على حين راحت شمس القرن التَّاسع عشر تميل للغروب، كانت الثَّورة المهديَّة ترسـي مدامـيك أوَّل دولة سـودانيَّة موحَّـدة، وعلى رأسـها الخـليفة عـبد الله، خليفة الإمام المهدي، قائد الثَّورة وملهمها الذي ما لبث أن رحل في الثاني والعشرين من يونيو 1885م، بعد أقلِّ من خمسة أشهر على تحرير الخرطوم من الحكم التُّركي العثماني في السَّادس والعشرين من يناير من تلك السَّنة. 

ومع أن الخليفة لم تكن لتنقصه، على مشارف القرن العشرين، مهارة (رجل الدَّولة) وحِذقه، إلا أن نقطة ضعفه الأساسيَّة كانت تهاونه، ولين جانبه تجاه عشيرته الأقربين (التَّعايشة)، وإطلاق يدهم، من ثمَّ، في شؤون الدَّولة الوليدة، ما أفضى، ضمن أسباب أخرى، إلى زعزعة أركانها، ومهَّد، بالتَّدريج، وعلى مدى سنوات عمرها الأربعة عشر، لسقوطها تحت سـنابك خيول الغزاة الإنجليز صباح الثَّاني من سبتمبر 1898م. فمنذ ابتداء أمر تلك الدَّولة شكَّل (الحزب التَّعايشي) دولة أخرى داخلها، باثَّاً في مفاصل السُّلطة معايير السِّياسات القبليَّة والجِّهويَّة القائمة فى التقريب والإبعاد، والإقصاء والإحلال، ما أهدر المعايير الثوريَّة القديمة لحساب الولاءات العشائريَّة، والتَّقديرات الأوتوقراطيَّة، فسُفِّل شأنُ أعلى الرِّجال همَّة، وأُعليَ شأنُ مَن كان، سابقاً، قد سَفَل، لا لأىِّ اعتبار سوى لفرط الثِّقة في أهل ولاء العشيرة، مهما تدنَّت قدراتهم، والاستهانة بمن عداهم بالغاً ما بلغت كفاءتهم!
تشتّتت بسبب تلك السِّياسات صفوف كانت شديدة التَّراص، وتخلخلت جبهة داخليَّة شكَّل توحيدها، في السَّابق، أحد أهمِّ مآثـر الثَّورة، وحلت الضَّـغينة الدُّنيويَّة محلَّ المحبَّة العقيديَّة القديمة، وانشحنت بالبغضـاء نفوس لطالما تطايبت (في شـان الله). وتلازمت، مع تلك السِّياسات السَّالبة، حملة اعتقالات وتصفيات ونفي طالت (أولاد البَلَد) عامَّة، والأشراف، عشيرة المهدي، خاصَّة، قبل أن تنقلب لتطال حتَّى بعض (أولاد العَرَب) أنفسهم، فى سياق خطة الخليفة التي هدفت، منذ مطالع النصف الثاني من ثمانينات القرن التَّاسع عشر، إلى تغيير بيئة الحكم التي كان يراها غير مواتية لسلطته في أم درمان، وفي أقاليم الوسط والشَّمال النِّيلى الأخرى، فجرى اقتلاع قبائل الغرب الرَّعويَّة من طلاقة بيئاتهم البدويَّة، وتهجيرهم إلى قيود تلك البيئات الحضريَّة، فلا سعدوا هم بها، ولا سعدت هي بهم، فكان النَّاتج قبض الرِّيح، بل المجاعـة وتخـريب حياة الطـرفين، على أن ذلك أمر آخر!
الشَّاهد أن استراتيجيَّة الخليفة تلك لم تستثن حتَّى البُعد الدِّينى، فأحاطت شخصيَّته بهالة كثيفة من التَّرميزات الغيبيَّة التي تشدُّها إلى مراكز الاستلهامات الرُّوحيَّة في الوعي الاجتماعي العام، حيث أصدر، مثلاً، (منشور الشَّعرة)، فى سبتمبر 1885م، وكان مِمَّا جاء فيه: "حضر النبي الخضر عليه السَّلام وصلى على فروتي ركعتين .. وبعد أن سلم .. قال لي ربُّك يقريك السَّلام والملائكـة يقروك السَّلام والنبي (صلعم) يقريك السَّلام والمهدي عليه السَّلام يقريك السَّلام ويقول لك: بارك الله في ما صنعته في الدِّين .. (و) جعلك هديَّة في الأرض من مشرقها إلى مغربها .. ثم سألت الخضر عن سبب انقطاعه مني منذ انتقل المهدي عليه السَّلام، فقال لي .. كنت غافراً على شعرة من شعر المهدي أمَّنها لأحمد سليمان .. وأنا أخشى أن تقع منه فى الهبوب أو .. فى محل وسخ وتروح منه .. وبعد أن بلعتها أنت أمس استرحت أنا"!
وإنْ هي إلا أشهر قلائل، بعد ذلك، حتَّى بدأت حملة إضعاف خصوم الخليفة المفترضين من (الأشراف)، وعلى رأسهم الخليفة شريف، كبير أقارب المهدي، وتصفيَة (راياتهم) من قوَّات (الجِّهاديَّة) الخاصَّـة الضَّاربة، وتجريدهم من العدَّة والعتاد، ثم إبعادهم من مجلس الخليفة، بل وتخفيض مخصَّصاتهم وامتيازاتهم!
تلك السِّياسات، وإن ضمنت تَّركيزاً نسبيَّاً للسُّلطة فى يد الخليفة و(الحزب التَّعايشي)، إلا أنها راكمت من الغبينة ما لم يكن ممكناً للصدور أن تستمر فى كبته إلى ما لا نهاية، فانفجر الصِّراع، بأكثر أشكاله دمويَّة، بين (أولاد البَلَد) بقيادة (الأشراف)، وبين (أولاد العَرَب) بقيادة (الحزب التَّعايشى) الذى كان قد أخذ يجحد مشروعيَّة المغايرة، ويتنصَّل عن الإقرار الثَّوري القديم بـ (تعدُّد) الرَّايات في (وحدة) الجيش، ما دفع (الأشراف)، بالمقابل، لإنشاء تنظيمهم السِّري، والشُّروع في تحشيد المقاتلين وجمع السِّلاح!
بالنَّتيجة استيقظت أم درمان، صباح الثَّالث والعشرين من نوفمبر 1891م، على البنادق السُّودانيَّة مصوَّبة، لأوَّل مرَّة، لا إلى (حُمْرَةٍ أباها المهدي)، كناية عن الغازي الأجنبي، بل إلى الصُّدور السُّودانيَّة ذاتها، مشكِّلة أحد أخطر معالم إضعاف الدَّولة المهديَّة لحساب التَّآمر الاستعماري الذي ما لبث أن بلغ ذروته في سفح جبل (كرري) بعد أقلِّ من سبع سنوات من ذلك اليوم الكئيب!
إنهزم (الأشراف) في تلك المواجهة، واقتيد الخليفة شريف نفسه إلى السِّجن مضروباً، مهاناً، ومُكبَّلاً بالحديد، ولم يخلُ التَّعريض به من بعض صور التَّعبير (الدِّينى) عن الصِّراع (السِّياسي)، فأصدر مجلس من ستَّة وأربعين من أكابر الدَّولة منشوراً ممهوراً بتوقيعاتهم وأختامهم يزعم أنه "لم يبال بإدخال الخلل في الدِّين وشقِّ عصا المسلمين"!
ولعلَّ أكثر ما يستدعي التأمُّل المتمكِّث، في هذا السِّياق، عبرة الأمير (التَّعايشي) الزَّاكي طمل! فقد كان عُيِّن، قبل تلك الأحداث المأساويَّة، عاملاً على منطقة فشودة بجنوب السُّودان؛ وعندما وقعت (نكبة الأشراف) نُفي إليه المعتقلون، فنفَّذ فيهم، بلا أدنى ورع أو رحمة، أوامر الخليفة بضربهم حدِّ الموت، بل وأصدر الخليفة نفسه منشوراً بإخبار عن (حضرة نبويَّة) تبارك مصيرهم! ثمَّ ابتُعث الزَّاكي، لاحقاً، إلى منطقة القضارف بشرق السُّودان لمجابهة الطليان الذين كانوا يوسِّعون حدودهم، وقتها، في إرتريا. غير أن نفراً مِمَّن كانوا يكيدون له، ضمن نفس صراع السُّلطة والثَّروة ذاك، سعوا بوشاية لدى الخليفة عن اتِّخاذه قصراً جميلاً، وعن ميله لحياة الدِّعة والتَّرف! ولمَّا أعطى الخليفة أذناً صاغية لتلك الوشاية، أمر، فأُحضر الزَّاكي إلى أم درمان، وكُبِّل بالحديد، وألقى به في غيهب سجن (السَّاير)، وقيل مُنِع عنه الطعام حتَّى مات جوعاً! ولم يفُت الخليفة أن يُعرِّض به دينيَّاً، أيضاً، حتَّى بعد موته، دون أن يشفع له أنه كان ذلك القائد (المخلص) الذي نفَّذ، بدم بارد، مقتلة (الأشراف) ضرباً في فشودة! وفي سياق التَّعريض به قال الخليفة:
ـ "وجدنا به عارضاً شديداً، وقيل إنه كان معه مِن سابق إلا أنه اشتدَّ عليه في هذا الوقت، وبأسباب ذلك أجرينا زجره وحبسه بالمشورة .. (و) هلك في السِّجن على صفة فظيعة، وحالة شنيعة، وبمجرد خروج روحه اشتعلت النار فى جسمه، واسودَّ وجهه، والعياذ بالله"!
لكن الزَّاكي كان قد سرَّب من سجنه، قُبيل موته، رسالة ذات مغزى عميق، على قِصَرها، إلى الأمير يعقوب (جُراب الراي)، شقيق الخليفة وساعده الأيمن، طافحة بكلِّ ما يمكن أن يعتمل فى النفس البشريَّة من مشاعر الغبن، والأسف، وخيبة الأمل:
ـ "قل للخليفة سيأتى اليوم الذى تحتاجون فيه لأمثالى من الرِّجال .. ولن تجدوهم"!
وبالفعل .. كان مكان الزَّاكي خالياً يوم كرري!
…………………….
…………………….
ولأن الشَّئ بالشئ يُذكر، فثمَّة حادثة أخرى لا تقلُّ أهميَّة، ولا يقلُّ مغزاها عمقاً، وقعت بعد أقلِّ من عقدين من تلك الأحداث، عشيَّة المواجهة على مشارف الفاشر، عام 1916م، بين الجَّيش الإنجليزي وقوَّات السُّلطان علي دينار الذي كان قد غادر ساحة المعركة في كرري عندما استبانت إمارات الهزيمة في الثَّاني من سبتمبر 1898م، وتوجَّه إلى سلطنته القديمـة في دارفـور، فساسـها بقمع سارت بذكره الرُّكبان. الشَّاهد أن مجلس السُّلطان كان قد انعقد، يومها، لبحث ما ينبغي عمله إزاء الخطر الدَّاهم المتمثِّل في اقتراب الجَّيش الإنجليزي. فإذا بـ (الموقاي)، وهو أمين سر المجلس المشمول بحصانة خاصَّة، يطلق كلمته التي سارت مثلاً، حين خاطب السُّلطان قائلاً:
ـ "دِفيت بالجِّضُول وتوَّا الشِّتا جِي"!
والمعنى أنَّك، أيُّها السُّلطان، قد استنفدت، خلال السَّنوات الماضية، كلَّ جذوع الأشجار التي يمكن أن يُتدفأ بها، ثمَّ ها هو الشِّتاء الحقيقي قد جاء، فما العمل؟!
…………………….
…………………….
و .. حقَّاً ما أكثر العِبَر، وما أقلَّ الاعتبار!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.