أعيد هنا نشر كلمة جاد بها قلم المهندس خالد نجم الدين سليمان في النت بتاريخ 21 أكتوبر 2014. وخالد من جرحى ندوة 21 أكتوبر وفي الجماعة التي كان فيها الشهيد أحمد القرشي. وسيجد فيها القارئ صورة عن كثب لفرقة مصادمة استعدت بغير تحريض من اتحاد الطلاب أو غير اتحاد الطلاب للدفاع عن ندوة جرت في عقر دارهم. وسأعلق لاحقاً على وجود زميلي وحبيبي المرحوم عبد الله محمد الحسن، عضو مجلس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عن الجبهة الديمقراطية في قلب الحدث وبسالته التي نوه بها خالد. وأعرف به. رحم الله عبد الله.


مذكراتي عن ثورة أكتوبر المجيدة
بقلم: المهندس/ خالد نجم الدين سليمان
أحد المصابين في ندوة أكتوبر
مساء يوم الأربعاء 21 أكتوبر 1964م

*******
الشرارة الأولى
في بداية العام الدراسي 1964م بجامعة الخرطوم، طرح اتحاد الطلاب ثلاث مواضيع هامة للمناقشة، هي:
1. حل مشكلة جنوب السودان عن طريق الحوار والمناقشة وعدم استخدام قوة السلاح.
2. المطالبة بضرورة استقلال القضاء كأساس للعدالة.
3. المطالبة بضرورة استقلال الجامعة - منبر العلم والثقافة.
هذا الطرح لم يعجب السلطة الحاكمة، فقامت باعتقال اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وزجت بهم في سجن كوبر.

• الندوة الخاصة بمناقشة مشكلة جنوب السودان
الزمان: يوم الأربعاء الموافق 21 أكتوبر 1964م، الساعة الثامنة مساء.
المكان: داخليات سكن طلاب الجامعة (البركس)، والاسم يرجع إلى سكن جنود الجيش الإنجليزي إبان الحكم الثنائي للسودان.

عندما أعلنت اللجنة التنفيذية لاتحاد طلاب الجامعة عن قيام الندوة في ذلك اليوم، صدرت التعليمات من إدارة الجامعة بغمر كافة الميادين الموجودة في حرم الجامعة بالمياه لمنع قيام الندوة؛ وذلك كإجراء لحماية الطلاب بعد أن تأكد لها إصرار الطلاب على تحدي السلطة في موقع أرض فضاء وسط داخليات (البركس)؛وكان هذا الموقع مهيأ لبناء داخليات جديدة.
كان حماس الطلاب كبيراً وظاهراً لتلبية نداءات الاتحاد بضرورة إقامة الندوة. فقد تقسم الطلاب إلى مجموعات عمل نشطة قامت بتهيئة موقع الندوة، ومحاولة تأمينه قدر الإمكان من تدخل السلطات الأمنية. وقد قمنا بجمع ما نستطيع من الهراوات والعصي من فروع الأشجار لاستخدامها كحماية في حالة أي هجوم من جانب السلطات الشرطية التي بدأت تتجمع بشكل كبير، وتأخذ مواقعها حول داخليات (البركس) لمنع إقامة الندوة.
• في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء بدأت الندوة.. وما أن بدأ المتحدث الأول في إلقاء كلمته، حتى أخذت الشرطة في محاصرة موقع الندوة. كنت في الصفوف الخلفية للحاضرين؛ وكنا أول من تلقينا القنابل المسيلة للدموع، فاندفعنا نحو الأمام. وبدأ الهرج والمرج، وتفرق الجمع في مجموعات من الطلاب متحمسين للدفاع عن مؤسستهم وأنفسهم، يحملون العصي والهراوات مندفعين نحو وحدات الشرطة المُحاصرين في كل اتجاه بهتافات داوية" "البومبان لن يثنينا".
• شاء الله أن أكون ضمن المجموعة التي اتجهت نحو داخلية (سوباط)، وبالتحديد الممر بين داخلية (القاش) وداخلية (سوباط) في اتجاه المخرج من (البركس إلى شارع النيل شمالاً. ويبدو أن مجموعتنا هذه كانت أكثر حماساً وأكبر حجماً من مجموعة الشرطة المتمركزة في هذا الموقع، مما جعلها تلجأ لاستخدام الرصاص الحي بدلاً من القنابل المسيلة للدموع للتفريق. ولم يكن أحد منا يتوقع أن تستخدم الشرطة السلاح الحي، خاصة وأن هذه الفئة (الشرطة) هي وحدة غازية دخلت مساكن طلاب آمنين، لا يملكون أسلحة نارية؛ وكل ما يملكون أدواتهم وكتبهم الدراسية. وبكل براءة كنا نتوقع أن تنسحب هذه القوة من ثكنات (البركس) وتتركنا في شأننا. ولكن قدر الله وما شاء فعل. فكانت الشرارة التي انطلقت معلنة ثورة أكتوبر الشعبية المجيدة.
• لاحظت أن الرصاص الحي، غير المتوقع، قد أطلق علينا بشكل أفقي مستمر، بدءاً من الغرب عند داخلية (سوباط) إلى الشرق نحو داخلية (القاش). فأصيب الشهيد (القرشي) في الرأس، وسقط صريعاً وتوفي في الحال. ثم المهندس عثمان البلك، أحياه الله وأبقاه، الذي أصيب في الصدر، ثم المهندس خالد نجم الدين (كاتب الوصف هذا) في منطقة الكأس؛ والشهيد بابكر حسن عبد الحفيظ في منطقة الأمعاء، وتوفي لاحقاً، ثم حسن الوديع الذي أصيب في منطقة الحوض أسفل الجسم. وهنا تراوحت الإصابات من الرأس فالصدر ثم البطن، فالحوض، إلى أن وصلت إلى الفخذ، والأرجل أسفل الجسم.
هنالك ثلاثة مشاهد عظيمة حدثت وكان لها أثر طيب في نفسي، وما زلت أحمله منذ خمسين عاماً وحتى الآن.
المشهد الأول:
لحظة أصابتي بالطلق الناري وأنا في وسط زملائي الطلاب. أذكر أنه كان بجواري الزميل القانوني (الإداري) عبد الله محمد الحسن الذي توفي في حادث حركة بالخرطوم رحمة الله عليه. لم يتردد هذا الطالب الشهم، وحملني بين يديه بمساعدة بعض الزملاء، وانطلقوا بي بسرعة البرق متجهين نحو البوابة الرئيسية لداخليات البركس في الجهة الغربية، في محاولة منهم لإسعافي بالسرعة الممكنة نحو مستشفى الخرطوم. وعند البوابة تصدت لهم قوات الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع. وهنا تجلت لي نخوة وشجاعة هؤلاء النفر من زملائي الطلاب. فبدلاً من أن يتركوني أصارع الموت لوحدي، أصروا على حملي متوجهين جنوباً نحو الجدار الذي كان يفصل بين داخليات البركس ومدرسة الخرطوم الثانوية. فتسلق بعضهم الجدار إلى الجانب الآخر؛ وحملني البعض الآخر على كفوفهم متجاوزين الجدار، ليسلموني لزملاء في الجانب الآخر. ومن هناك أسرع بي الزملاء نحو الطريق الرئيسي بحثاً عن وسيلة نقل إلى مستشفى الخرطوم.
المشهد الثاني
لدهشتي، فما أن وصلنا إلى الطريق الرئيسي، حتى لاحظت وجود سرب من سيارات الأجرة (التاكسي) تقف على الطريق استعداداً للانطلاق إلى المستشفى وكأنها سيارات إسعاف تم طلبها رسميا لهذا الحدث. ولكن هكذا هو الشعب السوداني العظيم بكل فئاته ومكوناته، دائما تجدهم وقت الحارة لمد يد العون والمساعدة دون جزاء أو شكر. نزل سائقو التاكسي من سياراتهم، وأسرعوا نحو الطلاب، وحملوني ووضعوني في السيارة الأمامية، التي انطلقت بنا نحو المستشفى. وفي هذه اللحظات فقدت الوعي ونطقت بالشهادة.

المشهد الثالث
لم أع ما حدث بعد ما وصلنا إلى المستشفى. ولكن الأخوة والزملاء الحاضرين للمشهد حكوا لي تفاصيله بعد أن تم إسعافي وإجراء العملية الجراحية. اذكر أنني فقدت الوعي منذ مساء الأربعاء الساعة التاسعة مساء تقريباً، وصحوت ورجعت للدنيا صباح يوم الخميس 22 أكتوبر حوالي الساعة الثامنة صباحاً، بعد غياب عشر ساعات. ووجدت نفسي في غرفة العمليات بمستشفى الخرطوم ويجلس بجواري اثنان من الطلاب من أقربائي من جزيرة توتي، هما المهندس عبد المنعم خوجلي عثمان، والدكتور صديق محمد أحمد أستاذ الإحصاء بكلية الاقتصاد.
المشهد الرابع
هذا المشهد لم أشاهده، ولكنه حكي لي لاحقاً؛ ورأيت أن من واجبي أن أوثقه، وهو الدور الكبير الذي قام به الكادر الطبي المكون من كبار الأطباء والجراحين أمثال الدكتور أحمد عبد العزيز، والدكتور زاكي الدين، والممرضين، وعلى رأسهم طالبات التمريض العالي، وطلاب كلية الطب بالجامعة، وكافة العاملين المساعدين في مستشفى الخرطوم. فقد علمت بان جميع هؤلاء هبوا من كل صوب وفي سرعة فائقة، حيث قام كل بدوره في العمل والمساعدة في إنقاذ الطلاب المصابين في وقت وجيز. جزاهم الله عنا كل خير.
من خلال المشاهد الأربعة أعلاه، حرصت، وللتاريخ والتوثيق أن أبين عظمة ونخوة الشعب السوداني، ممثلة في فئات الطلاب، وسائقي سيارات الأجرة (التاكسي)، والكادر الطبي. وما قدموه من تضحيات كبيرة من أجل إنقاذ المصابين في تلك الليلة.


أخيراً أقول أن النشيد يأتي متأخراً، وأن الحناجر لا تكف عن الرعاف، في الأغاني أو في سكرات الاحتضار، أو في أشعار محمد المكي إبراهيم وموسيقى محمد عثمان وردي ومحمد الأمين. وأذكر من ذلك:
باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني
والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني
وأقول للشعب السوداني العظيم. رغم ضراوة المحن، وما تواجهه من ابتلاءات، فأنت عظيم، وستظل عظيماً مهما طال الزمن، عاش الشعب السوداني.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.