وجدت في حديث أنور الهادي عبد الرحمن، سكرتير الثقافة للجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم التي اندلعت الثورة خلال ولايتها، إلى جريدة الصحافة (24 أكتوبر 2008) علامات لؤم غريبة استغربتها من شيخ بعد أربعين عاماً من وقوع الثورة. فذكر، تمشياً مع مقولته من أن الشيوعيين جبنوا وهادنوا العسكر، أنه اتصل ببابكر عبد السلام من الجبهة الديمقراطية واختار أن يكون آخر المتحدثين في الندوة المعروفة. وقال إن الذي تقدم المتحدثين هما "الأخ آدم، والمقبول الحاج محمد ". وقبل أن نبدأ تصحيح مفتريات أنور نسأل من هم "الأخ آدم والمقبول الحاج محمد"! ونسأل في باب التصويب إن كان قصد بابكر الحاج، رحمه الله، لا بابكر عبد السلام. وللمعلومية تحدث بابكر في أول الندوة بشهادتي كمقرر لها وبشهادة كليف تومسون، المحاضر الأمريكي يومها بكلية القانون، في يومياته عن الثورة. ولو تذكرون قول أنور في كلمة لي مضت أنه كان حجز فرصة الحديث في آخر الندوة، التي هي خانة الجبناء ممن يردون الاطمئنان على سلامة المناسبة، إلى شخص آخر. والجبناء كثر.


أما اللؤم الفاحش لأنور فبان في تهوينه لاستشهاد القرشي. فسأله المحرر:


أين وكيف قتل القرشي؟


-فأجاب: أنا لا أستطيع أن اقول لك بالتحديد كيف قتل، وهناك روايات كثيره جداً، في ناس محققين ممكن يعرفوا بالضبط هو كان وين، ناس يقولوا طلقه طائشة وهو كان في الداخلية وآخرون يقولون إنه يتواجد مع بقية زملائه في الندوة.


واضح أن هذا القائد الفذ لندوة الشجعان القاتلة لم تسنح له سانحة ليتحقق بعد 44 عاماً من الحادثة من ملابسات مصرع شهيدها الأول. يا للقيادة! فهو لا يمانع أن يذيع قول بعض الناس عن جنوده في معركة الندوة من أن القرشي ليس شهيداً لمصرعه بطلقة طائشة وهو في طريقه للحمام. لقد جاء أنور بندوة الشجعان كما زعم إلى عقر داخليات الطلاب، وفضتها الشرطة بالرصاص، ولا يطرف له جفن يتحدث عن رصاصة طائشة. ويمتنع بذلك من تعزيز شهيد "شجاعته" الأول. ومن أذكى ما سمعت مؤخراً في الرد على فرية حمام القرشي قول أخيه عبد المتعال: كيف لساكن داخلية الدندر أن يستحم بداخلية سوباط التي شهدت مصرعه وبينهما مسافة؟ وكيف له ن يستحم والقيامة قائمة؟


أرجو أن أعيد هنا بعض ما كتبته عن ملابسات مصرع سيد رعيل الشهداء الرفيق أحمد القرشي عضو رابطة الطلبة الشيوعيين في سياق مقولتي إن جماعة من الديمقراطيين، المتهمين عند أنور بالخور، هي التي قادت الصدام مع شرطة الندوة كفاحاً وتضرجت بالدم. وهي كتابة اعتمدت فيها على ما كتبه كليف تومسون الذي تقدم. قال كليف:


اختلف طلاب البركس في أحاديثهم بين من يريدون الندوة مناسبة جامعية وقورة وبين من مالوا إلى وجوب الصدام مع الشرطة متى سعت لفض الندوة. فقد سبق لهم الهرب من وجه الشرطة وسيكون عاراً ألا يتصدوا لهم تلك المرة. ولم يصدر عن الاتحاد أو أي معسكر طلابي توجيهاً بالصدام مع الشرطة. وانتشر بين الطلاب خبر أو إشاعة تحركات شرطية من حول الجامعة وداخلياتها بل أخبار عن تعزيزات جاءت من خارج العاصمة. بعد المغرب تقاطر الطلاب للندوة أمام داخلية عطبرة. كانوا نحو ألف حاضر فيهم 50 طالبة. وهم بالتقريب نصف طلاب الجامعة آنذاك. فزادوا عن الكراسي المرصوصة. وكان القمر مكتملاً في السماء. وكانت سينما النيل الأورق تعرض فيلماً لمارلين مونرو. واعتورت التحضير للندوة الفنيات المعروفة وحلوها عند الثامنة والنصف.


بدأت الندوة بكلمة من أنور الهادي عن إصرار الطلاب على مناقشة مسألة الجنوب. وقدم المرحوم بابكر الحاج عن الجبهة الديمقراطية. ولاح الشرطة من وراء الأشجار التي خلف الطلاب. وطلب ضابط الشرطة بمكبر صوت من الطلاب التفرق بأمر وزير الداخلية. وواصل بابكر حديثه كأن الشرطة لم تكن. ولكن كان الطلاب قد انصرفوا عنه جهة الشرطة. ونادى عضوان من لجنة الاتحاد الطلاب للانسحاب المنتظم. واستنكر الطلاب ذلك منهما وثبتوا. وتقدمت الشرطة نحوهم. وجاء النداء الثاني من الشرطة للطلاب أن يعودوا إلى داخلياتهم. فهتف الطلاب: "الإرهاب لن يثنينا". وأخذ أنور الهادي الميكرفون وجاء بكلمات مهدئة وأنشد:


إذا الشعب بوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر


وجاء النداء الثالث للطلاب أن يتفرقوا أو أن الشرطة ستستعمل القوة. وانقدحت شرارة قنبلة غاز مسيل للدموع وتفجرت وتوالت القنابل. وغطي الدخان المكان. وتراجع الطلاب حتى وصولوا مأمناً فتنادوا بالثبات. وتجمعت فرق منهم وراء داخلية عطبرة وداخلية كسلا. ورمى الطلاب الشرطة بكُسار حجر وطوب من بقايا بنيان الداخليات.


ثم رسم كليف في مخطوطته لوحة غنية بالتفاصيل الجسورة لمواجهة الطلاب والشرطة في ساحة البركس بعد أن انفضت ندوة ليلة 21 أكتوبر. فقد تراجع الطلاب إلى "قندهاراتهم" اي داخليتهم ليقاوموا الشرطة على أرضهم. وقد أربك هذا التكتيك الشرطة ففقدت أعصابها برغم التعزيزات التي كانت تغزر عددها. فقد كانت تسقط عليها الأسرة من حيث لا تحتسب، وتنهال عليها الحجارة من غرف لا حصر لها. ولما وجدت الشرطة أنها على الجانب الخاسر لأنها تلعب في غير ميدانها بدأت في استخدام الرصاص الحي. وظل الطلبة يشجعون بعضهم بعضاً لمواصلة مصادمة الشرطة قائلين: "فشنك" اي أنه رصاص كاذب. وأدرك الطلاب هول الأمر حين بدأ الرصاص ينقر الطوب فيتطاير شعاعاً. وكتب كليف عن كيف تنزل هذا الإدراك على فرقة الطلاب المقاومين بداخلية سوباط ومنهم الشهيد أحمد القرشي طه. والسوباط هي أول داخلية كانت تلقاك وأنت داخل ببوابة البركس الرئيسية. وأول ما يلقاك منها حمامتها الشمالية التي ترابط عندها طائرة من بقايا الجيش الإنجليزي.


قال كليف عن استشهاد القرشي ما يلي:


أدرك الطلاب في داخلية سوباط أن طبيعة المعركة قد تغيرت جذرياً ولكن انتصر لديهم التحدي والغضب على الخوف. تجمع رجال الشرطة المدججين بالسلاح على بعد نحو 60 قدماَ قرب مبنى في البركس القديم . . . اختبأ العديد من الطلاب من خلف الممر الرابط داخلية سوباط بحماماتها. كان أحد هؤلاء الطلاب هو أحمد القرشي طالب العلوم الذي كان يعيد سنته الأولى بالكلية. كان نحيلاً يرتدي بنطالاً وقميصا أبيض كفكف أكمامه الى منتصف ساعده. كان شاباً هادئاً يحب الكرة ولعب الكوتشينة. عُرف عن القرشي أنه كان يسارياً منذ أيام دراسته الثانوية في الدامر (الصحيح الفاشر الثانوية). وكان يؤدي أيضاً واجباته الدينية من صلاة وصوم. حمل القرشي حجراً وقفز من فوق الحائط القصير وركض في الجانب الآخر حتى صار على بعد نحو 20 قدماً من طرف الداخلية. حينها توقف وهتف بشيء ما وقذف بالحجر نحو الشرطة. لو أن رجال الشرطة رأوا ضرورة التقهقر لما كان هناك ما يقف في طريقهم. سُمع صوت طلق ناري مرة أخرى واخترقت طلقة رأس القرشي قرب حاجبه الأيمن وخرجت من مؤخرة جمجمته. هوى جسد القرشي على الارض الرملية فحمله زملاؤه الى الممر ثم الى غرفة في الداخلية وسُجّى على فراش. كان ينزف من مؤخرة جمجمته وسال خيط من الدم من بين شفاهه. ولكن نبض قلبه لم يكن قد توقف وأستقر رأي رفاقه على نقله للمستشفى. انتهي نص كليف.


لو كلف أنور الهادي، الذي زعم قيادة الاتحاد آنذاك لسفر رئيسه ربيع عبد العاطي، حاله واستمع إلى الجرحى بعد النصر لعرف عن مصرع القرشي خيراً من الروايات النقائض التي يذيعها بعد 44 عاماً من الواقعة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.