(كشخص ما يزال يدافع عن دخول حزبي الشيوعي القديم انتخابات المجلس المركزي في عهد الفريق عبود (1958-1964)، والذي صار لنا مذمة بين الأحزاب، وددت لو لم يستبعد المعارضون للإنقاذ خيار الانتخابات طريقاً لنزعها من سدة الحكم. ومن أراد معرفة دفاعي عن دخول حزبي الشيوعي انتخابات 1963 فليقرأ فصلي عن ذلك في كتابي "بئر معطلة وقصر مشيد: إفلاس الفكر السياسي السوداني". ومبتدأ الأمر أن دخول الانتخابات أو مقاطعتها هو باب في التكتيك وليس الاستراتيجية يتقرر في زمانه ومكانه وبحساب ميزان القوى على اية حال. فليست هناك عقيدة اسمها مقاطعة الانتخابات في مثل الكلمة الموروثة عن الزعيم الأزهري: "لن ندخلها ولو جاءت مبرأة من العيب" كحجة لمقاطعته الجمعية التشريعية التي دخلها حزب الأمة وآخرون في 1948. وعليه رأيت تزكية كتاب عالج بصورة مقارنة تكتيك دخول انتخابات المستبد عرض له ألكس دي وال الباحث المهتم بالسودان جداً وكأنه يحثنا على قراءته والانتفاع منه. آمل أن يكون النقاش الذي فتحه الأستاذ مالك عقار عن استصحاب انتخابات 2020 (أو حتى2020 ما يمكن أن يحدث قبلها متى قوي العزم) بقوة في تصميم المعارضة لإنهاء دولة الإنقاذ. وكانت كلمة شجاعة من رب السيف والقلم. وهي الشجاعة الترياق الشافي من التنزل عند حكم العادة الكسول".

لن أستطيع إحصاء المرات التي سمعت فيها الصفوة عندنا تقول إنها لم تسمع بنظام شمولي "ارتكب" انتخابات ساقته إلى حتفه بظلفه. وهذه أنفة صفوية غير ثقافية. فلو راجعوا، كما ينبغي، مدونة الدكتور ألكس دي وال المعنونة "نحو فهم لحقائق دارفور" على الشبكة لوجدوا أن هذا التحول الديمقراطي عن عهد الاستبداد (الذي استخرفوه) هو واقع سياسي عالمي. فقد عرض دي وال لكتاب حرره ستفان لندبيرج وعنوانه (الديمقرطة بالانتخابات: سبيل جديد للتحول الديمقراطي). والكتاب عن علم سياسة تلاشي الاستبداد في الديمقراطية متى أحسنا صنعاً
سمى الكتاب انتخاباتنا بمثل ما نسميها ب"انتخابات التحول الديمقراطي". وقال إن ثمة طرق عديدة للتحول من الشمولية إلى الديمقراطية الليبرالية. وهي طرق تتضمن نضالات مرة طويلة ترتد بنا ربما إلى الاستبداد لوهلة ثم تعود سيرتها الأولى. وقد تنتكس هذه النضالات وترتد خاسئة. أو قد تتسارع بمعدل شائق. ولكن الانتخابات هي أداة التحول الديمقراطي المهمة. وقد لا تؤتي ثمرها دائماً. ولكنها مما لا غناء عنه. وكما قال لاري دايمون، الأكاديمي الكندي المرموق، فإنه حتى الانتخابات المضروبة تستحق أن تقوم ويدخلها الناس لأن بوسعها الدفع بالتغيير الديمقراطي للأمام. فالافتراض المركزي الذي أذاعه لبندبيرج في كتابه هو أن المنافسة الانتخابية المكفولة قانوناً (وليس واقعاً) توفر جملة مؤسسات وحقوق وعمليات زاخرة بالحوافز والكٌلف بصورة تنحو إلى ديمقرطة أوسع نطاقاً.
ووصف لندبيرج سبلاً شتى للكيفية التي تخدم الانتخابات قضية التحول الديمقراطي بغض النظر عن نوايا المستبد أو عمله الشقي لتزويرها. فإذا زورها انفضح وزاده ذلك سوء صيت. ويكون الشعب من الجهة الأخرى قد تعبأ في سكة التغيير السلمي والاحتجاج الواسع لفرض التغيير. ولكن المؤكد أننا متى ما جئنا بالأدوات الانتخابية إلى الساحة السياسية فتحت الباب للتعددية وحرية التعبير والمنافسة الحزبية. ومتى تكرر ذلك خلال انتخابات بعد انتخابات حصلنا على التحول الديمقراطي رويداً رويدا. وضرب الكتاب مثلاً بغانا التي أنجزت التحول الديمقراطي رويداً منذ 1987 حتى صار نظامها ليبرالياً ديمقراطياً مشهوداً. بدأت بانتخابات استبعدت منها الأحزاب في 1987، ثم سمحوا للأحزاب في انتخابات 1992. وشاب تلك الانتخابات ما شابها حتى خاضت الأحزاب انتخابات 1996 وكانت مثالية. وفازت المعارضة في 2000.
ويعرض الكتاب بالمجموعة إلى ما وصفه ب"مأزق المعارضة" للمستبد. وهو مأزق استولى على المقاطعين عندنا وبانت أعراضه القصوى على المتطرفين منهم. فالمعارضة تريد انتزاع تنازلات ديمقراطية من الديكتاتور بغير إسباغ الشرعية على تلاعب الديكتاتور بالانتخابات. ومع أن لكل حالة لبوسها إلا أن هناك بعض المبادئ العامة التي يلزم اعتبارها. ومنها ألا تقاطع الأحزاب الانتخابات بل تواظب على الاحتجاج على سوئها. وعلى المعارض أن يأخذ الانتخابات التشريعية بجدية وأن يؤمن نفسه من تزويرها ما استطاع بتوسيع التعبئة لها وبالنزول بالجمهور المحتج إلى الشارع. فالاحتجاج الجماهيري أهدى من المقاطعة التي تؤذي المقاطع في المدي القصير. وفي المدى الطويل لا يدري أحد ما الذي سيحدث.
صفوتنا لا تقرأ لضبط مصطلحها لتنويرنا في مناقشة أمر جلل مثل تحول شوقها إلى التحول الديمقراطي إل كابوس أو حفل رجم لشيطان الإنفاذ. فالسياسة عندها . . . بالقريحة: العزيمتو ما بقراية .

وما أن نشر دي وال عرضه القصير حتى تصدت له ثلة من المعقبين السودانيين قالوا له بصورة أو أخرى أن ما جاء في الكتاب لا ينطبق على حالة السودان. لم يذكر أحدهم أنه قرأ الكتاب أو حتى أنه يود لو قرأ الكتاب. وقال بالتشوق لقراءة الكتاب معقب وحيد لم يتفق مع استثناء السودان من مشمول الكتاب. والسودان عند الصفوة لا يقع في مجرى الظاهرات الثقافية والسياسية التي تغشى العالم. فهو عندهم "لا لو شبيه ولا لو مثالو". وهذا مما تتذرع به لتمتنع بالكلية عن الاطلاع. فلن تجد في كتاباتهم إشارة لكتاب أو مادة من أي نوع في الشأن الذي يناقشونه. ربما وجدت بيت شعر أو أغنية أو شيئاً من الأثر. وما عدا ذلك فهم فحنك (لاحظ رواج كلمة "حنك" للكلام في أوساط الشباب) تربى في حقول أركان النقاش: سنين وأصنج. ومتى تعالى السودان عن الشبيه بطلت مقارنة أوضاعه بغيره. فما جدوى الاطلاع على شئون الغير طالما نحن حالة خاصة في الكون. وهذا باب للجهل بامتياز اختصت به الصفوة نفسها.
ما الذي تصعب علينا في السودان مقارنته مع الدول الأخرى التي تحولت من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؟ فقد عالج كتاب لندنبرج الظاهرة التي سماها "مأزق المعارضة" إزاء هذا التحول. ووصفها بأنها التوتر الذي يأخذ بزمام المعارضة التي تريد انتزاع تنازلات ديمقراطية من الديكتاتور من جهة وتخشى من الجهة الأخرى إسباغ الشرعية عليه متى زور الانتخابات وفاز وصار أمراً واقعاً. ولنا أن نسأل من يستثني السودان عن ظواهر التحول الديمقراطي التي شملها الكتاب: أليس المأزق الموصوف هو الذي ساد خطاب المعارضة وجعلها تضطرب بين دخول الانتخابات ومقاطعتها اضطراباً عظيماً استصغرها الناس بسببه. وربما كان عاملاً هاماً في هزيمتها.
بدأ المعارضون والمقاطعون إعفاء نفسهم من التفكير في جائحة الانتخابات بالقول إن المؤتمر الوطني زورها. . . وكانت يا عرب. وبالطبع تغاضوا عن اكتساح الحركة الشعبية لانتخابات الجنوب. الحركة الشعبية تزور . . . يحردن. ومتى اكتفينا من التحليل برمي المؤتمر الوطني بالتزوير كان ذلك رجماً لشيطان مريد لا نفاذاً إلى ما حدث بصورة محيطة وعلمية. فكتاب لندبيرج تطرق لإدمان تزوير الانتخابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من زاوية جوع الناس للخدمات من تعليم وكهرباء وماء ومواصلات. وربما كان هذا الجوع من وراء بعض نصر المؤتمر الوطني على المعارضة. فالمؤتمر ليس حزباً، إنه الحكومة لثلث قرن وبيدها القلم. وقال الكتاب إن لا جديد يحدث في انتخابات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فهي تعود بالنظام الديكتاتوري. . . كما كنت.
ونسب ذلك لنظام" الزبائنية" الذي يكون المواطن فيه زبوناً عائلاً للدولة. وفي هذا النظام يدفع الناخبون بنواب قصارى جهدهم أن يكونوا واسطتهم للحكومة للحصول على ضروب الخدمات منها. فالمرشح الذي له الفوز هو من له مداخل على الحكومة يؤمن بها لدائرته خدمات لا تقع إلا للمرضي عنهم. فهل يصلح مفهوم (الزبائنية)، بجانب التزوير، لتفسير لماذا تقدم المؤتمر الوطني (وربما الحركة الشعبية) وتأخر غيره؟
آمل أن ينعقد نقاش جدي حول موضوع المعارضة والانتخابات الذي ابتدره عقار وهو رب السيف والقلم. وأتمنى على شباب المعارضين أن يطلعوا على كتاب لندبيرج وعرض ألكس دي وال له ليكون رأيهم الحسن أو القبيح عن بينة. فليعقلوها ويتوكلوا.
الزبائنية=clientalism


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.