمواقف الراحل احمد خير في عهد النميري، حيث اعتاد أن يرفض مغادرة السجن في إطار أي عفو عام، ويتشبث بحديد زنزانته لو حاولوا إجباره على ذلك، مصراً على معرفة سبب اعتقاله، وتقديمه للمحاكمة إن كانت ثمة تهمة، فيشيع الخبر في الشارع، وتتناقله أجهزة الإعلام العالمية. كان، رحمه الله، يستخدم دهاءه القانوني كمحام ضليع، وحسه السياسي كمعارض عنيد، فيسجل النقاط لصالح قضيته في مواجهة خصومه!

 

الأربعاء

(ليست دموع اللات حزناً على العزى) هو عنوان آخر مجموعة شعرية أهدانيها الشاعر الصديق الياس فتح الرحمن، صاحب دار مدارك للنشر، والمقيم ما بين القاهرة والخرطوم. والمجموعة المهداة للراحل العظيم الطيب صالح هي حالة تنقل قلق يراوح بين الإحساس بفاجعة الوطن، وبين التشخيص البليغ للسؤال الحائر الذي تركض المجموعة وراءه دون جدوى، فيغرق الشاعر في دوامة من الأسئلة الصغيرة، المتناسلة، المعذبة، والأكثر حيرة، حيث السائد هو المفارقة المستمرة بين الواقع والمأمول!

من الصعب تفسير الشعر مثلما نفسر ظاهرتي شروق الشمس وغروبها. وكذا من المستحيل الاشتراط بأن الياس، في معالجته للواقع، مطلوب منه اعتماد المباشرة لشرح ماسأتنا وفق رغباتنا نحن، أو بلغة تلبس ثوب العادية في مخاطبتها للأشياء. ففي قصيدة عتاب يرمز أيوب إلى الانتظار الممض، ويخالجه الشك في حقيقة واقعة يوسف. وبالمقابل يقع إسقاط الشك هذا على حالتنا نحن الذين تكتم أنفاسنا هذه اليد المشعرة السوداء، وليسعفنا ذلك الصبر الذي أشار إليه الشاعر عندما كذب المنجمون الجدد وهم يراهنون على الغفلة!

لست بصدد الحديث، في هذه العجالة، عن تجربة الياس الممعنة في الجمال، كما في الحيرة، ولست مستطيعاً الإفاضة في القول بأن المجموعة هي في حدود ما كتبت به من كلمات معجمية! فهي ترى أبعد مما نظنه أشجار غابة تتحرك، وتقرع أجراس انتباهنا بان تلك الأشجار ما هي إلا قطاع طرق بقلنسوات حديدية ولحى مخضبة بدمنا!

 

الخميس

حطت الطائرة في مطار العاصمة الخليجية، وأطل منها المسئول الكبير عن شئون الزرع والضرع في إحدى الدول الفقيرة المبتلية بالفساد، فهب نظيره الخليجي، هاشاً باشاً، يرحب به وبرهطه المرافقين. وفى استراحة كبار الزوار تبودلت المجاملات والأسئلة عن الأحوال، فطمأن الضيف مضيفه على أن عجلة الاقتصاد تدور، في دولته، كأحسن ما يكون، وتجتذب مستثمرين من الخليج والهند وتركيا والصين وروسيا .. الخ.

حملت السيارات الدبلوماسية الفارهة الضيف ورهطه إلي قصر الضيافة الفاخر، ورافق المضيف ضيفه في سيارته حيث واصلا حديثهما. لكن، ما أن وصل الجميع قصر الضيافة، حتى أصاب الضيف ارتباك مفاجئ، وفقد القدرة على مواصلة الحديث مع مضيفه، وبدا مشتتاً، كثير التهامس مع سكرتيره عن شيء غامض لم يعرف المضيف كنهه، وإن أحس بأن امرأ جللاً قد وقع، غير أن أدب الضيافة منعه من السؤال! وبعد برهة قصيرة همس أحد أعضاء فريق المراسم الخليجيين، بدوره، في أذن وزيره الذي استأذن ضيفه ليحادث بالهاتف الأرضي شخصاً بدا، من كثرة إيماءات الوزير، أنه شخصية كبيرة، قبل أن يعود إلى مقعده، ويهمس في أذن ضيفه الذي ازداد توتره وقلقه، وراحت عيناه تتحركان داخل محجريهما، تماماً كعيون (توم آند جيري) في صراعهما الأزلي!

وفجأة استبد بالضيف غضب عارم على سكرتيره، وكاتم أسراره، متهماً إياه بالإهمال الذي أفضى لضياع حقيبته الخاصة التي طالما أوصاه عليها في كل رحلاته الخارجية! فسارع السكرتير، كي يدرأ عن نفسه تهمة الإهمال، لأن يقول، بصوت متهدج، إن أحد أفراد المراسم أخذ تلك الحقيبة، عند سلم الطائرة، ضمن حقائب الوفد الأخرى، وكان المفروض أن يحضرها مع باقي العفش إلى القصر، كتقليد بروتوكولي معتمد مع كل الضيوف. فازداد غضب المسئول، ووجه لسكرتيره كلاماً فظاً، يخالطه سباب علني جارح، متسائلاً:

ـ "كيف يحدث ذلك وأنت واقف كالصنم؟! لماذا لم تخبرني في التو"؟!

كاد السكرتير يرد قائلاً: "وما فائدة البكاء، الآن، على اللبن المسكوب"! غير أنه آثر، في اللحظة الأخيرة، أن يستخدم موهبته في امتصاص الإهانات كقطعة إسفنج، فلجم لسانه، ولم ينبس ببنت شفة!

غرق الضيف في سهومه، وهو ينفث كحوت أسود! ثم ما لبثت أن انطلق رنين هاتفه المحمول، وجاءه، من الطرف الآخر، صوت سفير دولته يقول:

ـ "مسئولو الخارجية هنا استفسروني بأدب شديد عن خمسة ملايين دولار عُثر عليها في حقيبة يد نسيها الحمالون في السيارة التي أقلتكم إلى نزل الضيافة، فبماذا أرد عليهم، يا سيدي، حتى يعيدوها إليكم، ويشرحوا الأمر لمسئول المخابرات الأمريكية المتشدد الذي يصر على معرفة وجهة هذه الملايين خارج النظام المصرفي العالمي"؟!

استشاط الضيف غضباً، ورد بصلف:

ـ "إنها ملكي أنا .. ولا يحق لأحد أن يسأل عنها"! 

صمت السفير برهة، ثم قال ما معناه أنه سيحاول إقناع المسئولين بأن الخمسة ملايين دولار هي (مصروف جيب) للضيف الذي يملك عدة شركات في دولته، وعقارات كثر في العاصمة الخليجية، ويفضل دائما حمل أمواله في يده!

رفض المسئول الأمريكي ما أبلغه به مسئولو خارجية الدولة المضيفة، وتطور الأمر إلى أزمة دبلوماسية عجز حتى رأس تلك الدولة عن حلها، فأقسم الضيف متوعداً بأنه سيعرف كيف يسترد أمواله، وملقياً باللائمة على مضيفيه الذين، كما قال، لم يحسنوا التصرف! لكنه لم يوضح كيف سينفذ وعيده!

المراجع العليا في بلد الضيف استهجنت، بدورها، تصرف المضيفين، ووعدت بحل الأزمة، مطمْئنة مسئولها بأن ملايينه في الصون، وستعود إليه فور اكتمال التحقيقات التي انتقلت برمتها إلى الشعبة الأمريكية المختصة بمراقبة حركة الأموال المشبوهة في المنطقة! لكن المراجع المذكورة لم توضح، أيضاً، كيف ستنفذ وعدها!

 

الجمعة

رغم غرقها في بحار من الدم تقدم الديمقراطية المتعثرة في باكستان نموذجا يجدر بالإنقاذيين الاعتبار به. فآخر إنجازاتها قرار المحكمة العليا بإلغاء المرسوم الذي أصدره الجنرال برفيز مشرف عام 2007م، وتم بموجبه العفو عن عدد كبير من الوزراء الفاسدين ضمن صفقة سياسية مع حزب الشعب الديمقراطي بقيادة بي نظير بوتو!

فحوى الصفقة المعطلة أن يتخلى مشرف عن السلطة طوعاً، مقابل عدم تقديمه للمحاكمة، وإسقاط تهم الفساد عن رجاله (الفاسدين)! وحتى يبرر قراره، وسَّع مشرف القائمة لتشمل المئات من الساسة ورجال الأعمال! وعندما انفجرت الاحتجاجات الشعبية، وحمى كيرها، لم يسعف مشرف قانونه للطوارئ، ولا أجهزة أمنه التي (تملك) صلاحية الدخول إلى غرف نوم المعارضين، كما فعلت مع القاضي تشودري، رئيس المحكمة العليا، الذى اصبح رمزا للديمقراطية هناك.

ما يهم في الواقعة هو دلالتها السياسية القائمة على تقديس الحقوق الدستورية. فانظر لما تفعله المجموعة الحاكمة في السودان، والتي تسخر الدستور نفسه لحماية نفسها، وتحوله إلى سلاح تتناسل منه أسلحة أخرى، كقانون (الأمن) الذي وصفه رئيس البرلمان (بالرحيم)، وأجيز بالأغلبية الميكانيكية، ولتركب المعارضة أعلي ما في خيلها!

 

السبت

سجل مسئول صفقات السلاح السرية في إحدى البلدان (النايمة) زيارة إلى بيونغ يانغ، عاصمة كوريا الشمالية، حاملاً رسالة من رأس دولته إلى الزعيم كيم جونق إيل، وريث الزعيم الكوري الأشهر كيم إيل سونغ (المحبوب من قبل أربعين مليون كوري!)، وفق الصفة الشهيرة التي اعتادت وكالة الأنباء وأجهزة الإعلام والصحافة الكورية أن تقرن بها اسمه!

قبل وقت كاف من الموعد المحدد للقاء الزعيم، انطلق رتل السيارات الرئاسية بالمسئول ووفده، شاقاً الطريق المزدان بالأشجار والزهور واللوحات المجسمة والأنصاب الضخمة للزعيمين، الأب والإبن، في البلد الوحيد الذي ما يزال يُحكم بالنمط الصوفي للتطبيق الماركسي! ولم تكد السيارات تقف أمام درج القصر حتى خف رجال المراسم، بأزيائهم الحمراء، وقبعاتهم التي تشبه رؤوس الغرانيق، يستقبلون الضيوف، ويدخلونهم في ممر خافت الضوء، يفضى إلى بهو واسع تنتثر التماثيل في أرجائه، ويزدان سقفه بالتصاوير المنحوتة من الجص، وتنهمر منه ثريات الكريستال الصيني العملاقة، بشلالات أنوارها التي تضفي على المكان هالة احتفالية باذخة.

دقائق ودخل الزعيم في مهابة شعت على النفوس، وصافح ضيفه ومرافقيه بحفاوة وترحاب ملوكيين. أخرج الضيف الرسالة من حقيبة يده، ووقف منحنياً وهو يقدمها للزعيم الذي تسلمها مبتسماً، وشرع يفضها برفق آسيوي. لكن ما أن وقع نظره على سطرها الأول، حتى تلاشت ابتسامته، واكفهر وجهه، وعلته مسحة من الغضب، فأعادها إلى ضيفه، في التو، ثم نهض، في إشارة بروتوكولية لإنهاء الزيارة، وهو يقول بصرامة قبل أن يستدير ويغادر:

ـ "آسف، إنها ليست لنا، بل لرئيس كوريا .. الجنوبية"!

إضطرب الموقف، وحار موظفو القصر الرئاسي والخارجية الكورية، وألفى الضيف نفسه غريقاً يجاهد لالتقاط نسمة هواء في غور ماء متلاطم، ولكن هيهات، فقد وقعت الكارثة الدبلوماسية، وقضي الأمر!

سارع المسئول بالعودة إلى بلده يجرجر أذيال الخيبة، دون أن ينجح وفد المنافقين المرافق له في تخفيف وطأة المصيبة عليه! وما أن بلغ عاصمته حتى طلب تكوين لجنة تحقيق عاجلة لمعرفة المتسبب في تلك الطامة!

تدحرجت كرة المسئولية، ردحاً من الزمن، ما بين القصر والخارجية، وكل ينفي التهمة عن نفسه ويلقي بها على الآخر، حتى اعترف، في النهاية، دبلوماسي شاب من عشيرة رأس الدولة الأقربين بأنه هو الذي كتب الرسالة، ولكنه حلف (بالتقطعو) أنه لم يكن يعلم بوجود كوريتين شمالية وجنوبية، وإنما يعرف، فقط، كوريا واحدة .. هي التي تصنع الأتوس والهونداي!

 

الأحد

حادثة "جزمة" الصحفي العراقي منتظر الزيدي التي قذف بها بوش الابن أثناء مؤتمر صحفي ببغداد، في 14/12/2008م، ما تزال تملأ الدنيا وتشغل الناس، حتى ليُظن أنها ستدخل مناهج العلوم السياسية في الجامعات بعنوان (إستراتيجية الجزمة)! ويكثر الاهتمام بتلك الحادثة، بوجه مخصوص، على الصعيد الإعلامي، حيث تفيد مصادر موثوقة بأن إدارة بوش عكفت، بعد الحادثة، على وضع (نظام أمني) جديد يحتم على كل زائر للبيت الأبيض تقديم معلومات مؤكدة عن اسمه وجنسيته و .. مقاس حذائه! كما قادت مباحثات مع حلفائها تحت شعار (نحو عالم من الحفاة)! وعقد مجلس الأمن القومي اجتماعاً طارئاً لفك "الجزمة" الحادة التي ترتبت على الحادثة! وطلب (الإف بي آي) المشاركة في التحقيقات الجارية في إحدى البلدان العربية بعد اكتشاف مخزن للأحذية بنقابة الصحفيين! وأوردت بعض الوكالات أن الأمريكيين شرعوا في تطوير طائرة إف 16 إلى مقاس حذاء 44 استعدادًا لتوجيه ضربة قاسية للمدابغ! وقال بعض الشعراء العرب في مدح الزيدي: "سلمتْ يمينُ الشَّهم حين تعمَّدتْ/ رأسَ اللعين بجزمة سوداء/ قالت وقد مرَّت بشحمة أذنه/ ما لم تقله صحائفُ البُلغاء"!

 

* محرر بقناة الجزيرة.