الدكتور عمر مصطفى شركيان

أما بعد، فبعد حقب عديدة من تداول السُّلطة في الخرطوم، وصلت البلاد إلى ما حالت إليه الأمور من سوء المنقلب، وبُعد الطلب، وذلك بعد أن جاء أهل النفاق الذين احتكروا السُّلطة، وارتأوا الحق على أهوائهم كأنَّما كانوا ينظرون بأقفائهم، واختالوا جهلاً وبطراً لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة. وكان أشد 

كان النُّوبة يفتخرون أيما فخر باستقلاليَّتهم وفحولتهم اللتان كانوا يتمتَّعون بهما في مناطقهم مثلما هي الحال عند أيَّة قبائل جبليَّة. إزاء تينك الاستقلاليَّة والفحولة قاوموا كل أشكال القوى الخارجيَّة لسنين عدداً، ومن ثمَّ لم يكد يتوقع المستعمرون بأنَّهم سوف يفلحون في إخضاع النُّوبة إلى سلطات الحكومة الجديدة دون أن يبدوا

مهما يكن من شأن، فإنَّ معاناة شعب أي شعب أو طبقة أيَّما طبقة لا تحتمل، ولكن قبل أن يمتشق هذا الشَّعب السَّلاح ويعرِّض نفسه للخطر فإنَّ روحاً قوميَّة أو دينيَّة لهي التي تدفعه إلى ذلك. ففي الدُّول ذات التعليم والمعرفة الوفيرة، نجد أنَّ الدافع دوماً هو الفخر بالتقاليد العظيمة، أو في التعاطف المستغلظ مع المأساة 

ومن بعد، سارت الحكومات الوطنيَّة في السُّودان على هذا المنوال، وفي هذا السبيل ب"قوات الحرس الوطني" في عهد الحرب الأهليَّة الأولى في جنوب السُّودان (1955-1972م)، والثانية (1983-2005م)، ودارفور (2003-؟)، وعند بداية العدائيَّات في ولايتي جنوب كردفان (جبال النُّوبة) والنيل الأزرق العام 1985م

بادئ ذي بدء، أي قبل أن نقول ما نودُّ قوله، أو نكتب ما نعتزم كتابته، أطَّلعنا على عددٍ عديدٍ من الإصدارات والمصادر التي كتبها مؤلِّفون أجانب وقليل من الكتَّاب السُّودانيين، وذلك لكيما نستكشف الوسائل والسبل الكفيلة التي اتَّخذتها حكومتا بريطانيا ومصر لإعادة احتلال السُّودان العام 1898م، ولكي نفهم الخطأ التأريخي