صدرت عن دار عزة بالخرطوم الطبعة الثانية من كتابي "الإرهاق الخلاق: نحو استراتيجية للصلح الوطني". وهي طبعة مزيدة بمقدمة جديدة عن ملابسات صدورها والسلبية التي ما تزال تكتنفها من معارضي اليسار الجزافي. وجاءت الطبعة بذيل عن تجارب من سبقونا إلى التراضي الوطني. وصدرت كالعدد رقم 10 من سلسلة "كاتب الشونة" التي أحررها منذ سنوات. ويطلب الكتاب من دار عزة.

دعوت في هذا الكتاب إلى استراتيجية للصلح الوطني في مقال نشرته عام 1990 أي بعد عام من انقلاب الإنقاذ في 1989. وكانت حيثياتي لذلك أننا بلغنا من الإرهاق عتيا استنفدت القوى السياسية المتصارعة في الساحة به طاقتها. وترامت مشروعاتها الكبرى كالجثث تحجبها عن خطة وطنية أفضل للوطن. فحتى انقلاب البشير نفسه كان حيلة عاجز. ثم قويت حجتي بمحاضرة أخرى في نفس المعنى تبنتها جريدة "الصحافي الدولي" في ندوة محضورة بقاعة الشارقة. وأذكر أنني مثلت الصلح الوطني للخصوم بنادرة حكاها صديق. قال إنه التقى برجل يكن له بغضاء كبيرة. وحار في طريقة التخلص منه. واهتدى أخيراً إلى خطة غير متوقعة. فطلب من مبغوضه أن يذهبا لاستديو التصوير القريب ليأخذا صورة معاً. وقلت للحاضرين: يلا تصورو ككلم في صورة جماعية وهذا ميس التراضي الوطني.
نشرت صُحف الحكومة مقالي من باب "الأريحية" ليساري غرّد خارج سربه لا غير. أما المعارضة فعدّته تخاريف كاتب"ساكت" (أي لا هنا ولا هناك) وسط استعداداتها الكبرى لِمُنازلة الإنقاذ. وناصبه اليساريون العداء وصار دليلهم على بيعي للقضية للإسلاميين والإنقاذ. وأكثر ما ساءهم قولي إنني أعلق مبادرة الصلح الوطني بشكل استثنائي على الفريق عمر البشير رئيس مجلس الإنقاذ الوطني "لصدوره في انقلابه عن حس صادق بأزمة الحرب والسلام كضابط بالقوات المسلحة ربما لم تتوفر تجربته لأشرس خصومه السياسيين المدنيين. وعليه لا بد لمثله أن يعتلج عقله وفؤاده بفكرة أو أخرى من أفكار الخلاص الوطني التى تُساور كل مشغول بِمحنة بلده". فمن ينسبون انقلاب عمر البشير إلى هاجِس شيطانى هجّس له به الترابي، في قولي، رُبّما لم يحسنوا كل الإحسان إلى شخصه أو لانقلابه.
وأزعج المعارضين في كلمتي تعليقي أي شأن على الإنقاذ مما يؤَمِن على شرعيتها. ثم أنهم كانوا يستهينون بالبشير ويعتقدون أنه واجهة مؤقتة للترابي. وصدق مقالي وخاب فألهم. فقد صرع البشير شيخه في مفاصلة الإسلاميين آخر عام 1999. ومع أنني لم أكن أتكهن بذلك، بل طرقت المسألة من جهة أخلاقية بحتة. فهو راع ومسؤول عن رعيته، وتلك تبِعة عظيمة لا سبيل له ليكلها على أحد، أو يتعذر به. ولذا قلت له في الفقرة التالية بعد تثبيته على السدة إن أول بنود هذه المبادرة للمصالحة الوطنية التي علّقتها على رقبته (بل تدرعها عنوة) أن يراجع بنفسه "سجل الاعتقال التحفظي والتطهير والتعيين السياسي والتعذيب، وأن يُعطّل لحين، وساطة المستشارين والأجهزة السياسية والأصدقاء أو خلافه ليصل إلى حقائق وأبعاد ومصداقية هاجس الأمن الذي يحاصر نظامه حِصاراً عطّل مُبادرته الإنقاذية، وأفسدها على الناس. وواصلت أن للفريق عمر أن يقرر بعدها إذا كان يريد أن يقطع الشوط كله في أمن الإجراءات أم أنه يريد أن يعتمد، بعد الله، على أمن مستمد من طلاقة الشعب وإقباله. فقد بات واضحاً من تصريحات صادرة عن الفريق عمر آنذاك عن خلو المعتقلات من المتحفظ عليهم مرة بعد مرة إمّا أن مرؤوسيه يحجبون عنه معلومات عن المُعتقلين معروفة لجمهرة السودانيين، أو إنه لا يكترث لصورته وقامته القيادية في نظر شعبه والعالم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.