كمال الجزولي

شَريعَلْمَانيَّةُ الدَّوْلَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

وددت لو ان هيئة علماء السودان كانت أكثر دقة مِمَّا فعلت فى بيانها بعنوان (مبادرة هيئة العلماء لتحقيق السلام وتثبيت الشريعة بالسودان) ، والمنشور كإعلان مدفوع الأجر على الصفحات الأولى لصحف الخرطوم صباح 17/5/2004م.
مضمون البيان أن الهيئة تقدمت (بمبادرة) لحلحلة الخلاف حول وضع التشريع فى العاصمة القوميَّة بين وفدى مفاوضات السلام فى نيفيشيا. وأنها قامت قبل ذلك بمشاورات أفضت إلى (رأى موحَّد) بين الهيئة من جهة ، وبين أنصار السنة والاخوان المسلمين وكيان الانصار  وعدد من الافراد يمثلون اتجاهات اسلاميَّة عريضة من الجهة الأخرى.
وفحوى الرأى المدعى بتوحُّده "أنه لا مجال للتراجع عن تطبيق الشريعة فى الولايات الشمالية حيث لا خيار لأى مسلم سوى الاحتكام إلى الشريعة ، وإذا حكم الحاكم بغيرها كان كافراً أو فاسقاً أو ظالماً ، وأن الخرطوم هى عاصمة الدولة الاسلاميَّة وهى أرض الاسلام والمسلمين. وأن مجرد الحديث عن علمانيتها قول مرفوض تسقط ولاية من يقول به ، وأن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة .. لا يقول به جاهل ناهيك عن عالم وهو مرفوض شرعاً بل وفى القوانين الوضعيَّة .. ثم نظرت الهيئة فى التطبيق الشخصى للحدود على غير المسلمين ورفضت هذا الخيار ، لكنها تركت للقاضى أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم".
ويمضى البيان ليوحى بأن الهيئة (بادرت!) من تلقاء نفسها بالسفر ، بعد بلورة هذا الرأى ، للاجتماع بالوفدين لإبلاغهما به ، فلاقى استجابة كريمة منهما ، وكانت "الخلاصة فيما يتعلق بالشريعة أنها ثابتة فى العاصمة بكاملها وبالقانون الموجود حالياً" ، كما أعلن د. جون قرنق أنهم "تخلوا عن فكرة علمانيَّة الدولة وعلمانيَّة العاصمة وثنائيَّة القانون ، إلا أنه طلب ضمانات على حفظ حقوق الأقليَّات غير المسلمة ، وتجرى الآن المفاوضات حول هذه النقطة".
أول مظاهر عدم الدقة فى هذا البيان أنه يصوِّر ما جرى من استدعاء نائب رئيس الجمهورية لعدد من العلماء للحضور إلى نيفيشيا بناءً على طلب د. جون قرنق ، فى إيماءة علاقات عامة واضحة لكل ذى عينين ، بأنه (مبادرة) من هيئة العلماء أفضت إلى حل مشكلة الخلاف على التشريع فى العاصمة القوميَّة! ولكن الحقيقة البسيطة التى أزاح الستار عنها عضو الوفد الشيخ عمر يوسف حمزة ، فى حديثه إلى الكاتب الصحفى د. عبد اللطيف البونى ، هى أن د. قرنق شاهد شيخ الهدية يتحدث فى التلفزيون عن الشريعة فى العاصمة ، فطلب من الأستاذ علي عثمان أن يوصله به ، فقام الأستاذ على بتكبير الفكرة طالباً وفداً من العلماء لزيارة مكان التفاوض (الصحافة 17/5/04) ، فأين (المبادرة) هنا؟!
المظهر الآخر لعدم الدقة إيحاء البيان بموافقة (كلِّ) الكيانات الاسلامية التى جرت مشاورتها ، ومنها كيان الأنصار ، على الرأى الفقهى المشار إليه. ولما كان من المعلوم أن (كلَّ) هذه الكيانات موالية للنظام ، ما عدا كيان الأنصار ؛ ولما كنت قد علمت من الشيخ عبد المحمود أبو ، الأمين العام لهيئة شئون الانصار ، أن خيارهم هو (التطبيق الشخصى) للقوانين المستمدة من الشريعة الاسلاميَّة ، بصرف النظر عن أىِّ جدل يمكن أن يثيره هذا الرأى ، فقد بدا لى مستغرباً الزعم فى البيان بأنهم وافقوا على الرأى القائل بأنه ".. لا يمكن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة" ، دع أن يوافقوا على وصف موقفهم هذا بأنه ".. لا يقول به جاهل ناهيك عن عالم"!
وللوقوف على جليَّة الأمر أجريت محادثة هاتفيَّة صباح 22/5/04 مع د. محمود مصطفى المكى ، عضو الأمانة العامة للكيان وأستاذ القانون الدولى بجامعة أم درمان الاسلاميَّة ، الذى أوضح لى أنه وعضوين آخرين هما الأستاذ محمد المهدى والدكتور عبد الرحيم آدم كانوا ، قبل سفر الوفد إلى نيفيشيا ، قد لبوا باسم الأمانة العامة دعوة للاجتماع بمنزل د. محمد عثمان صالح ، الأمين العام لهيئة العلماء ، للتداول فى أمر (تطبيق الشريعة على غير المسلمين فى العاصمة القوميَّة). فى ذلك الاجتماع استعرض مولانا محمد ابراهيم محمد ، قاضى المحكمة العليا وعضو هيئة العلماء ، عدة خيارات فقهيَّة فى هذا الشأن ، من بينها رأى الشافعى القائل بأن للامام أن يطبق الشريعة على غير المسلمين ، إن هم طلبوا ذلك ، أو لا يطبقها. وقد استحسن الحضور هذا المذهب ، كما لخص د. عبد الرحيم آدم رأى كيان الأنصار القائم فى (التطبيق الشخصى) ، والذى ينسجم فى جوهره مع مذهب الشافعى من حيث إمكانيَّة عدم تطبيق الشريعة على غير المسلمين فى كل السودان ، لا فى العاصمة وحدها.
لكن ، ولئن كان رأى الشافعى قائماً فى مستوى التشريع الموكول لبعض سلطة (الدولة/الامامة) ، فإن أخطر ما فى الرأى الذى خلصت إليه هيئة العلماء أنه قائم فى مستوى عمل (القاضى الفرد) ، كونه يترك لكل (قاض!) على حدة "أن يختار من أقوال الفقهاء ما يقع عليه الترجيح للمصلحة الشرعية عند الحكم"! وهكذا فإن للمحكومين ، مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، أن يحتشدوا رعباً حتى أسنانهم ، حين يتصورون قاضيين فى محكمتين متجاورتين يحاكمان متهمين بارتكاب نفس الفعل ، وفى نفس الظروف والملابسات ، وببينات متشابهة حدَّ التطابق ، فيترك المشرِّع لكل منهما أن يحدِّد وجه (المصلحة الشرعيَّة) حسبما (يروقه) من (أقوال الفقهاء)!
مهما يكن من شئ ، فإن الثابت أن زيارة وفد الهيئة إلى نيفيشيا جاءت لاحقة على تنازلات الحركة تباعاً بشأن التشريع فى العاصمة: تنازلت أولاً عن مطالبتها بعاصمة خالية من الشريعة ، ثم خفضت مطالبتها إلى عاصمة محكومة بقانونين ، ثم ارتضت تحكيم الشريعة فى العاصمة التابعة (للشمال) وفق بروتوكول مشاكوس المبرم فى 20/7/02 ، على أن توفر (ضمانات) لغير المسلمين فيها. وتقديرنا أن أىَّ (ضمانات) يمكن تصوُّرها لا بد أن تجئ فى إطار (تشريعى) ، مِمَّا سوف يعنى عملياً تطبيق قانونين فى العاصمة ، أو بعبارة أخرى: إعتماد التطبيق الشخصى!
على أن ما يشدُّ الانتباه بأقوى من مجرَّد إبرام هذا الاتفاق الثنائىَّ بين الطرفين هو انتفاء (التكأة) القديمة ، من الآن فصاعداً ، لدى تيار (عقلانيَّة البداهة) المتثائبة وسط انتلجينسيا الجماعة المستعربة المسلمة ، مِمَّن ظلوا يقاومون مشروع الدولة الدينيَّة ، لا من حيث مصادمته لروح الاسلام ومقاصده الجوهريَّة ، وإنما من زاوية المنافحة عن (حقوق غير المسلمين) ، فلكأن المشروع كان من الممكن أن يعتبر صائباً فى ما لو لم يكن ثمة (غير مسلمين) فى البلاد! والحق أن هذا المنهج الملتوى ظل يوفر دائماً الفرصة تلو الفرصة لدمغ أصحابه من جانب خصومهم باعتبارهم يتحرَّكون فقط فى خلفية (الأهواء الذاتية) ، كمحض (هوائيين) مَتهومين فى دينهم وأخلاقهم! فقد وصفهم د. الترابى ، مثلاً ، بأنهم ".. منافقون مارقون من بين صفوف المسلمين .. يتصنعون الغيرة على حقوق المواطنة .. وأنهم بحماية الأقلية غير المسلمة فى الجنوب يريدون أن يلقنوا تلك الأقلية لتعبر عن (أهوائهم) التى لا يستطيعون أن يفصحوا عنها" (من محاضرة له عن تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان ـ ضمن عبدالله على ابراهيم ، الثقافة والديموقراطية فى السودان ،  ط 1 ، دار الأمين ، القاهرة 1996م ، ص 25). ولعل الأنكى أن ذلك المنهج الكاسد لم يجتذب حتى تعاطف من ظل يزعم الدفاع عن حقوقهم ، فليس نادراً ما ارتفعت وسط (إنتلجينسيا غير المسلمين) تعبيرات متضجِّرة من أنهم ليسوا على استعداد لأن يخوضوا (لأولاد العرب المسلمين) معركتهم (بالوكالة!) ، بل وقد يرغبون فى رؤيتهم متمتعين أولاً بحقوقهم فى الاعتقاد والرأى وأنواع الشغف الأخرى قبل أن يصدِّقوا أطروحتهم هذه (المصدر).
لذلك ، ولأن (رُبَّ ضارة نافعة) بحق ، فمن شأن هذه الصفقة الثنائيَّة التى تطلق يد تيار الدولة الدينيَّة فى شمال السودان وحده أن توقظ تيار (عقلانية البداهة) وسط المستعربين المسلمين من غفوة الهشاشة الفكريَّة القديمة ليدرج فى مراقى الوعى بذاته ، وبمكوِّناته الثقافيَّة ، وبمرجعيَّته المتوطنة فى قلب تربة الاسلام ، والقائمة ، بالأساس ، فى الاعلاء من شأن العقل والكرامة والحرية والمساواة والشورى والعدالة الاجتماعية وتمييز ما هو (دين) عما هو (دنيا) جرياً على الحديث الشريف: (مَا أَمَرتُكُم بِشَئ مِن دِينِكُم فَخُذوه ، أمَّا مَا كانَ مِن أَمْرِ دُنياكُم فأَنْتُم أَدْرَى بِهِ) ـ رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل.
وهكذا ، فإن مشهد النزاع الرئيس مرشح ، من الآن فصاعداً ، لأن يتركَّز ، لا على وقائع العلاقات المأزومة بين (المسلمين) و(غير المسلمين) ، بل على صراع الفهوم والسياسات شديدة التعدُّد والتباين وسط الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها بشأن جليَّة موقف دينها وثقافتها من هذه القضايا بالأساس ، بصرف النظر عن حقوق غير المسلمين فى البلاد ، على ما هى عليه من خطر وأثر.
المظهر الثالث لعدم دقة البيان تخليطه الواضح بين مفاهيم (الدولة) و(الاقليم) و(العاصمة) فى إعلانه ألا تراجُع عن الشريعة فى (الشمال) ، حيث لا خيار لأى (مسلم) سوى الاحتكام إليها ، وإذا (حكم الحاكم!) بغيرها كان (كافراً أو فاسقاً أو ظالماً) ، وأن (الخرطوم) هى (عاصمة الدولة الاسلاميَّة!) وهى (أرض الاسلام والمسلمين!) ، وأن مجرد الحديث عن (علمانيتها) قول مرفوض (تسقط!) ولاية من يقول به ، كما وأن الكلام عن تطبيق قانونين فى منطقة جغرافيَّة واحدة لا يمكن أن يصدر عن جاهل ناهيك عن عالم!    
حسناً! لنتجاوز سخونة العقل السجالى هذا كى ننفذ ، على الأقل ، إلى برودة المنطق الشكلى ، دع الشرعى ، وفق المواضعات نفسها التى تجترحها هيئة العلماء ، وذلك على النحو الآتى:
1/ (فالسودان) ما يزال ، وإلى حين إشعار آخر ، (دولة) موحَّدة بحدود عام 1956م.
2/ و(الجنوب) ما يزال ، إلى حين إشعار آخر ، مجرَّد (إقليم) فى هذه (الدولة) وليس (دولة أخرى مستقلة).
3/ فإذا كانت (الخرطوم) هى (عاصمة الدولة الاسلاميَّة) ، بمنطق البيان نفسه ، فإن (السودان) هو تلك (الدولة الاسلاميَّة).
4/ وإذا كانت (الدولة الاسلاميَّة) هى (أرض الاسلام والمسلمين) ، فالمقصود هنا إذن (دولة السودان) كلها ، بجميع (أقاليمها) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، لا (العاصمة) وحدها.
5/ وبالتالى ، إذا لم يكن ثمة خيار لأىِّ (مسلم) سوى الاحتكام إلى (الشريعة) ، فإن ذلك ينطبق على أىِّ (مسلم) فى أىِّ (إقليم) من هذه (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، وليس فى (الشمال) فحسب أو (العاصمة) فقط.
6/ وإذا كان على (الحاكم) أن (يحكم) فى (الدولة الاسلاميَّة) وجوباً (بالشريعة) ، وإلا كان (كافراً أو فاسقاً أو ظالماً) ، فإن هذا ينسحب على أىِّ (حاكم) لا يطبق (الشريعة) فى أىِّ (إقليم) من (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب).
7/ وإذا كان مجرَّد (الكلام) عن تطبيق (العلمانيَّة) فى عاصمة (الدولة الاسلاميَّة) يسقط (ولاية) من يقول به ، فإن (إقرار) هذه (العلمانيَّة) فعلياً وعملياً على (إقليم) بأكمله من (أقاليم) هذه (الدولة الاسلاميَّة) ، بما فى ذلك (الجنوب) ، أوجب (لإسقاط) تلك (الولاية)!
8/ أما القول الغليظ بأن (الحديث) عن تطبيق (قانونين) فى (منطقة جغرافيَّة واحدة) لا يمكن أن يصدر عن (جاهل!) ناهيك عن (عالم!) ، فإنه أنشوطة منطقيَّة تلفها هيئة (العلماء!) بنفسها، للغرابة ، حول عنقها ، من حيث لا تدرى أو ، للدقة ، من حيث تسهو فيفلت منها ، دون إرادتها ، شيئاً من المسكوت عنه لديها! ذلك ، ببساطة ، أن الهيئة الموقرة قد غفلت عن حقيقة أن (المنطقة الجغرافيَّة الواحدة) ليست هى (الخرطوم) فحسب ، بل (السودان) كله الذى ارتضت الهيئة تطبيق (قانونين) فيه .. بسلاسة!
والآن ، ولكى يكون موقف هيئة العلماء متسقاً ، وحتى تنضبط البنية المنطقيَّة للذهنيَّة الرابضة خلف بيانها ، فإن أمامها أحد خيارين لا ثالث لهما: فإما أن تفتى (بتحريم) بروتوكول مشاكوس الاطارى لسنة 2002م ، كونه استثنى (الإقليم الجنوبى) بأكمله من (حكم الشريعة) ، فأضحى القانون المطبق فى (الدولة الاسلاميَّة) لا هو (الشريعة) ولا هو (العلمانيَّة) ، بل (الشريعلمانيَّة!) ، أو أن تقِرَّ بأن تلك كلها ترتيبات سياسيَّة تفرضها أوضاع دنيوية ، فترفع يدها عنها وتتركها لمنطق السياسة الدنيوية وموازناتها. ولعل فى ذلك شيئاً مِمَّا ذهب إليه الشيخ آدم أحمد يوسف ، إمام مسجد السيد عبد الرحمن بودنوباوى ، بقوله فى خطبة الجمعة 14/5/2004م إن هذه القضيَّة ، بهذه الصورة ، ليست قضيَّة دينيَّة يعالجها العلماء ، وإنما هى قضيَّة سياسيَّة تعالج فى هذا الاطار من خلال المفاوضات.

***
 

زُغْبُ الحَوَاصِلْ!
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
فى حوار صحفىٍّ غير مسبوق مع أسرة د. حسن الترابى تحدث نجله عصام عن الأثر النفسى والاجتماعى لخبرتهم مع اعتقال والدهم قائلاً إنهم عانوا من هذه المسألة كثيراً ، ودفعوا ثمنها منذ صغرهم ، إلا أن قطاعات مختلفة من الناس والجيران ، بمن فيهم حتى الذين يختلفون سياسياً مع والدهم ، قد آزروهم وتعاطفوا معهم ، لدرجة أنهم كانوا يأتون إليهم أحياناً بالطعام من بيوتهم! وقال إنه يتمنى الآن لو أن والده "لم يشتغل بالسياسة أصلاً"!
وفى ذات الحوار وصفت زوجة الترابى السيِّدة وصال المهدى اعتقال رب الأسرة بأنه اعتقال للأسرة كلها ، وخاصة الأطفال ، إذ يكون تأثرهم النفسى أكثر من الكبار ، وروت كيف أن أحد أطفالها تأثر ، ذات اعتقال ، حتى أنه أصيب بحالة من فقدان القدرة على وضع قدمه على الأرض ، متمنية "لو ان الديموقراطيَّة استمرَّت .. ولم تأتِ الانقاذ!" (الأضواء ، 14/8/04).
إجتاحتنى ، فجأة ، وأنا أطالع هذا الحديث ، موجة من الأسى المتكاثف ، حين دَهَمَتنى طيوف القتلى والمُعذبين ووجوه المعتقلين السياسيين والنقابيين الذين لطالما غيَّبتهم سجون الترابى و(بيوت أشباحه) ، فتكدَّسوا بالمئات وراء أسوارها العالية ، وداخل زنازينها الخانقة ، يوم كان هو ، ردَّ الله غربته ، صاحب الدولة والصولة والصولجان ، وكان الحَوْلُ حَوْله ، والطوْلُ طوْله ، والأمر كله طوْعَ بنانه ، قبل أن يباغته حواريوه ، من حيث لم يحتسب ، بجفاء ظهر المجن ، لتنتهى به هذه الشكسبيريَّة السوداء إلى سجن أسود داخل سجن أسود يعيش فيه على الأسودَيْن .. فتأمَّل!
لقد انقضَّ الترابى ، بغتة ، بانقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، على خصومه جميعاً ليفصلهم ، بضربة سيف ، ولأزمنة متطاولة ، عن أسر ممتدَّة لا عائل لها سواهم ، وزغب حواصل لا حيلة لهم بدونهم ، ودنيا قد تقوم ولكنها لا تقعد ، يقيناً ، بغيرهم ، مِمَّا يندرج ، على نحو ما ، ضمن هموم علم الاجتماع ، وشواغل علم النفس ، ومباحث علم التربية. ولكن شيئاً من ذلك لم يكن ليندرج ، مثقال ذرة ، للأسف ، ضمن هموم الرجل المركوزة فى "التديُّن بالسياسة!" أو شواغله المحصورة فى "التمكين لحركته باختزال المجتمع كله إلى صورتها!" أو مباحثه المسدَّدة صوب "إخراج العالم بأسره من عبادة الشيطان إلى عبادة الرحمن!" أو كما قال!
كان ذلك قبل أن يفيق الرجل فى سجنه الأخير إلى لغة يفهمها الناس فيتفقون أو يختلفون معه سياسياً على بيِّنة من (كلام الدنيا) ، كقوله ، مثلاً ، عن مظالم دارفور: "إن عدد المدارس في محافظة الكاملين الصغيرة المجاورة للخرطوم أكثر من عدد المدارس في جميع ولايات دارفور الكبرى التى تفوق فرنسا مساحة!" (البيان ، 8/8/04). وهى لغة تجعلنا نخالف الابن الذى تمنى لو ان أباه لم يشتغل بالسياسة قط ، متمنِّين لو اشتغل بها ، ولكن .. فى الأرض ، وليس فى السماء!  
وإلى هذا فإن أيَّة بلاغة لتتقاصر عن الاحاطة بما أحسست به ، كأب ، من رعدة تسرى فى أوصالى بإزاء حديث الأم عن الصدمة النفسيَّة التى حدثت لأحد صغارها ذات مرَّة جرَّاء اعتقال الأب ، حتى أعجزته عن وضع قدمه على الأرض! هذا الحديث أثار لدىَّ كوامن خبرة شخصيَّة أليمة سوف تظل محفورة كالوشم فى قلبى ما حييت ، وأنتهز هذه الفرصة لأهديها للسيدة وصال.
فقد حدث أن عدت ذات مرَّة إلى البيت ، بعد أن أطلق سراحى من اعتقال إدارىٍّ تطاول لسنتين فى أحد سجون الترابى ، ليتحلق طفلاى حولى يتقافزان فرحاً ، وقد كبُرا شيئاً ، ويحجلان كقبُّرتين ضاجَّتين بشقشقة آية فى العذوبة ، وكانا قد حُرما طوال السنتين من زيارتى .. لأسباب أمنيَّة!
فجأة ، وفى غمرة تنافسهما على الاستئثار باهتمامى ، زلَّ لسان أكبرهما (أبَىْ) وهو يتسلقنى ويتشبث بعنقى مستخدماً كفيه الصغيرتين وصيحاته العالية لتحويل وجهى من شقيقته (أروى) إلى جهته وهو ينادينى بتلقائيَّة ووداعة: "عمو .. عمو"! ثم سرعان ما انتبه ، فران صمت زئبقىٌّ بيننا لبرهة قصيرة ، أفلت بعدها ضحكة مرتبكة وهو يضع سبابته بين أسنانه ويلثغ بخجل طفولى: "أعمل شنو ياخ .. الناس كلهم بقوا عمو"!
لحظتها أحسست بالصقيع يرسب فى أعماقى ، فهرعت إلى ركن قصىٍّ أخلو فيه إلى دمع هتون ، وغصَّة حنظليَّة ، وقلب يئزُّ كخليَّة نحل!   
لا أفاضل بين أبوَّة وأبوَّة ، ولا أستفظع غبناً على غبن ، ولكن ، إن كان ثمة أىُّ معنى (للسلام) ، فعلاً لا قولاً ، أو لاستشراف أىِّ أفق معقول للحوار المرتقب بين الحكومة والمعارضة ، أو للحل الوطنى الديموقراطى لقضيَّة دارفور بما يستبعِد الأجندة الأجنبيَّة ، فلا بُدَّ من إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، بمن فيهم الترابى نفسه ، ثم التواثق على نهج وطنىٍّ وآليَّة فعَّالة (للاعتراف) التفصيلىِّ المستقيم (بحقيقة) ما وقع من جرائم وتجاوزات خلال السنوات الخمس عشرة الماضية ، بما فيها سنوات سطوة الترابى نفسه ، كشرط لا غنى عنه (للمصالحة) على النموذج (الجنوبافريقىِّ) البديع ، والقائم على فكرة أخلاقيَّة بسيطة: أطلب من الجلاد أن يعترف قبل أن ترجو من الضحيَّة أن يعفو! و(العفو) فى الاسلام قيمة أخلاقيَّة تكتسى سُموَّها ورفعتها عندما تقترن (بالمقدرة) ، وغنىٌّ عن القول أن (مقدرة) الضحيَّة تبدأ فقط فى اللحظة التى يفرغ فيها الجلاد من (اعترافه)!
خطة كهذى كفيلة ليس فقط بأن تغسل من الأنفس المكدودة نزعة الانتقام السالبة ، بل وأن تقشع من فضائنا السياسىِّ كلَّ صنوف العنف مستقبلاً ، وبخاصة عنف الدولة المادىِّ والمعنوى ، بما فى ذلك مؤسَّسة (الاعتقال الادارى) و(القوانين الاستثنائيَّة) التى أثبتت التجربة العمليَّة على أقل تقدير أنها عاجزة ، فى غالب استخداماتها ، عن كسر الإرادة النضاليَّة لدى من يؤمنون بقضاياهم ويتمسكون بمبادئهم ، فهى محض طاحونة تجعجع ليل نهار دون أن تمنح السلطة (طحينها) المأمول! وأنها إلى ذلك ، ولهذا السبب بالذات ، غير جديرة إلا بمراكمة آخر ما نحتاجه: المزيد من الإحن والضغائن فى مداخل أيَّة (تسوية) تاريخيَّة مرغوب فيها! اللهم قد بلغت ، اللهم فاشهد!







حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (4ـ4)
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) تحرَّكت هذه الكتابة ، عبر حلقاتها الثلاث الماضيات ، من استبشاع قهر المستضعَف وإذلاله إلى تقصِّى أساليب هذه الممارسة الشائنة فى أنظمة الاعتراف الجنائى كما عرفتها البشريَّة منذ أقدم العصور ، والمناهج والوسائل التى رتبتها لمناهضتها فوق كلِّ ما ناء به ضميرها من أوزار. وأشرنا ، فى الاطار ، إلى عدد من الوثائق الدوليَّة (كالاعلان العالمى لحقوق الانسان) و(العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) مع (البروتوكول الاختيارى الثانى) الملحق به ، إضافة (لإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، والذى تحوَّل ، لاحقاً ، إلى (اتفاقية) دخلت حيِّز التنفيذ فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1997م يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب ، فكرَّسنا هذه المقالة للاحتفاء به.
(1/2) وأوضحنا اهتمام القانون الدولى المتزايد بهذه القضيَّة. ولكننا استدركنا بأن مزيداً من الجهد يُنتظر بذله فى حقول أخرى ، وبالأخص (الثقافة) التى تتشكل فى ترميزات القيم المعتقديَّة والفطرة السليمة. وتمنَّيْنا على المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب إثراء خطابها بما يكرِّس الموقف الأخلاقىَّ من التعذيب لدى منظومة التنوُّع الدينى والثقافى فى بلادنا. ونفذنا لموقف الاسلام ، لا كدين للجماعة السودانيَّة المستعربة المسلمة فحسب ، بل ولتداخله فى النسيج الثقافى لتكوينات إثنيَّة أخرى تنتمى إليها مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، مِمَّا يفترض التأثير المتبادل بين أنظمة القيم كفأل حسن لقضيَّة الوحدة الوطنيَّة.
(1/3) وتناولنا جوهر حقوق الانسان فى الاسلام بمقاربة المفهوم القرآنى للانسان نفسه ، ككائن مُكرَّم بالعقل والفطرة وأمانة الاستخلاف المؤسَّس على حريَّة الاختيار. وعرضنا فى السياق للخلاف فى تاريخ الدولة الاسلاميَّة والفكر السياسى الاسلامى حول العلاقة بين إرادة الله وإرادة الحاكم ، وبحث (السلطويين) المستمر عن الغطاء الأيديولوجى للطاعة! فقد أجمع (المرجئة) ، مثلاً ، أو ما يُعرف (بالخطاب المفكر للحزب الأموى) ، على تأويل (آيات الوعيد) فى ما يتصل خصوصاً بظلم الحاكم ، باعتبارها تنطوى على استثناء مضمر ، مِمَّا يُعدُّ مسلكاً تبريرياً للظلم والفساد! وضاهينا بين هذه الأطروحة القائمة فى ردِّ ظلم الحاكم وفساده (لإرادة الله!) وبين أطروحة د. الترابى الساعية ، مع الفارق ، وبرغم التواء العبارة ، للمطابقة بين (الإيمان) و(السياسة) ، من حيث (التوحيد) و(الشرك) ، عنده ، فى كليهما!
(1/4) ثم أبرزنا تياراً آخر اشتغل على (حريَّة الارادة الانسانيَّة) فى القرآن ، كاشفاً الدوافع (السياسيَّة) لنظريَّة (الارجاء)! مِمَّا أدى لاغتيال رموزه كمعبد الجهمى وغيلان الدمشقى والجعد بن درهم ، مثلما اغتيل محمود محمد طه فى السودان! كما أشرنا إلى أن الحسن البصرى يُعتبر من أقوى أبكار المدافعين عن هذه الوضعيَّة القرآنيَّة ، وأن أئمة التنوير يؤكدون أن هداية الدين نفسها هى الهداية الرابعة بعد هداية الحواس والوجدان والعقل. ولكن هذه الوضعيَّة المفهوميَّة لم تنسرب فى تاريخ الفكر الاسلامى بذات سلاستها فى الخطاب القرآنى. (فالقرآن) هو كلمة الله المطلقة ، بينما (الفكر) انعكاس لصراعات البشر النسبيَّة ، مِمَّا ينطوى على وجه أساسىٍّ للفارق بين (الدين) و(التديُّن) ، بين (الاسلام) وبين (تاريخ الدولة الاسلاميَّة). وخلصنا إلى أن الشريعة ، وإن عرفت نظام (الاعتراف/الاقرار) كدليل ، إلا أنها كبحت استخداماته بأشراط  يستحيل على (الوالى) إغفالها دون أن يكون قد أغفل أشراطاً فى صميم العقيدة نفسها من حيث (الاختيار) لا (الجبر) ، وفى ما يلى الحلقة الخاتمة:
(2)
(2/1) التعذيب يُنتج حالة من الاكراه. و(الاكراه) ، فى اللغة كما فى المصطلح الفقهى: حمل الغير قهراً على أمر لا يرضاه. وهو من (الكراهيَّة) التى تنافى الحب والرضا. ولذا تقاطعت الكراهيَّة مع الحب فى قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم" (216 ؛ البقرة). وقد عرَّفه شمس الدين السرخسى فى (المبسوط) بأنه "فعل يفعله الانسان بغيره فينتفى به رضاه أو يزول به اختياره". والمقصود (بالاختيار) ترجيح فعل الشئ على تركه أو العكس (وهبة الزحيلى ؛ الفقه الاسلامى وأدلته ، ط 1 ، ج 5 ، 1984م ، ص 386 ـ 387).
(2/2) والاكراه نوعان: مُلجئ كامل ، وغير ملجئ أو قاصر. فالأول لا يترك للشخص قدرة أو اختياراً ، كأن يهدِّده بالقتل أو التخويف بقطع عضو أو بضرب مبرح متوال يخاف منه إتلاف النفس ، قلَّ الضرب أم كثر ، وحكمه أنه يُعدم الرضا ويُفسد الاختيار. أما الثانى فهو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو ، كالتخويف بالحبس أو القيد أو اتلاف المال أو الضرب اليسير الذى لا يُخاف منه تلف النفس ، وحكمه أنه يُعدم الرضا وإن كان لا يُفسد الاختيار (بدائع الصنائع ، ج 7 ، ص 175 ـ وتكملة فتح القدير ، ج 7 ، ص 292 وما بعدها ـ ضمن وهبة الزحيلى ؛ الوسيط فى أصول الفقه الاسلامى ، ص 185 وما بعدها).
(2/3) ولا يقتصر الاسلام على المبادئ العامَّة التى عرضنا لها بعاليه ، والتى يمكن فعلاً ، فى ضوئها ، قراءة موقفه من (الاكراه/التعذيب) كوسيلة لانتزاع (الاعتراف) ، بل إن هذه المسألة وردت بصورة مخصوصة فى القرآن والحديث وفى غيرهما من المصادر. ويعتبر أقوى الشواهد على كون (الاختيار) شرطاً أساسياً لصِحَّة (الاعتراف) من زاوية النظر الاخلاقيُّة والشرعيَّة أن الله سبحانه وتعالى ، وعلى حين يحُضُّ المؤمنين على الصدق وقول الحقِّ ولو على النفس: "كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" (135 ؛ النساء) ، فإنه يستثنى ظرف (الاكراه) حتى فى حالة المجاهرة بالكفر نفسه ، فيستبعده فى آية أخرى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان" (106 ؛ النحل).
(2/4) ومناسبة التنزيل أن النبى (ص) ، عندما قال له عمَّار بن ياسر: أكرهونى (يقصد الكفار) على أن أنال منك ، ردَّ عليه بقوله: لا تثريب عليك أن تقول ما قلت مُكرهاً ، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وكان عمار قد أرغم تحت وطأة التعذيب الشديد ، ووالداه يعذبان ويقتلان أمام ناظريه ، أن يسبَّ النبى (ص) ويذكر آلهة قريش بالخير ، ففعل. وحسب ابن كثير عن أبى عبيدة محمد بن عمَّار بن ياسر ، أن النبى (ص) سأل عماراً: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان. فقال النبى (ص): إن عادوا فعُد. ورواه البيهقى أيضاً ، كما رواه أبو نعيم وعبد الرازق واسحق بن راهويه ، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (نصب الراية ، ج 4 ، ص 158). وفى الحديث الآخر: "رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وهو ، وإن لم يصِح سنده ، إلا أن معناه صحيح باتفاق العلماء كالقاضى أبى بكر بن العربى ، وأبى محمد عبد الحق الذى أكد أن إسناده صحيح قائلاً: وقد ذكره أبو بكر الأصيلى فى الفوائد وابن المنذر فى كتاب الاقناع (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ط 1990م ، ج 3 ، ص 404 ـ 405).
(2/5) ويندرج ضمن هذه الشواهد إجماع الصحابة والخلفاء الراشدين وأقضيتهم ، مِمَّا رتب لفقه قال عنه ابن حزم إنه لا يعرف له من الصحابة مخالف (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ص 403). ومن ذلك:
أ/ أنه ورد لدى أبى يوسف عن الامام محمد بن الحسن الشيبانى عن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب (رض): "ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه" (كتاب الخراج لأبى يوسف ، ط 1302 هـ ، ص 175).
ب/ وجئ إلى عمر بمن اعترف على نفسه بسرقة ، فقال عمر: ما أرى يد الرجل بسارق. فقال الرجل: والله ما أنا بسارق ، ولكنهم تهدَّدونى ، فخلى سبيله ولم يُقِم عليه الحد (مصنف عبد الرازق ، ج 10 ، ص 193).
ج/ ويؤثر عن عبد الله بن مسعود قوله: ما مِن ذى سلطان يريد أن يكلفنى كلاماً يدرأ عنى سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلماً به (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ج 3 ، ص 403).
د/ وكره مالك أن يقول السلطان للمتهم: أخبرنى ولك الأمان ، لأنه خديعة (شرح الزرقانى المالكى على مختصر خليل ، ج 8 ، ص 106 ـ 107).
هـ/ ويقرِّر الفقهاء أن القاضى أو صاحب السلطان ، حتى لو لم يحبس المُقر فعلاً ، ولكنه لم يُخل سبيله ، وقال له ، وهو فى يده: إنى لا أؤاخذك بإقرارك ، ولا أضربك ، ولا أحبسك ، ولا أعرض لك ، فإن شئت تقر ، وإن شئت فلا تقر ، فأقرَّ ، لم يجُز هذا الاقرار لأن كينونته فى يده حبس منه. وإنما كان هدَّده بالحبس ، فما دام حابساً له كان أثر ذلك الاكراه باقياً ، وقوله لا أحبسك نوع غرور وخداع منه فلا ينعدم به أثر ذلك الاكراه (المبسوط للسرخسى ، ج 24 ، ص ص 51 و70 ـ 71). 
(2/6) وعموماً فإن القاعدة الأصوليَّة فى الفقه هى أن دلالة الأحوال تختلف بها دلالة الأقوال فى قبول دعوى ما يخالفها ، وتترتب عليها الأحكام بمجرَّدها ، وتتخرَّج عليها مسائل كما لو تلفظ الأسير بكلمة الكفر ، ثم ادعى أنه كان مكرهاً ، فالقول قوله لأن الأسر دليل الاكراه والتقيَّة (القواعد فى الفقه الاسلامى للحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى ، ط 1 ، 1391 هـ ، ص 349). وإن مجرَّد إثبات واقعة الحبس كافٍ كقرينة فى الشريعة على وقوع الاكراه (المُغنى لابن قدامة ، ج 5 ، ص 273). 

(3)
(3/1) تلك هى وضعيَّة (الاكراه/التعذيب) فى منظور الاسلام الذى يدين به المسلمون فى بلادنا ، مستعربين وغير مستعربين ، فيتداخل فى نسيج ثقافاتنا الوطنيَّة على تنوِّعها ، ويسهم فى التشكيل الوجدانى لتكويناتنا القوميَّة على تعدُّدها. ومن هذه الوضعيَّة نستطيع أن نخلص ، فى نهاية مبحثنا هذا ، إلى أن (الاعتراف/الاقرار) ، فى الشريعة الضاربة بجذرها فى مصادرها المقدَّسة ، مثلما فى القانون الوضعى المستند فى غالبه إلى الفطرة السليمة ، هو عمل تحتوشه الشبهات ، ابتداءً ، من كلِّ حدب وصوب ، إلى الحدِّ الذى يمكن فيه اعتبار عِلة (قبوله) نفسها ، فى كلا النظامين القانونيين ، هى عِلة (استبعاده) فى آن واحد ، حيث القاعدة الشرعيَّة القائلة بأن "العاقل لا يُتهم بقصد الاضرار بنفسه" (بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 189) تكاد تتطابق ، مبنى ومعنى ، مع الحكمة الشعبيَّة القديمة فى الثقافة الغربيَّة: "nemo auditore perire volens ـ لا أحد يرغب فى أن يُهلك نفسه بنفسه" ، والتى استند إليها الذهن القضائى الغربى ، فى ما يبدو ، عند تأسيس القاعدة الوضعيَّة القائلة بأنه "ليس من المرجَّح أن يدلى الانسان بأىِّ بيانات ضد نفسه ما لم تكن حقيقيَّة" (قضية: R. V. Hardy 1794).
(3/2) وإذن فقاعدة القبول والاستبعاد ، بالنسبة (للاقرار) فى القرآن والسنة والفقه ، مؤسَّسة بوضوح تام على ضرورة التحقق من توفر عنصر (الاختيار) أو نقيضه (الاكراه) ، قبل التقرير بشأن صِحَّة أو عدم صِحَّة الأقوال الصادرة من المُقِر. فالاكراه مسقط للاثم عند الله تعالى ، ومسقط للعقوبة فى الدنيا ، لأنه مسقط للاختيار فى الانسان ، ولا إثم ولا عقوبة إلا مع الاختيار (محمد رواس قلعة جى ، موسوعة فقه عمر بن الخطاب ، ط 1 ، 1981م ، ص 97 ـ 98). أى أن الاقرار لا يصِحُّ إلا من عاقل مُختار ، "وأما المُكره فلا يصِحُّ إقراره بما أكره على الاقرار به" (المُغنى لعبد الله بن قدامة ، ج 5 ، ص 272 ـ 273). والمستوى المطلوب لإثبات الدفع بالاكراه وعدم الاختيار بالنسبة للاقرار فى الشريعة هو المستوى الذى يكفى لإثارة مجرَّد الشك فى ذهن المحكمة بأن الاقرار قد يكون ناتجاً عن اكراه أو عدم اختيار. وتلك هى ذات القواعد المُعتمَدة ، بنفس القدر ، فى القانون الوضعى. ويتبقى الفرق المائز بين النظامين ، فى هذه الناحية ، قائماً فى كون الشريعة ، كما قلنا ، تفترض الالتزام العقيدى فى عمل المُحقق المسلم الفرد والقاضى المسلم الفرد ، بما يجعل من الاخلال بأشراط هذا العمل كما يوجبها الاسلام إخلالاً ، فى المقام الأول ، بأشراط العقيدة نفسها ، فلينظر المعنيُّون أى نهج ينهجون!
(3/3) وثمة ملاحظة أخيرة ، قبل أن نضع النقطة فى نهاية السطر: لم توقع دولة السودان أو تعتمِد ، حتى الآن ، إتفاقيَّة الحماية من التعرُّض للتعذيب المجازة من الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة منذ العاشر من ديسمبر عام 1984م ، والتى دخلت حيِّز التنفيذ منذ السادس والعشرين من يونيو عام 1986م!
 (إنتهى)




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (2)
كمال الجزولى
 (1)
(1/1) حالت أسفار طارئة دون تمكننا ، طوال يوليو المنصرم ، من استكمال حلقات هذا المقال كما وعدنا ، فمعذرة. وكنا حيَّينا ، فى الحلقة الأولى ، ذكرى السادس والعشرين من يونيو ، اليوم العالمى لمناهضة التعذيب. وقلنا إنه ما من ممارسة يقشعرَّ لها الضميرُ الإنسانى كقهر المستضعَف بإذلاله ، وليس أكثر انحطاطاً مِمَّن لا يجد فى نفسه ذرة واعز من دين أو خلق يحول دون استقوائه ، فى لحظةٍ ما ، بسلطةٍ ما ، لارتكاب عمل شنيع كهذا.
(1/2) وقلنا إنه ، وعلى الرغم من أن آلاف الناس ما زالوا يتعرَّضون سنوياً (للتعذيب) فى أكثر من مئة بلد ، إلا أن البشريَّة تمكنت ، مع ذلك ، من رفع قضية (مناهضته) إلى قلب أولويَّاتها فوق كلِّ ما ناء به ضميرها من أوزار ، كونها عرفت أساليب التعذيب منذ أقدم العصور مقترنة أكثر شئ بأنظمة ومناهج الاعتراف الجنائى. ففى 10/12/1948م أصدرت الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) الذى ينصُّ على عدم تعريض أىِّ إنسان للتعذيب ، ثم رفدته فى ذات الاتجاه بوثيقة أساسيَّة ذات صفة إلزاميَّة صدرت فى 16/12/1966م ودخلت حيِّز التنفيذ فى 23/3/1976م ، وهى (العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) مع (البروتوكول الاختيارى الثانى) الملحق بها. كما اعتمدت فى 9/12/1975م (إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، حيث تحدَّدت معاملة الأشخاص المقبوض عليهم باتساق مع (قواعد الحدِّ الأدنى المعياريَّة لمعاملة المسجونين ـ Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners) التى صدرت عن (مؤتمر الأمم المتحدة الأول بجنيف حول منع الجريمة ومعاملة المجرمين لسنة 1955م) ، واعتمدت من قِبَل (المجلس الاقتصادى ـ الاجتماعى للأمم المتحدة) عام 1957م. كذلك أجازت الجمعيَّة العامَّة فى 10/12/1984م المشروع الذى أعدته (اللجنة الدولية لحقوق الانسان) ، والذى حوَّل ذلك (الاعلان) إلى (اتفاقية) دخلت حيِّز التنفيذ فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة فى ديسمبر 1997م يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب.
(1/3) وأوضحنا أن الاتفاقيَّة تعرِّف التعذيب ، وتلزم أطرافها بتحريمه ، وتنشئ لجنة خاصة لمناهضته ، كما وأن فقهاء القانون الدولى والجنائى يقطعون بأن التعذيب غير مبرَّر ، لا أخلاقاً ولا قانوناً ، علاوة على كونه عملياً بلا طائل ، حيث لا تنتج عنه ، فى الغالب ، سوى إفادات زائفة. وهكذا فإن اهتمام القانون الدولى آخذ فى الازدياد بحقوق الانسان ، وبخاصة من زاوية مناهضة التعذيب ، حتى أصبح هذا الاهتمام يشكل ، مع الاهتمام بقضايا السلام وحماية البيئة والحق فى التنمية .. الخ ، أو ما يُعرف بحقوق الجيل الثالث ، تكريساً مُرَكَّزاً لعُصارة ما تمَّ إنجازه أصلاً بالنسبة لحقوق الجيل الأول (المدنيَّة والسياسيَّة) والجيل الثانى (الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة).
(1/4) ولكننا استدركنا ، مع ذلك كله ، بأن ثمة مزيداً من الجهد يُنتظر أن يُبذل قبل أن تتحقق الانسانيَّة تماماً من محو وصمة التعذيب نهائياً من على جبينها. وهو جهد متعدِّد الأوجه ومن الخطل حصره فى إطار الأمم المتحدة والعلاقات الدبلوماسيَّة والأنشطة التقليديَّة لمنظمات المجتمع المدنى. فالأعمق أثراً من القاعدة القانونيَّة الدوليَّة الناشئة من تواثق الدول هو الثقافة التى تشكِّل الواعز الذاتى النابع من ديناميَّات العقل والوجدان الجمعيَّين ، والتى غالباً ما تتشكل لدى مختلف الشعوب والجماعات على منظومات نضيدة من ترميزات القيم المعتقديَّة الخيِّرة والمثل المتأصِّلة فى صميم الفطرة السليمة.
(1/5) وفى السياق تمنَّيْنا على المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب إثراء خطابها بما يبرز نظرة مختلف الأديان والثقافات فى بلادنا لهذه الممارسة ، ويكرِّس الموقف الأخلاقى النهائى منها لدى منظومة التنوُّع السودانى. ففى كلِّ دين حكمته النبيلة المقدَّسة ، وفى كلِّ ثقافة عنصرها الانسانى الرفيع. ووعدنا بأن نلقى ، فى هذه الحلقة الثانية ، نظرة عامة على أساليب ومناهج التعذيب كما عرفتها البشريَّة عبر مسيرة تطوُّرها الطويلة باتجاه استكمال مقوِّمات إنسانيَّتها ، قبل أن نعرض ، فى الحلقة الأخيرة ، لموقف الاسلام من هذه الممارسة ، ليس باعتباره دين الجماعة المستعربة المسلمة السودانيَّة فحسب ، بل ولكونه يتداخل أيضاً فى النسيج الثقافى لتكوينات إثنيَّة مغايرة تنتمى إليها مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، الأمر الذى يفترض التأثير المتبادل بين أنظمة القيم ، مِمَّا نعِدُّه من حُسن فأل الوحدة الوطنيَّة المأمولة. وفى ما يلى نواصل:
 
(2)
(2/1) كانت براءة المشتبه فيه تختبر فى المجتمع البدائى primitive society بتعريضه للوحوش وغيرها من الأشياء الضارة ، فإن كان بريئاً فإن الآلهة سوف تنجيه! وقد اعتمِد هذا النظام لاحقاً فى القانون الانجليزى القديم تحت مصطلح (قضاء الرب ـ Judicium Del أو Judgement of God). ويُطلق على نظام المحاكمة الذى يطبق بموجبه مصطلح Ordeal ومعناه (المِحْنَة!) أو (المحاكمة بالتعذيب!) وهى نوعان: أحدهما (تعذيب النار ـ Fire Ordeal) بأن يُجبر المتهم على الامساك بحديدة مُحمَّاة فى النار لدرجة التوهُّج ، أو السير حافى القدمين ، معصوب العينين ، على قطع من الحديد المُحمَّى بذات الدرجة! أما الآخر فيتفرَّع بطريقتين: الأولى (إختبار الماء الساخن ـ Hot Fire Ordeal) بإغراق ذراع الشخص فى ماء يغلى ، فإن سَلِمَتْ ثبتت براءته! والأخرى (إختبار الماء البارد ـ Cold Water Ordeal) بإلقائه فى نهر أو بحيرة دون تمكينه من القيام بأيَّة حركة سباحة ، فإن هبط إلى القاع كان ذلك (دليلاً كاملاً!) على إدانته (محمد محى الدين عوض ؛ الاثبات بين الازدواج والوحدة ، 1974م ، ص 18). وفى صور أخرى لهذا النظام كان المتهم يُجبر على تعاطى السم أو وضع لسانه على النار ، فإن كان بريئاً فلن يؤثر فيه السم أو تحرق لسانه النار! (أحمد نشأت ؛ رسالة الاثبات ، ج 2 ، ص 22).     
(2/2) أشكال هذا النظام كانت معروفة أيضاً لدى عرب الجاهليَّة ، حيث كان المشتبه فيه يُعَرَّض ، بعد تحليفه ، إلى طاسة مُحَمَّاة فى النار حتى تحمر ، ثم يُرغم على لعقها بلسانه ، فإن كان بريئاً لم يُصب بسوء! وكان الرجل الذى يَعرض النار على أولئك المتهمين الحالفين يُسمَّى (المُهَوِّل). وفى إحدى قصائده التى يصف فيها حماراً وحشياً يُصوِّر أوس بن حجر الحالف وهو يشيح بوجهه عن النار التى يقرِّبها منه (المُهَوِّل) بقوله:
إذا استقبلته الشمسُ صدَّ بوجههِ
كما صدَّ عن نار المُهَوِّل حالفُ
وما يزال هذا النظام معروفاً وسط البدو فى صحراء سيناء (أحمد موسى سالم ؛ قصص القرآن فى مواجهة أدب الرواية والمسرح ، 1977م ، ص 191).
(2/3) وعند قدماء المصريين كان التعذيب أيضاً من الوسائل (المشروعة!) لحمل المشتبه فيهم على الاعتراف. ففى عهد الأسرة العشرين ، خلال القرن الحادى عشر قبل الميلاد ، كان الاله آمون يُستفتى فى المسائل الجنائيَّة ، حيث يمثل المتهم أمام (تمثاله!) ، ويسرد رئيس الكهنة الوقائع ، ثم يسأله عمَّا إذا كان هذا المتهم بريئاً ، فإن هزَّ (التمثال!) رأسه بالايجاب أخلى سبيل المتهم! أما إذا لم يفعل فإن المتهم ، حالَ إصراره على الانكار ، يُعاد إلى السجن لتعذيبه حتى يعترف! وكان المتهم يُرغم ، قبل مثوله أمام تمثال الاله ، على أداء قسم نصُّه: "لئن كذبت لأعودنَّ إلى السجن ولأسلمنَّ إلى الحراس"! ومن ثمَّ فإن خياره الغالب كان الاعتراف تفادياً للتعذيب (د. سامى حسن نشأت ؛ شرح قانون تحقيق الجنايات ، 1981م ، ص 19).  
(2/4) ومارس الاغريق القدماء نظام تعذيب المتهم ، وأرسى أرسطو نفسه أساسه الفلسفى معتبراً إياه (خير وسيلة!) للحصول على الاعتراف. كما مارسه الرومان أيضاً ، ولا سيَّما فى أواخر عصر الجمهوريَّة. وامتدَّ الزمن الذى اعتبر التعذيب خلاله وسيلة مشروعة حتى الثورة البرجوازيَّة العظمى فى فرنسا عام 1789م. والغالب أن نظام (الاستجواب مع التعذيب) هو ، فى جذوره ، نظام رومانى نما فى أواخر العصر الجمهورى وبدايات العصر الامبراطورى. وكان مقصوراً ، أول أمره ، على الأرقاء وأهل المستعمرات ، ثم ما لبث أن طال المواطنين الرومانيين أنفسهم مع مطالع الحقبة الامبراطوريَّة ، وذلك فى جرائم الخيانة العظمى ، قبل أن يصار إلى تطبيقه فى كلِّ الاحوال.
(2/5) وفى التاريخ القروسطى الأوربى ، وبخاصة فى ملابسات المواجهة التى احتدمت بين العلماء والاكليروس الكنسى ، استخدم التعذيب كوسيلة للحصول على الاعتراف confession سواء فى النظام الاتهامى الذى ساد لاحقاً فى انجلترا وأمريكا وسائر البلدان التى نهلت من القانون الانجلوسكسونى ، أو فى نظام التحقيق الفرنسى (القارى ـ Continental). ففى انجلترا كان الاعتراف ينتزع ، خلال القرون الأربعة عشر الأولى للميلاد ، بالتعذيب. ومع ذلك فقد اعتبر مقبولاً أمام القضاء (Nokes; G.D. An Introduction to Evidence, p. 293). وكانت الطريقة السائدة هى إلقاء المتهم شبه عار فى كهف مظلم تحت الأرض ، ووضع ثقل من الحديد فوق جسده ، وتقديم الخبز الفاسد والماء الآسن له حتى يعترف أو يقضى نحبه! (اللواء محمود عبد الرحيم؛ التحقيق الجنائى العملى والفنى والتطبيقى، 1963م ، ص 11).
(2/6) ومنذ القرن الثالث عشر الميلادى بدأت فى الانتشار فى أوربا ، وبخاصة فى إيطاليا ، المحاكم سيئة الصيت التى دخلت التاريخ باسم (محاكم التفتيش ـ Inquisition) ، وذلك بدعوى ملاحقة الهراطقة باسم الكنيسة الكاثوليكيَّة ، على حين كانت ، فى حقيقتها ، واحدة من أبشع صفحات الاستهداف للفكر السياسى المعارض للاقطاع آنذاك. وقد اتخذت تلك المحاكم شكل المؤسسات القضائيَّة المستقلة عن جهاز الدولة ، والتى تتبع مباشرة للبابا وممثليه. وبلغت أوج نشاطها خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، ونشرت ، بإجراءاتها السريَّة ، الرعب والفزع على أوسع نطاق (التاريخ الشامل للعالم "بالروسيَّة" ، المجلد 3 ، موسكو 1957م ، ص 398). وقد صارت لمصطلح (محاكم التفتيش) ، فى ما بعد ، دلالة تنسحب على كل تحقيق تعسُّفى arbitrary ، أو استجواب قاس لا يقيم اعتباراً لحقوق الانسان الأساسيَّة ، وبخاصة فى ما يتصل بالتعذيب لأغراض انتزاع الاعترافات من متهمى الرأى والضمير.
(2/7) هكذا نستطيع أن نرى إجمالاً ، وبوضوح ، أن تاريخ المجتمعات البشريَّة ، من أقدم وأكثر أشكالها بدائيَّة وحتى عقابيل القرون الوسطى فى أوربا نفسها التى ملكت العالم بأسره فى عصر الاستعمار التقليدى ، وفرضت مركزويَّتها الحضاريَّة والثقافيَّة عليه ، مرزوء إلى حدٍّ فاجع بسيرة التعذيب كوسيلة لانتزاع الاعتراف. وللمزيد من الدقة فقد اعتبرت هذه الممارسة اللاإنسانيَّة ، طوال الحقبة الممتدة من القرن الثانى عشر الميلادى وحتى الثورة الفرنسيَّة أواخر القرن الثامن عشر ، من النظم الاجرائيَّة الطبيعيَّة فى التشريعات الأوربيَّة. فحيثما عجز الاتهام عن الحصول على أدلة حاسمة ، أو بالأحرى حيثما لم يستطع المحقق "أن يحصُل من المتهم على شئ" ، حسب تعبير (الأمر الملكى الفرنسى لسنة 1539م) ، فإن اللجوء إلى التعذيب كان يقع ضربة لازب ، بل وكان يبدو عادياً بالنسبة للذهن العام فى تلك الدرجة من تطور الفكر الأوربى. وكانت لكل إقليم طرقه فى التعذيب ، ولكل محكمة أساليبها الخاصة التى تعرف بها. فقد قضى (الأمر الملكى الفرنسى لسنة 1670م) ، مثلاً ، بأن يستجوب المتهم ثلاث مرَّات: قبل التعذيب ، وأثناءه ، وبعده. وسُمِّى هذا الأخير (إستجواب المرتبة) نسبة إلى (المرتبة) التى كان يُطرحُ عليها المتهم بعد عمليَّة التعذيب. وكان يُطلق على الاستجواب كله بمراحله الثلاث (الاستجواب التحضيرى ـ Question Preparatoire) تمييزاً له عن استجواب تعذيبى آخر أصطلِح عليه (بالاستجواب النهائى ـ Question Definitive) ، وهو الذى يخضع له المحكوم عليه بالاعدام للحصول منه ، بعد الحكم عليه ، على بيانات ضد شركائه accomplices (سامى صادق الملا ؛ إعتراف المتهم ، دراسة مقارنة ، 1969م ، ص 8 ـ Encyclopedia Britanica, v. 22, London 1965, p. 314).

(3)
(3/1) لكن ، ولأن "التعذيب لا دين ولا مذهب ولا مبدأ له ، وأن كلَّ من يُلبسه ثوب عقيدة أو أيديولوجيا إنما يفعل ذلك لإشباع روح العدوانيَّة عنده ، ولإلغاء مفهوم الكرامة عند من يخالفه الرأى أو المعتقد" (هيثم مناع ؛ الضحيَّة والجلاد ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان 1995م ، ص 36) ، وبرغم أنه بقى حتى الآن "مزروعاً فى معظم الثقافات البشريَّة التى لم تجر بعد إعادة النظر فى مكوِّناتها بشكل يستهدف أنسنتها" (المصدر نفسه ، ص 33) ، فإن النزعة التى ظلت تسود مع ذلك ، شيئاً فشيئاً ، عبر المسيرة الطويلة المعقدة لهذه المجتمعات على مدارج استكمال أشراطها الإنسانيَّة ، مدفوعة بواعز القيم المعتقديَّة من جهة ، والثقافة المستندة إلى الفطرة السليمة من الجهة الأخرى ، وربما كأثر من تفاقم مشاعر الحرج التشريعى لديها جرَّاء ذلك التاريخ المُثقل بالأوزار ، هى اعتبار (الأصل) فى (الاعتراف) أنه دليل مشوب بالشبهات ، ومن ثمَّ الاتجاه نحو توطين استبشاعه فى ثقافة حقوق الانسان ، والتقليل من أهميَّته فى كلٍّ من القانون والممارسة القضائيَّة.
(3/2) ففى منتصف القرن الثامن عشر ، ومع تطور مفهوم العدالة فى الفكر الانسانى ، هاجم الفلاسفة والمفكرون والكتاب الغربيون ، أمثال مونتسكيو وبكاريا وسيرفان وغيرهم ، استخدام تلك الأساليب الوحشيَّة. فنتج عن تلك الحملة التنويريَّة أن ألغى لويس السادس عشر (الاستجواب التحضيرى) عام 1780م ، كما ألغى (الاستجواب النهائى) عام 1788م ، ثم ما لبث أن صدر فى عام 1789م (الاعلان الفرنسى لحقوق الانسان والمواطن) فى مناخات الثورة البرجوازيَّة العظمى التى دفعت بقضيَّة توقير الكرامة الانسانيَّة إلى مكانة متقدمة.
(3/3) ولعل اللافت للنظر ، بوجه خاص ، أن (قانون التحقيق الجنائى الفرنسى) الذى صدر فى ذلك السياق قد أغفل أىَّ ذكر (للاعتراف) ، ناهيك عن تنظيمه. كما وأن (قانون العقوبات الفرنسى) نصَّ صراحة ، ولأول مرَّة ، على تجريم التعذيب ومعاقبة الموظف الذى يرتكبه. أما فى انجلترا فقد ظهر مبدأ (الاعتراف الاختيارى) عام 1775م ، ولم يعُد يُقبل فى الاثبات سوى الاعتراف الصادر عن إرادة حرَّة ، حيث تقرر أن ثمة افتراضاً قانونياً ينهض مع بداية كل محاكمة جنائيَّة تشتمل على اعتراف أدلى به خارج المحكمة بأنه غير اختيارى. فإذا لم يستطع الاتهام ، ابتداءً ، إثبات أن هذا الاعتراف قد أدلى به طواعية واختياراً فإنه لا يقبل كدليل فى الاثبات. وعلى حين استقرت القاعدة على أن المستوى المطلوب من الاتهام هو الاثبات دون أى شكًّ معقول beyond a reasonable doubt ، فإن الدفاع يكفيه فقط إثارة ظلٍّ من هذا الشك (سامى الملا ؛ ص 3 ـ 69).
(3/4) ويبدو أن هذه القاعدة مؤسَّسة جيداً على الحكمة اللاتينيَّة القديمة (nemo auditore perire volens ـ ليس ثمة من يرغب فى أن يهلك نفسه بنفسه). وقد ساد العمل بمبدأ (الاعتراف الاختيارى) ، منذ ذلك التاريخ ، فى تشريعات كلِّ بلدان العالم ، بما فى ذلك بلدان التشريعات اللاتينيَّة ، كفرنسا وألمانيا واليابان وهولندا والمقاطعات السويسريَّة المختلفة ، وبلدان التشريعات الانجلوسكسونيَّة أو الأنجلوأمريكيَّة ، كإنجلترا وأمريكا والهند ونيجيريا والسودان ، علاوة على البلدان الاشتراكيَّة كالاتحاد السوفيتى السابق (م. ل. ياكوب ، الاجراءات الجنائيَّة السوفيتيَّة "بالروسيَّة" ، موسكو 1968م ، ص 147).
                                                                       (نواصل)


بقلم/ كمال الجزولى

على حين يُغفِل السيد محمد أبو القاسم حاج حمد كلَّ خيبات التيار (الاستعلائى/السلطوى/ التفكيكى) الذى ينتسب إثنياً إلى تكوين (شمال ووسط) السودان المستعرب المسلم ، فى ما يتصل بترتيب مساكنته مع تكوينات (التنوُّع الهويوى) الأخرى فى (الجنوب) و(الغرب) و(الشرق) ، فإنه يتصوَّر حلاً معجزاً للمشكلة ، مِمَّا لم يخطر من قبل على بال هذا (الشمال والوسط) ، ولم يولِه انتباهته المتمكثة ، إذ يمكنه الآن ، برأى حَمَد ، نفض يده بسهولة من كلِّ تبعات هذا (التنوُّع) اللبيك ، بالعكوف فقط على تنقية خصائصه (الجيوبوليتيكيَّة) والتخارج بها من هذا المأزق ، قفزاً فوق كلِّ وقائع الاستحلاب (السوسيوبوليتيكى الاقتصادى) التاريخى ، أو ما يصطلح عليه (بالتهميش) الذى ينكره السيد حاج حمد ويعده محض ادعاء عنصرى (البيان ، 1/5/04).
تقوم هذه النظريَّة ، التى لا يكلُّ حاج حمد عن الترويج لها فى جُلِّ نتاجاته الفكريَّة النشطة ، على فرضية تجعل (للشمال ـ الوسط) ، أو ما تطلق عليه (الوسط النيلى) أحياناً ، وتلحِق به (الشرق) من عجب ، خصوصيَّة (جيوبوليتكيَّة) مغايرة لخصوصية (الجنوب والغرب) ، كما تفترض له ، بخلاف غيره ، وحدة (مركزيَّة) باعتباره منظومة تجمع بين ساحل البحر الاحمر والنيل ، ويمكن توثيق تاريخها الموحد منذ دولة نبتة (750 ق.م ـ 540 ق.م) ، ودولة مروي (540 ق.م ـ 350م) ، و(نقش عيزانا) أول ملك مسيحي لأكسوم (350م) ، ثم الممالك المسيحية الثلاث: نوباتيا والمقرة وعلوة ، والتي استمرت ألف سنة ، وممالك البجا القبلية ، ثم السلطنة الزرقاء (1505م ـ 1821م) ، والتى تأسَّست على حلف الفونج في النيل الازرق مع العبدلاب في الشمال والحداراب فى الشرق ، إضافة إلى ما ثبتت به ، على حدِّ تعبيره ، أركان هذه (المركزيَّة) منذ الاحتلال التركى (1821م ـ 1885م) ، والاحتلال الثنائى البريطانى المصري (1899م ـ 1956م).
وتخلص النظريَّة إلى أن هذه المنطقة قد شهدت ، تبعاً لخصوصيَّتها (الجيوبوليتيكيَّة) ، تفاعلاً ثقافياً وعرقياً يحول دون تقبلها لأىِّ نوع من الاختراقات!
أما (الغرب) فيمكن ربطه مع (الوسط النيلى) بفيدراليَّة ذات صلاحيات واسعة ، وفق حاج حمد الذى يقول إنه يستند فى ذلك إلى رؤية السيدين دريج وحرير ، متجاهلاً أن حركة القائدين المذكورين (التحالف الفدرالى الديمقراطى السودانى) قد أعلنت عن دمج قواتها فى جيش تحرير السودان بدارفور الذى رفع مؤخراً سقف مطالبه إلى مستوى مطالب الحركة الجنوبيَّة بقيادة قرنق (الأيام ، 12/6/04).
وأما الجنوب فلا بُدَّ أن يُربط بمصيره (الجيوبوليتيكى) الخاص به منذ قرن وربع القرن ، بحيث لا يمكن أن يرتبط مع هذا (المركز) إلا فى إطار (كنفدرالى) بفاصل حدود عام 1956م الادارية! ويحار المرء فى مواصلة السيد حمد تشدده إزاء نيفاشا (البيان ، 29/5/04) ، رغم أن بروتوكولاتها قد ذهبت ، فى المحصلة النهائيَّة ، إلى نفس هذه (النتيجة الكونفدراليَّة) ، بل أبعد من ذلك! اللهم إلا إذا كان اعتراضه ينصب على فترة السنوات الست الانتقاليَّة ، كونه يريد أن يرى (كنفدراليَّته) متحققة منذ اليوم؟!
وأما أىُّ حديث آخر عن المناطق الثلاث المطروحة حالياً (جنوب النيل الأزرق ـ جبال النوبا ـ أبيى) فلا يعدو كونه ، بحسب هذه النظريَّة ، اختراقاً (لجيوبوليتيكا) تكوين الشمال والوسط و(مركزيته) التاريخية والجغرافية والسياسية (ألوان ، 5/6/04).
وبهذا فإن السيد حاج حمد لا يتنكب اختيار الزاوية الصحيحة للنظر إلى المشكلة ، فحسب ، بل يعمد ، فى واقع الأمر ، وإن كان بطريقة أكثر ذكاءً ، لإعادة إنتاج طبعة (منقحة ومزيَّدة)، فى الظرف الجديد ، من نفس أيديولوجيا (الجلابة) التقليديَّة ، وتيارها (الاستعلائى/ السلطوى/التفكيكى) القديم الذى تشكل النخبة الاسلامويَّة الحاكمة نموذجه الأكثر اكتمالاً. وليس أدل على ذلك من تصريحه بأنه لم يدعُ يوما (لتفكيك) هذا النموذج أو (اسقاطه) لأن في ذلك تفكيكاً (لمركزية الوسط) دون وجود بديل! وأنه ظل يدعو لإعادة (تصحيح) هذا النموذج منهجياً في الفكر والعقيدة ، واستراتيجياً في السياسة والحكم! ومع ذلك فهو يصف (خطته) هذه بأنها وطنيَّة ديموقراطيَّة (الصحافة ، 12/6/04).
إن الحقيقة التى لا تجوز المغالطة فيها هى أن غالب الطبقات والشرائح الاجتماعية (للجلابة) الذين تمكنوا ، منذ خمسة قرون ، من الاستحواز على الثقل الاقتصادى السياسى والاجتماعى الثقافى فى بلادنا ، إنما ينتسبون إلى الجماعة المستعربة المسلمة المنتشرة ، أساساً ، فى الشمال ومثلث الوسط الذهبى (الخرطوم ـ كوستى ـ سنار) ، وهى التى تَشكَّلَ فى رحمها ، لهذا السبب ، التيار (السلطوى/التفكيكى) المستعلى على (الآخرين) فى الوطن بالعِرق والدين والثقافة واللغة ، علاوة على الثروة بطبعيعة الحال.
لقد تكوَّنت هذه القوى الاجتماعيَّة فى ملابسات النشأة الأولى لنظام التجارة البسيط على نمط التشكيلة ما قبل الرأسمالية فى مملكة الفونج ، منذ مطلع القرن السادس عشر (ك. بولانى ـ ضمن تيم نبلوك ، 1990م) ، وضمَّت مختلف شرائح التجار والموظفين والفقهاء وقضاة الشرع ، أو الطبقة الوسطى الجنينيَّة وقتها. وعند انحلال المملكة أوائل القرن التاسع عشر حازت هذه القوى على أراضيها وثرواتها ، فجرى تكبيل قوى الانتاج البدوى بين القبائل الطرفيَّة ، كما فى الجنوب وجبال النوبا والفونج والنيل الأبيض مثلاً ، من عبيد وأنصاف عبيد رعاة ومزارعين وحِرَفيىِّ انتاج سلعى صغير ، بالمزيد من علاقات الانتاج العبودية والاقطاعية المتداخلة. وكان هؤلاء يعتبرون مورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى "كانت تنتزع بالقوة .. مما جعل لهذه العملية تأثيراتها السالبة على المناطق المذكورة" (المصدر).
كان لا بد لهذا التأثير السالب أن ينسحب على العلاقات الاثنيَّة عموماً ، ليس لجهة الاقتصاد فحسب ، وإنما لجهة الثقافة والاجتماع أيضاً ، مِمَّا مهَّد لحجاب كثيف بين العنصر المستعرب المسلم وبين (الآخرين) ، حيث استعصم العنصر الزنجى مع لغته وثقافته بالغابة والجبل ، وحدث الشئ نفسه تقريباً فى سلطنة الفور ومملكة تقلى (محمد المكى ، 1976م). ومنذ العام 1820م جرى تعميم النموذج مع دولة الأتراك الحديثة التى "تمتلك أدوات تنفيذ عالية الكفاءة ، فبرز النهج الاستتباعى للثقافة العربيَّة الاسلاميَّة بشكله السافر" (أبكر آدم اسماعيل ، 1999م).
ومع مطالع القرن الماضى حصلت هذه القوى على دفعة كبيرة من الاستعمار البريطانى الذى احتاج إلى (مؤسسة سودانية) تدعم وجوده فى الأوساط الاجتماعيَّة ، الأمر الذى هيَّأ لقوى (الجلابة) من كبار الزعماء القبليين والدينيين وكبار التجار وخريجى (الكليَّة) وراثة السلطة بعد الاستقلال ، بذهنيَّة تنزع لتأكيد (نقاء) عِرْقها ولغتها وثقافتها ، وتقديم نفسها كنموذج (قومىٍّ/مركزى) يزعم تمام التأهُّل لاختزال مجمل التكوينات الأخرى ، ففاقمت بذلك من أوضاع القهر والاستعلاء برسم وتطبيق سياسات (الأسلمة) و(التعريب) القسريَّة.
تلك هى الوضعيَّة التى استقبل بها (الجلابة) صورة الوطن ومعنى الوطنيَّة والمواطنة ، بالمفارقة لكل معطيات (الهُجنة) التى ترتبت على قرون من اختلاط الدماء العربيَّة الوافدة والأفريقيَّة المحليَّة ، بالاضافة إلى كلِّ حقائق (التنوُّع) الذى أنكرت استحقاقاته الأنظمة المتعاقبة ، مِمَّا أفضى إلى مأزقنا الراهن الذى تساوق فيه (التهميش) الاقتصادى السياسى مع (التهميش) الاجتماعى الثقافى ، كمصدر أساسىٍّ لهذا الحريق الوطنى العام ، وهو ما ينكره حاج حمد.
ومن ثمَّ فإن نظريَّة الرجل قائمة ، ببساطة ، على نفس خيار النهج (الاستعلائى/ السلطوى/ التفكيكى) القديم. الفرق الوحيد هو أنها ، وبدلاً من مطالبتها (للهامش) ، كما فى السابق ، بالخضوع (السوسيوبوليتيكى الاقتصادى) التام (للمركز) دون قيد أو شرط ، تستدير الآن ، بعد أن زلزل السودان زلزاله ، وأخرج (الهامش) أثقاله ، (لتجترح) أوضاعاً (جيوبوليتيكيَّة) جديدة ، فتحث (المركز) العروبى الاسلاموى على اللواذ بخصائصه (الجيوبوليتيكيَّة) التاريخيَّة وترك هذا (الهامش) العنصرىِّ الحاقد لمصيره (الجيوبوليتيكىِّ) المغاير .. والله الغنى!
 






















































بقلم/ كمال الجزولى

لم يجد السيد وليد جنبلاط ما يعبر به عن مدى غضبه بإزاء الحيف الواقع على أنصاره فى ملابسات الأزمة اللبنانيَّة الناشبة هذه الأيام ، على خلفية تباين المواقف حول الدور السورى وتداعيات تعديل الدستور بما يسمح بالتمديد للرئيس إميل لحود ، أبلغ من أن يصف خصومه بأنهم محض (جنجويد) ، جاعلاً شعاره: "لا لحكم وطاويط الليل والاشباح و .. الجنجويد!" (النهار البيروتية ، 19/9/04).
وبرغم دقة الدلالة الاصطلاحيَّة فى هذا الاستخدام ، وبخاصة حين أردف السياسى اللبنانى الكبير فى معرض استهجانه لحملة الدهم والاعتقالات التى طالت أنصاره فى منطقة الشوف  قائلاً: "لن تخيفنا السجون ، فليعتقلونا جميعاً ، نعم للعروبة الحرة ، لا لعروبة السجن" ، فقد ساءنى ، مع ذلك ، ألا تسعف ثقافة المستعربين المسلمين السودانيين رئيس (اللقاء الديموقراطى) و(الحزب التقدمى الاشتراكى) فى لبنان ، والذنب فى المقام الأول ليس ذنبه ، بغير هذا اللفظ الشؤم الذى لا نكاد نحن أنفسنا نعرف له أصلاً أو فصلاً أو تصريفاً أو أىَّ معنى لغوى مباشر خارج دلالته الاصطلاحيَّة القبيحة!

***
واستطراداً ، فإن أكثر ما يصدم السودانى لدى خروجه الأول إلى المنطقة العربيَّة الكبرى  إكتشافه أن جُلَّ (الأشقاء) لا يعرفون عن بلده ، والذنب أيضاً ليس ذنبهم ، سوى كلمة (زول) وأغنيتَى (إزَّيَّكم) و(المامبو) وربما أضافوا إلى ذلك إسم رئيس الدولة! فرغم أننا "كلنا فى القمع شرق!" إلا أن النصيب الذى خصَّصته آلة الاعلام فى الكثير من بلدان المنطقة العربيَّة الكبرى ظلَّ كافياً ، إلى حدٍّ كبير ، لتعريفنا بأحوالهم ومشكلاتهم ولهجاتهم وفنونهم وأسماء أصغر مغنييهم وممثلاتهم ، بل أصغر نجوعهم وقراهم ، بينما لا تزال أغلب تلفزيونات وإذاعات الأقربين منهم إلينا تتأتئ وتفأفئ ثلاثاً قبل أن تلفظ خطأ إسم مدينة مهمَّة فى دارفور أو حتى وزير مركزىٍّ فى الخرطوم!
أما (إعلامنا) ، فبعد أن يستفرغ طاقته (الدعائيَّة) ، حتى آخر قطرة ، فى تقصِّى (إنجازات) الحكومة بالحقِّ وبالباطل ، وفى التسبيح بحمد رموزها من رأس الدولة ونوَّابه إلى أصغر وكيل وزارة أو مدير مصلحة ، وفى كيل السباب للمعارضين من أكبر الأحزاب إلى أقل اتحادات الطلاب شأناً ، فإن آخر ما يعنيه هو الترويج لتعدُّدنا الاثنى ، وثرائنا اللغوى ، وتنوُّعنا الابداعى ، المرئى منه أو المقروء أو المشاهَد. وحتى المساحة الضيِّقة من اشتغاله البائس بمثل هذه (الأمور) فمخصَّصة فى غالبها لشأن (العروبة) فى طبعتها (السلطويَّة) ، لغة وثقافة .. واستعلاءً! وتكفى المرءَ نظرة ولو عابرة ليرى كيف جفف هذا (الاعلام) منابر (الثقافة) ، فصفى الكثير من مؤسَّساتها ، وكرَّس المتبقى منها لخدمة مطلوباته السياسيَّة ، حيث حوَّل فرقة الفنون الشعبيَّة ، مثلاً ، إلى شاهد زور ، وطمر مجلتى (الخرطوم) و(الثقافة السودانيَّة) فى مقبرة جماعيَّة ، وأقصى من ساحاته مبدعين حقيقيين ومبدعات حقيقيات بدعوى (الصالح العام) ليحل محلهم (جربنديَّة) الترويج لثقافة العنف السلطانى ، وراح يسلط الأضواء كلها على مادحى البلاط ومادحاته ، فكافأوه وكافأنه وفاءً بوفاء ، مثلما انطلق يحجب كلَّ قطرة ضوء عن المنتديات غير الرسميَّة ومثقفيها (الهامشيين) ومثقفاتها (الهامشيَّات) ، فبادلوه وبادلنه جفاءً بجفاء ، قبل أن يتحلل نهائياً من عبء (الثقافة) كلها باستئصالها من مؤسَّسته ، كما يُستأصل الدِّمِّلُ من الجسد ، كونها علقت به منذ الاستقلال ، إدارياً ومالياً ، فعطلت (انطلاقه) ، فى ما يبدو ، باتجاه ما هو (أهم) ، وقعدت (بقدراته) عن خدمة (أمَّهات) القضايا!

***
و(العروبة الحرة) ، بمصطلح جنبلاط ، لم تقع لدينا بحمولة دلالتها هذه. (فالعروبة) ، كمفهوم تاريخى ، حمَّالة أوجه! وعلى حين ظلت الروح الوطنيَّة الديموقراطيَّة تنزع لمعانقة وجهها المجلوِّ (بالحريَّة) هذا ، فإن الوجه الذى انتهى إليه شأنها معنا (بفضل) المؤسَّسة الرسميَّة ، حتى إشعار آخر ، هو ، للأسف ، ذات الوجه الذى نعاه عليها القيادى اللبنانى البارز: (عروبة السجن/القمع/القهر) ، حيث (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ، وحيث المناداة بالمساواة (زندقة) ، والمطالبة بحقوق الانسان (هرطقة) ، والدعوة إلى الديموقراطيَّة (خيانة للقضيَّة) ، والدفاع عن حقوق الأقليَّات (خروج عن المِلة) ، ودعم أوضاع التعدُّد والتنوُّع (تجديف على الثوابت) ، أى ما اجترح جنبلاط اختزاله فى مصطلحه الجديد: (عروبة الجنجويد!) الذى ساءنى كثيراً ، على حقيقته الجارحة ، أن يشكل ، دون سائر إبداعاتنا فى شتى المجالات ، الإضافة النادرة التى نرفد بها ، كمستعربين سودانيين ، الثقافة العربيَّة فى حقل الاجتماع والسياسة!
لقد تسرَّب إلينا (المكوِّن الخارجى) لقسمات هذا الوجه الكالح ، خلال خمسينات وستينات القرن الماضى ، محمولاً على أجنحة (الدعاية) القوميَّة العربيَّة المعاصرة ، منتَج البرجوازيات الصغيرة العربيَّة التى انهمكت ، أوان ذاك ، فى إنجاز انقلاباتها العسكريَّة ، وتأسيس أنظمتها الشموليَّة ، وعقد تحالفاتها المرتبكة ، ونشر رايات (فهمها) الخاص (للعروبة) و(الوحدة العربية) ، بكل ما تنطوى عليه خطاباتها من تعدُّد ، وشعاراتها من تناقض ، وسياساتها من اضطراب ، على كلا المستويين القطرى والاقليمى.
وانطلق هذا (المكوِّن الخارجى) يغـذى (المكوِّن المحلى) المتوارث فينا ، كمستعربين ومسلمين ، منذ زهاء الخمسة قرون ، ضمن أمة سودانيَّة لمَّا تبلغ ، بعدُ ، أشراط الحد الأدنى من التجانس المطلوب لانصهارها فى مجرى واحد ، حالة كوننا ظللنا غارقين ، قبل ذلك ، وحتى أسناننا ، فى مأزق (الاستعلاء) المقيت على (مُساكنينا) بالثروة والسلطة والعرق والدين واللغة والثقافة ، وعاجزين ، بالتالى ، تماماً عن استيعاب مقتضيات البناء الوطنى بتركيبته شديدة الفرادة والتعقيد.
هذا الوجه من (العروبة) هو الذى شكل ، بالنسبة لطبقات وفئات وشرائح المستعربين المسلمين المتمكنة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ، ومن ثمَّ لدى الجماعة الاثنيَّة كلها ، بحكم (الاعلام الرسمى) وسلطة (الثقافة السائدة) منذ فجر الاستقلال ، أيديولوجيَّة التعريب والأسلمة (المقدَّسة) ، و(خارطة الطريق) لسياساتها وبرامجها (الوطنيَّة) ، بهدف (إعادة صياغة) منظومة التنوُّع السودانىِّ بأسرها فى قالبها ، بأكثر مِمَّا وقع لديها كانتماء وجودى محدَّد ومبرَّر تاريخياً ، الأمر الذى كان يستلزم التعاطى معه من خلال الادراك العميق لموجبات (الوحدة مع التنوُّع) أو (التنوُّع فى الوحدة) ، مِمَّا لم يكن خافياً منذ البداية أنه لن تقوم للأمَّة السودانيَّة قائمة بدونه.

***
على أن تينك الخطة والأيديولوجيَّة ما لبثتا أن انفجرتا ، وبخاصة فى عقابيل تأسيس النخبة الاسلامويَّة لنظامها بانقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، ليس فقط فى وجه المساكنين من غير المستعربين أو المسلمين ، بل وبين يدى الجماعة المستعربة المسلمة نفسها ، حيث تسارعت خطى التشقق الثقافى والتشرذم الاثنى والاستقطاب السياسى والانقسام الاجتماعى ، فى أمَّة لم يتح لها أصلاً أن تتجاوز هشاشة تكوينها القومى لتصوغ من واقع تنوُّعها وتعدُّدها عوامل تماسكها وشروط لحمتها.
ولئن كانت الجماعة العربيَّة المسلمة الكبرى فى المنطقة قد كلفتنا ما لا طاقة لنا به لجهة (إعادة) صياغة (الآخر) على صورتها ، فإن أقصى ما قدرنا عليه ليس هو فقط سدَّ الطريق أمام الانسياب الهادئ (لعروبة الحريَّة) و(إسلام العدل) فى هذه التخوم ، بل و(رفع) مردود هذا التكليف المستحيل إلى هذه الجماعة الكبرى فى شكل إعادة صياغة (عربوأعجميَّة) لأوهامها التى لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت!
هكذا فإن ظاهرة (الجنجويد) التى أسعفت وليد جنبلاط بالتعبير الاصطلاحى المناسب عن وجه من (العروبة) يجده مشابهاً لأوضاع خربة فى بلده هى محض عَرَض لمَرَض سودانىٍّ مُزمن. وهو مَرَض ناشب ، بالأساس ، فى بنية التكوين الذهنى والوجدانى للجماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا ، فأضرَّ بها و(بالآخر) فى آن ، بقدر تأثيره على وتأثره ، جدلياً ، بالأوضاع الاقتصاديَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة الثقافيَّة الجائرة تاريخياً. ولذا فإن أنجع وصفات علاجه ينبغى أن تطبَّق داخل هذه الجماعة أولاً ، قبل عرضها على الأغيار من مساكنيها ، بل إن أكثر مناهج التفكير فى هذا العلاج سداداً هى مِمَّا ينبغى أن تصوغه هذه الجماعة بنفسها ، لا ما يُفرض عليها من خارجها!   
     
   






بقلم/ كمال الجزولى
لم أستطع أن أفهم على وجه اليقين سرَّ احتياج الدكتور غازى صلاح الدين للاشارة ، فى صدر مقالته عن (انقسامات الحركة الاسلاميَّة) بصحيفة الشرق الأوسط ـ 5/10/2004م ، إلى (المحرِّض) المباشر الذى دفعه لكتابتها. ذلك أنه ، وبصرف النظـر عمَّا إذا كان ذلك (المحرِّض) ، أو لم يكن ، (كرة ملتهبة) ألقى بها فى وجهه ، على حدِّ تعبيره ، الكاتب الصحفى حسن ساتى من خلال مناقشة جرت بينهما بلندن ، فإن د. غازى هو ، من قبل ومن بعد ، أحد أبرز قياديى ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى السودان ، والأمين العام السابق لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ، والمستشار السابق لرئيس الجمهوريَّة لشئون السلام.
بالتالى ، وبحكم هذه الكيفيات الفكريَّة والحركيَّة والتنفيذيَّة ، فإن مساهمة الرجل بالكتابة فى الشأن العام ، وشأن حركته وتجربتها فى (الحكم) بالذات ، يعتبر انعكاساً منطقياً ، بطبيعة الحال ، للتفكير المستمر الذى لا يهدأ حيال كلِّ هذه الهموم ، ولا بُد ، لديه كما لدى غيره من قادة حزبه ومفكريه ، مِمَّا لا يحتاج إلى (كرات لهب) خاصة يلقى بها فى الوجوه (للتحريض) على هذه المساهمة!
مهما يكن من شئ ، فقد استوقفنى فى هذا الأمر الطريقة التى تعاطى بها د. غازى مع حُكم محاوره بأن الحركة الإسلاميَّة ".. تلبُّست بجرم التشرذم والانقسام على كعكة السلطة فقط ، وليس على معالجة مصطلح الخطاب ولا مبادئه ومضامينه". وأدهشنى ، بصورة مخصوصة ، العـبور الخفيف للدكتور من فوق هذا النقد بقوله: ".. فالذي يتثبت لدىَّ فى هذه القضية الشائكة ، هي أنها برمَّتها مندرجة تحت لافتة أخرى .. هي (الإسلام والحكم) ، والتي أرى أنها تمر بمخاض صعب وامتحان عسير".
هكذا أراد د. غازى الافلات من إسار ذلك النقد المحدَّد ، محاولاً نقل القضيَّة برمَّتها إلى إطار آخر أكثر (ملائمة)! سوى أن عبارته المقتضبة لم تفلح إلا فى إعادة إنتاج (المعضلة الخوارجيَّة) القديمة ذاتها: (الاسلام والحكم) ، مستخدمة الفعل المضارع فى وصفها بأنها "تمُر بمخاض صعب وعسير" ، ومشيحة ، فى نفس الوقت ، عن حقيقة كونها لم تغادر محطة (مخاضها العسير) هذا منذ اللحظة التاريخيَّة التى غرُبت فيها شمس الخلافة الراشدة ، عشيَّة انقلابها إلى مُلك عضود ، يوم رفع الخوارج مصاحفهم على أسنة رماحهم ، معلنين (ألا حكم لبشر وأن الحاكميَّة لله) ، مع أنه لا بُد من (بشر) يدَّعى ، فى كلِّ الأحوال ، معرفة مخصوصة بحكم الله لإنفاذه على المحكومين ، ورغم الحديث الشريف "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به" (رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل) ، وحتف أنف كل النصوص الناصعة والفقه السديد مِمَّا تبيَّن به ، وبجلاء ، أن (أصول) الإيمان ثلاثة لا رابع لها: الألوهية ، والنبوة ، واليوم الآخر ، فليس من بينها مبحث (الامامة/الخلافة) الذى يندرج تحته الفكر السياسى فى تاريخ الاسلام وتراث المسلمين (د. محمد عمارة ؛ الاسلام والسلطة الدينيَّة ، ص 77). فليس من فراغ ، إذن ، أن الكرار رضى الله عنه دمغ ذلك الشعار الخوارجى بأنه "كلمة حقٍّ يراد بها باطل" (نهج البلاغة ، ص 65).   
ثم يمضى د. غازى مضيفاً: ".. إن المنطلق والمبرِّر الأساسي لحاكميَّة الإسلام يقوم على ركيزة أنه وحين يحكم ، فلا بُدَّ له أن يحكم بقيم رصينة وعالية" .. الخ. وهكذا ، أيضاً ، لا تفعل هذه العبارة المقتضبة أكثر من إعادة إنتاج ذات المشكلة التى ظلت تعانى منها حـركة الاسلام السياسى ، ليس فى السودان فحسب ، وإنما فى المنطقة بأسرها ، أى المشكلة القائمة فى الاستجارة (بنظام القيم) بدلاً من إنتاج (نظام للمفاهيم) ، مِمَّا اشتكى من جدبه وسقمه حتى بعض رموز ومفكرى حركة الاسلام السياسى فى المنطقة ، كعبد الله فهد النفيسى وغيره.
لقد انصرفت مقالة د. غازى عن مجابهة النقد الأساسى لانشقاقات الحركة الاسلاميَّة بأنها لا تتمحور حول معالجة مصطلحات خطابها ومفاهيمه المبدئيَّة ، بل حول (كعكة السلطة) ، مثلما انصبت بكليَّاتها على اصطناع المماهاة المرغوب فيها بالنسـبة للحركة ، على تنوُّع (عناوينها) ، فى ما بينها من جهة وبين الدين نفسه من الجهة الأخرى ، فما بلغت ، بالنتيجة ، أكثر من ترجيح كفتها على كل الحركات السياسيَّة الأخرى في فلسطين ، والأردن ، ومصر ، وباكستان ، وإيران ، والعراق ، باعتبار أنها قد استحالت (مداً اجتماعياً) و(رمزاً لكبرياء الأمَّة) و(نظريَّة ومنهجاً يستعاض بهما عن المستوردات الغربيَّة والشرقيَّة). "ومن هنا فوجود الحالة السودانية في هذا المشهد ليس استثناء ، بقدر ما هو تجسيد متفرِّد لها بتجليات مختلفة أخذت بعداً تنظيميا وعملياً".
وبالطبع لا تعود ثمَّة مشكلة ، بنظر د. غازى ، بعد كلِّ هذا الترجيح الحاسم ، إلا فى ".. تفاوت النظر حول تطبيق المنهج الإسلامى في واقع معاصر" ، مِمَّا أدى ".. إلى حراك داخلي على مسائل فرضها ذلك الواقع". ونفهم من هذا أن (انشقاقات) الاسلاميين هى محض (تنوُّع) ناجم عن حراك (داخلهم) وحدهم بإزاء جملة قضايا معاصرة. أما (التنوُّع السودانى) فمحض خلفيَّة تكسب (تنوُّع) الاسلاميين السودانيين خصوصيَّته! وأما السؤال عن السبب فى تحوُّل (المدافعة) التى يستتبعها (التنوُّع) إلى تناحر داخل الحركة ، فإجابته فى درجة وجود أو غياب (السماحة الداخليَّة)! ولكن د. غازى يستدرك بأن ".. الغرابة تكمن في أننا كأنما لو كنا أمام تجربة لم تترسَّخ فيها بعد تقاليد عريقة وأدب واضح من ثقافة الاختلاف والمدافعة السلميَّة". فهو يرى أن ".. الحركة الإسلاميَّة كانت لها ، قبل أن تتقلد السلطة ، تقاليد شوريَّة داخليَّة تتسم بالكثير من السعة والقبول بتعدد الآراء ، فيما ضمر مثل ذلك التقليد لاحقاً" ، أى أن ما يجرى من تناحر داخل الحركة بعد وصولها للسلطة هو (الاستثناء) ، أما (القاعدة) قبل ذلك فهى (السماحة الداخليَّة)! ولكن الكاتب يكتفى هنا بالتوصيف ، ولا ينفذ للتفسير ، بل يتركه لنتائج العمل الذى تباشره حالياً "اتجاهات فكريَّة متعددة" من بين عضويَّة الحركة.
ورغم أن الدكتور يشدِّد فى مقالته على أهميَّة (الحراك) و(الاختلاف) و(قبول الرأي الآخر) لأن ذلك ، على حدِّ تعبيره ، ضد (السكون) على صعيدي الفكر والعمل ، إلا أن السياق الوارد فيه هذا التشديد ، وهو سياق الدعوة (للسماحة الداخليَّة) فى الحركة الاسلاميَّة ، لا يترك مجالاً لاعتباره ضرباً من التبنى الصريح للديموقراطيَّة فى الحكم وفى الحياة السياسيَّة خارج الحركة!
وفى الختام يحذر الدكتور من عواقب انتقاص تجربة السلطة من عطاء الدعوة والفكر ، دون أن "يعني ذلك التقليل من مركزيَّة السلطان في الفكرة الإسلاميَّة المعاصرة ، أو عدم الاعتراف بحيويَّة السلطة ، فهي مهمة ، ولكنها وحدها ، وفي غياب الآليات الأخرى ، يمكن أن تحيل التجربة إلى مغامرة سلطويَّة"!
الصحيح ، للأسف ، أنها أحالتها وانتهت ، وثمة ثلاثة أسباب جوهريَّة لذلك:
أولها أن الحركة انقضت بليل على تجربة ديموقراطيَّة كان المأمول أن تتضافر جهود القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة كافة لترسيخها وتطويرها حتى تغدو ، بالمران المستمر ، نمط حياة يكفل (السماحة) داخل المجتمع بأسره ، لا داخل جماعة واحدة فحسب.
وثانيها أن هذه الحركة تنشأت ، وما تزال برغم الاختلاف ولحين إشعار آخر ، على فكر د. الترابى القائم فى التحلل من (المثال الأعلى) ، وفى اتخاذ البراغماتيَّة مذهباً فى النظر للواقع ، وفى اختزال المجتمع كله إلى صورة الحركة. فهو القائل: ".. لا بد اليوم من أن ننسب الحديث عن النظام السياسى الاسلامى إلى الواقع حتى يكون هادياً فى حركة حياة المسلمين" (خواطر فى الفقه السياسى لدولة إسلامية معاصرة ، ص 5 ـ 6). وهو القائل إن الحركة انتقلت من مجرَّد الوقوف عند (المطلقات) و(المجرَّدات) و(العموميات) ، لتتطوَّر باتجاه (الواقعيَّة) ، "وبدأ الفقه لديها ـ من بعد التنطع النظرى والتحكم القطعى والعموم ـ مما هو ميسور فى طرح قواعد الدين الكليَّة ، يتجه نحو المرونة ، ويتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. ويتكيَّف حسب وجوه تطوُّراتها ووقائع تقلباتها .. وإذ لم يعد كله خطاب دعوة وجدل يورث الإقناع ، أو وعظ  يجيِّش عاطفة الإيمان ، إكتسب صفة .. خطاب البيان الذى يشرح ليهدى العمل ، وليمهِّد لتطبيق الأحكام .. ومن صور المنحى الواقعى فى فكر الحركة أنها آثرت (التفكر) على (التفيقه) .. تؤصل تحركها بالفكر وتصوب تفكرها نحو الواقع" (الحركة الاسلاميَّة فى السودان ، ص 218 ـ 219 ـ 220). وهو القائل إن من وجوه الكسب الذى هيَّأته انتفاضة 1985م لحركته فرصة ".. الاستيعاب للقدرات الشعبيَّة .. ومحاولة إدراج المجتمع كله فى الحركة ، فقد أخذت الجماعة تتحوَّل بطبيعتها نحو أن تكون المجتمع" (المصدر ، ص 35) ، بحيث يكون (انبثاث) هذه الجماعة ".. فى المجتمع بما يحيله كله إلى مثالها .. ينبغى أن تسعى الجماعة للتمكن فى مجتمعها تدرُّجاً حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصف وصورة" ، وبالنتيجة ".. تصبح هى المجتمع الجديد" (المصدر ، 130).
أما ثالث هذه الأسباب ، أخيراً وليس آخراً ، فهو أن الحركة التى قلصت ثوب السلطة عن طريق العنف إلى مقاس قامتها وحدها كان لا بُد لها من الاستمرار جدلياً فى ممارسة هذا التقليص من الخارج إلى الداخل ، ثم إلى داخل الداخل .. بالعنف أيضاً ، وبلا توقف!