في يناير 2019 تمر الذكرى الخمسين لتأسيس تجمع الكتاب والفنانين التقدميين (أبادماك لاحقاً) و(أشباله: طلائع الهدهد "حنتوب"، وطلائع النخيل "مروي"، وطلائع القندول "القضارف"). وتعاقدنا على انتهاز عام 2018 لنشر وثائقه منجمة ووثائق أشباله والذكريات عنهما للجيل الطالع حتى يوم نحتفل في ختام العام. وهذا نداء لمن بيده شيء من هذا ألأدب أن يوافينا. والراغب في عوننا تقنياً مرحباً ألف مرحب. وننشر اليوم نص مسودة مانفستو أبادماك التي ناقشها اجتماعه التمهيدي بجمعية الصداقة الألمانية (الشرقية) بالخرطوم صباح جمعة ما من يناير 1969. وقد أجازها الاجتماع بغير تعديل. ويحتاج الأمر مع ذلك الي الرجوع إلى نص الوثيقة كما نشرت بعد إجازتها في الصحف. وتظهر صورة من ذلك الاجتماع باهتة ضمت على المنصة كاتب السطور وعن يمينه طه أمير طه، وبعده عوض جاد الرب، ثم خالد المبارك. ولك أن تحدس البقة من وجوه غمّضها النقل عن صحيفة قديمة.


وثيقة للنقاش في سبيل تجمع الكتاب والفنانين التقدميين (يناير 1969)
إذا كنا نحتفل الآن بالذكري الثالثة عشر لاستقلال السودان فلابد أننا قد نلنا الاستقلال في عام 1956. وهكذا يجري الحساب: 1956، 1957، 1958، 1959، 1960، 1961، 1962، 1963، 1964، 1965، 1966، 1967، 1968. العام يساوي 12 شهراً، واالشهر يساوي معدل 30 يوماً، واليوم يساوي 24 ساعة، والساعة تساوي 60 دقيقة، والدقيقة تساوي 60 ثانية. فحصاد الإستقلال من الثواني =13 x 12 x 30x 24 x 60 x 60 = 404352000 ثانية حزن. إذاً 404352000 وحدة من الحزن في ظل الإستقلال. ولا مفر أن نعيش حياتنا ثانية بثانية، حزناً بحزن، فبين أن نموت وأن نحيا ثانية واحدة.

حسبت الطبقات الحاكمة في بلادنا، بخلفيتها الثقافية التي تعني بالاشتقاق، أن الاحتفال بذكري الاستقلال يعني سوق الذكريات واجترارها. ما جاء ذكر لدور الخريجين في الاستقلال حتى نهقوا بكلمات مستر سايمز، مدير الخرطوم، لدي افتتاح نادي الخريجيين (بأم درمان، 1919): "سيكون لهذا النادي أيما شأن في تاريخ هذه البلاد". كلمات مقرفة تنال الرضا من لسان الطغيان بحجة أن الفضل ما شهدت به الأعداء. في مثل هذا اليوم من كل عام تتواتر ذكرياتهم مع المآمير ومساعدي مفتشي المراكز ومفتشي المراكز ومدير المديريات والسكرتير القضائي والسكرتير المالي والسكرتير الإداري ومدير المخابرات والحاكم العام. ذكريات فيها تصورات باهتة وقاصرة للعمل الوطني وفيها قدر من المخازي يندي لها الجبين.
باسم تلك الذكريات نحكم بل نلجم بل نلعن ما أراد هذا الجيل أن يضع بصمته تغييراً وإبداعاً على وجه الحياة. ولكأن الذكريات وقف على فئة معينة. يريدون بذلك أن نلقى الأبناء والأحفاد وذواكرنا فارغة إلا من الأحلام المثخنة بجراحها والطموح المعفر بالهزيمة والهواجس والمفازع.

وبإسم تلك الذكريات يتورد خد طلائع المتعلمين بالعافية والرونق والبهاء. تتحدث عنهم أبواب المجتمع كوجهاء أيان حلوا لعلاج أو لصفقة أو لتهريب أو لنزوة أو لسمسرة أو شهوة. المدينة تنشأ تحت العلم المثلث الألوان، وتحبل تحت قبة البرلمان، وتلد بمصاحبة السلام الوطني المعمار المثلوم الزهو، وأفخر ما يبتاعه المال من الناس والأشياء. وتدفن (المدينة) السلاة، دمامتها الخلقية، فتنبت قري من الكرتون، وشعب من الهزال والوحشة والإرهاق. تحت قبضة الإطمئنان الوقح الجريء تتفتت بلادنا أشلاء، وسيصبح ذات يوم فإذا خانة (كل البلدان) في جوازات سفرنا شاملة ربما لجمهورية دارفور، أو حكومة أزانيا، أو دولة كسلا. وسنفقد لون العسل من عيوننا تماماَ. إزاء الخواء الروحي وجفاف شرايين الإلهام في الطبقات الحاكمة (تخرج، كلمة غير واضحة) قوي الردة الرجعية أصيلة النسب تطرح بديلاً لشعبنا حقداً، ودماً ملوكياً أزرق، ورؤى متشجنة تلوي عنق الماضي قسراً وأبتذالاً ليجيب على الأسئلة المعاصرة في عالم العصر. حديث فقير العاطفة ناقص العقل عن الدستور الإسلامي يتصيدون به حركة التقدم والمعاصرة لإغراق أمتنا ملايين الفراسخ في قاع التاريخ. أناخ بهم الكفاف، فانكفأوا على مصالحهم الممجوجة، فلجأوا إلى الأقنعة المستعارة. شحوا عن البذل الصادق والواعد للشعب فتدافعوا إلى وجدانه يخوضون في صفائه بارجلهم الملطخة بالأوبئة والجراثيم والحمى الراجعة.

تتقيأ أوربا الرأسمالية عقدها النفسية على أرضنا العربية، إسرائيل، لتصبح واجهة ليبرالية رأسمالية في دائرة النظام الغربي الرأسمالي، ولتأكيد سيادة العقل الرأسمالي على أنماطنا الحضارية العربية، وليس في جعبة التخلف والردة في بلادنا غير التوسط الدبلوماسي المزري أو النكوص إلى التاريخ هرباً من التحدي وفراراً من العصر.

بلادنا، هذه القنطرة بين حضارة أفريقيا وحضارة العرب، ما تزال ثقافة طلائع المتعلمين البرجوازيين والرجعيين تعجز أن تحل الكلمات فيها مكان الرصاصة حيث يلتقي الإنسان بالإنسان قاتلاً ومقتولا وحيث الموت المجاني. وبدلاً من مواجهة التحدي في سبيل أن نتعارف على هذه الرقعة من العالم شعوباً وقبائلاً في إحترام متبادل لموروثاتنا، تساق التبريرات للعجز وتصنف المعاذير، وتستعلي الجهالة الجوفاء، وتتمطي سدود الغباء البشري في تقليد ومحاكاة مؤسفة لسدود الطبيعة.

ظل اول يناير فجيعة كبري لجيل من الكتاب والفنانين حسبوا أن السيادة الوطنية ستثمر قطرة عافية في عيون قوي الشعب العاملة والمكدودة. فما زاد الرمد الحبيبي في عيون تلك القوي إلا صديداً.

وظل ذلك الجيل يشهد انفطار الأمة إلى أمتين، وانقسام امتدادات قطع الأراضي السكنية إلى امتدادين، أو ثلاثة، وانفلاق جمهور الشارع إلى سابلة وراكبة، وانشطار السوق إلى سوق للشمس وآخر للنيون. ظل ذلك الجيل يشهد ثقافة طلائع البرجوازيين تظلع مستغفرة إلى الحضن الرجعي القديم، إلى كنف الإدارة الأهلية، ومحاكم الشرع، ومنظمات قطاع الطرق للتقدم. ظل الجيل يشهد شعارات الإشتراكية تسرق (كلمة غير واضحة) لتوضع على واجهات الطموح الخصي والمصالح البائرة. وحين التحموا (الجيل) بالحياة عراكاً وتضحية في سبيل أكتوبر 1964 شاءت الطبقة الحاكمة إلا أن تجعل ذلك الالتحام ذكري مصبوغة بالأسي والخيانة، والنهب الصريح تصل الأبناء والأحفاد من خلال الحسرة واصطفاق الأيدي والتنهد المرير.

على تلك الرؤى الحافلة بالحزن والتمرد والغضب يقف هذا الجيل من الكتاب والفنانين مستشرفاً الإشتراكية خلاصاً ومخرجاً لأن الإنقباض في عيون العمال، والأسي على قسمات المزارعين، والخيبة في صدور المتعلمين العامرة قلوبهم بحب الأرض والشعب . . . لأن ذلك جميعاً قد استعصى على التعبير. لأن الأسي والانقباض والخيبة قد تفاقمت بدرجة أذلت الحرف، وأهانت باللون، وبصقت في وجه اللحن. وهتفت قدرات التعبير في هذا الجيل أن لا مناص من الانغماس حتى (الآذان، غير واضحة) تعبيراً وقتالاً في سبيل وعي جديد يسترشد به الشعب. توبخنا الرؤى الفنية المضمخة بالأسي والثورة إن وقفنا بها أما باب الواعظ أو القاضي أو الناظر في المظالم أو المحتسب أو الخطيب أو جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نبتغي الإذن والسماحة والنوال. فقد أدرنا ظهورنا نهائياً للمواعظ البليغة وللوصاية البلهاء. فشعبنا يذله الهوام ويبتزه الوالغون في شرفه والعالم يمتد رهيباً يغري بالمغامرة في اشكال التعبير ومحتواه. مغامرة تلد المغامرة في حراسة مُثل الإبداع الرصينة، وبلذة الاكتشاف المروع والمدهش. مغامرة تتجاوز اطمئنان البرجوازيين ومساوماتهم المخلة، وتجرف سدود دعاة الرجعية والتقليد الذين انتهي العالم عندهم البارحة عشاءً.

من أسي طبقات الشعب المصفد. من تطلع التطلع في عيون الناس: النساء والرجال. من مقومات مقومات التراث السوداني، وفي سبيل أمة معاصرة لا يخطب كتابها وفنانوها ود هالة القمر شعراً وتبتلاً في زمان أصبح فيه القمر بلونين رمادي وأزرق، ومناطق خالية من اللون تماماً.

وصوب الإشتراكية تنطلق مسيرة هذا القبيل من الكتاب والفنانين برصيد 404352000 وحدة من الحزن في بنك الإرتياد والمغامرة والصلابة. . . مسيرة الذكريات الجديدة لا مع مفتش المركز ومدراء المديريات والسكرتير القضائي والمالي والإداري والحاكم والمفوض المصري والإنجليزي . . . الذكريات الجديدة مع مزارعي مشروع أم دقرسي، وعمال مصنع السكر بخشم القربة، وأعراب بني هلبة والمجانين والمساكين الطوال والقصار والمسيرية الزرق والحمر، مع دينكا علياب والأشولي، النقو والفرتيت. . مع ماركس، مع لينين، مع سارتر، مع بول روبنسون، مع سان سيمون، مع فرانز فانون، مع بيكاسو، مع روسيليني، مع خالد محمد خالد، مع نايريري، مع كازنتيزاكس، مع رَسل، مع قانون فائض القيمة والديالكتيك، مع قوانين إنتشار الثقافة والعوائد والتغيير. . . مع الشمس القمر النجوم ومراكب الفضاء. . . مع التقدم. . . مع العصر . . . مع الثواني جميعاً بالفرح والحزن والفخر.

في عيون (شعبنا) الذكاء والثورة فكيف صنعوا من بلادنا هذه الكتلة الغريبة البلهاء؟

خدود الشعب عجفاء شاحبة فكيف توردت خدودهم لمعة وسكرة وامتلاء؟

مساحة بلادنا مليون ميل مربع فكيف نبتت قري الكرتون؟

ما هذا الأسي؟

ما هذه القروح؟

كيف نكتب بدون قتال؟

سكرتارية التحضير لتجمع الكتاب والفنانين التقدميين (أبادماك)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////