تنشر "التيار" هذه الأيام لقاءات عقدتها مع الدكتور منصور خالد. جاء في التقديم لها نص "سكسي" هو أن السياسيين في السودان كاذبون. فرحت به التيار فرحاً شديداً. وربما كان من كذب الأحزاب العقائدية حسب منصور لعبها دوراً "لخبط الحياة السياسية". ومن وجوه هذه اللخبطة، حين جاء ذكر حزبنا الشيوعي، قوله:

"ثم إخواننا في اليسار طوال فترة عبود ارتضى هؤلاء الناس قائداً لهم هو إمام الأنصار، المذكرات كانت كلها باسم السيد الإمام الصديق أو الإمام الهادي. ولما يسقط نظام عبود لظروف كثيرة مختلفة لا يمكن أن تأتي وتلغي الأحزاب. لا يمكن. وكأن المساندة التي وجدتها والقيادة لا تعني شيئاً". ومع غموض العبارة الأخيرة في المقتطف إلا انني فهمت أن منصور ربما قصد شعارنا "لا زعامة لا للقدامى" خلال ثورة أكتوبر 1964 الذي فهم منه بعض الناس إننا نريد به إلغاء تلك الأحزاب ولم نرد به سوى أن يشق الناس طريقاً جديداً بغيرها. وكأن منصور بقوله هذا يريد إننا عضضنا يد حزب الأمة الذي سندنا إمامه المرحوم الصديق المهدي خلال فترة نضالنا ضد ديكتاتورية عبود. أو أنه ربما قصد حل الأحزاب بعد انقلاب مايو 1969. ولو قصد هذا فالقصة تطول.

يؤسفني أن منصور لم يوفق هذه المرة أيضاً في الكشف عن سوءتنا. وأكبر علل فشله دائماً أنه لا يقرأ ما نكتب ويعده، وهو الألمعي، لغو شيوعيين سودانيين فلا يقرأ. فلو نظر في كتابنا "ثورة شعب" (1965) لعلم عنا أفضل مما كتب. فعرض الفصل السادس منه المعنون "جبهة أحزاب المعارضة في مقاومة النظام العسكري الرجعي" (صفحات 232-262) لعلاقة حزبنا بجبهة الأحزاب. ولن تجدنا في ما ورد الفصل الشيوعيين عالة على الإمام الصديق. ومع ذلك فعرفاننا لمأثرته في جهاد استبداد عصابة 17 نوفمبر وضحاء غراء. فبعد وفاته في 2 أكتوبر 1961 عزى المكتب السياسي للحزب الشيوعي في 3 أكتوبر السيد الصادق المهدي وآل بيت المهدي برسالة. ولخص كتاب "ثورة الشعب" مفاد البرقية: "لقد كان حزبنا وما يزال يقيم تقييماً سليماً الدور الذي لعبه الإمام الراحل وسط أحزاب المعارضة."
بل اعتنى الحزب حتى بمبادرات من النظام أو منه للتفاوض باستقلال عن جبهة الأحزاب. فكان أن دخل الإمام في مفاوضات صارمة مع النظام بعد المذكرة الثانية لجبهة الأحزاب في مطلع 1961 نشرت وقائعها مجلة "اللواء الأحمر" الشيوعية بما فيها خطاب الإمام الذي أعلن فشل المفاوضات. وميز الحزب دوره الاستثنائي بقوله إن موت الإمام أصاب أوساط المعارضة بهزة عنيفة لم تفق منها حتى قيام ثورة 1964. وهو موات سياسي اضطر الحزب للانسحاب من جبهة الأحزاب المعارضة كما سنرى.

ولصالح الجيل الطالع فجبهة أحزاب المعارضة نشأت في لقاء الوطني الاتحادي بالأمة وصلاتهما وجماهيرهما صلاة عيد الفطر في 1960. ورحب الحزب في بيان له بتاريخ 5 أبريل من نفس السنة بالواقعة كبذرة أولى في تجميع معارضيّ النظام.

إذا صح وصف علاقة الحزب بالإمام الوسيم فأدق ما يقال عنها إنها كانت ندية. فلم يوقع الإمام مذكرة لم يندرج فيها اسم الحزب الشيوعي وسائر الأحزاب. وزاد الحزب عن ذلك بأنه إما سبق المذكرة بنشاط سياسي أو أعقبها بهمة كبيرة لنشرها بين الناس. وأهم من ذلك أن جبهة الأحزاب لم تكن غاية هم الحزب. فلقد كان له نشاطه الكبير تحت رايته المستقلة كما كان يقال. وعليه فلما تراجعت الجبهة في أواخر 1961 بعد وفاة الإمام، وتقلد الإمام الهادي مكانه، نبذها الحزب نبذ النواة وقام إلى نضاله "في الليل وحيدا".

لم يقدم الإمام الصديق مذكرة للحكومة كطرف في الجبهة المتحدة للأحزاب إلا موقعة باسمه ضمن قادة أحزاب الجبهة بل وشخصيات وطنية أخرى. فقال الكتاب إن أول المذكرات في 29 نوفمبر 1960"رفعتها جميع الأحزاب". وهي المذكرة التي طلبت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يتفرغ الجيش لمهمته الوطنية ويسلم الحكم لحكومة انتقالية ترتب لقيام حكم ديمقراطي على بينة قانون انتخابي مقسط، وانتخابات عاقبة. ورأت أن يسبق ذلك رفع لحالة الطوارئ القائمة وكفالة الحريات العامة. وقدمت جبهة المعارضة مذكرة أخرى في مطلع 1961 لتذكير الحكومة بمطالبها التي تجاهلتها. وقع عليها قادة جبهة الأحزاب المعارضة. ولم تتجاهل الحكومة الرد على المذكرة فحسب بل أوحت لجماعة غلب فيهم الختمية لتقديم مذكرة مضادة لتأييد الحكومة، روجت لها في أجهزة إعلامها ترويجاً حمل هجوماً عنيفاً على جبهة المعارضة.

ثم أرسل زعماء المعارضة برقية للحكومة في منتصف يونيو تستنكر تعذيب الكادر الشيوعي حسنين حسن في الأبيض. وترتب على البرقية اعتقال قادة المعارضة من دون السيد الإمام في 12 يوليو 1961. وشمل الاعتقال: إسماعيل الأزهري، عبد الخالق محجوب، أحمد سليمان، مبارك زروق، محمد أحمد محجوب، محمد أحمد المرضي، إبراهيم جبريل، عبد الله خليل، أمين التوم، عبد الله عبد الرحمن نقد الله، عبد الله ميرغني. وقدمت جبهة المعارضة مذكرة أخرى للحكومة في 28 مايو 1962 تحتج على استفزاز الحكومة للأنصار، والتضييق على تحركات قادتهم الروحيين، وأعادت عرض مطالب الأمة في الديمقراطية. وكانت مذكرة جبهة الأحزاب المعارضة الأخيرة في 24 أغسطس عبارة عن رسالة إلى ضباط الشرطة تدعوهم للانتصار لضميرهم ومهنيتهم بالكف عن قتل المواطنين كما فعلوا مع الأنصار في مجزرة المولد في 21 أغسطس 1961 التي قتلت الشرطة فيها 12 من الأنصار خلال احتفالهم بالمولد النبوي.

من جهة أخرى كان للحزب الشيوعي نشاطه المعارض المستقل لم يرهنه بجبهة الأحزاب. فلم ترفع أحزاب المعارضة أياً من هذه المذكرات إلا وكان للحزب انشغالاً معارضاً مستقلاً قبلها وبعدها. فكان الحزب في قلب تحركات الشعب النوبي ضد التهجير بشروط الحكومة المرتجلة، ووسط مظاهرات الاحتجاج بالخرطوم وغيرها من المدن. وما قدمت الأحزاب مذكرتها الأولى حتى أصدر الحزب الشيوعي بياناً للمواطنين نقل النبأ للناس ورهن تنفيذ ما في المذكرة بالإرادة الشعبية. وطلب من المواطنين جمع التوقيعات المؤيدة للمذكرة، وإرسال البرقيات بتأييدهم لها للحكومة، وتفويج الوفود الداعمة لها. وكان الحزب منشغلاً بإضراب عمال السكة الحديد في منتصف يونيو 1961 قبل بعث جبهة المعارضة ببرقية الاحتجاج على تعذيب حسنين. فأصدر لحزب بياناً للناس ركز فيه على الدلالة الاستعمارية ل"نفي" قادة المعارضة لناقشوط في أقصى الجنوب على عادة الاستعمار الذميمة حين "نفى" قادة ثورة 1924 إلى هناك. وسير الشيوعيون مظاهرات احتجاج على اعتقال زعماء المعارضة انتهت باعتقال 10 من كوادرهم حكمت عليهم محكمة عسكرية بجملة 25 سنة سجن. وكان الحزب منظماً نشطاً من وراء دعم الإضراب عن الطعام الذي دخل فيه معتقلو زعماء المعارضة في ناقشوط في 27 يناير 1961 مما اضطر الحكومة لإطلاق سرحهم في اليوم التالي للإضراب. ولما وقعت مجزرة المولد أصدر الحزب بياناً استنكر فيه الجريمة وناشد الطلاب والمواطنين بالاحتجاج على ذلك العدوان الآثم على جماعة خلال تأدية وظائفها الروحية.

لم يكن الحزب رهينة لجبهة المعارضة يواليها أحسنت أم أساءت. فقال عنوان جانبي من الفصل المخصص لجبهة الأحزاب المعارضة من "ثورة شعب": جبهة الأحزاب تتراجع". فمنذ وفاة الإمام تراجعت جبهة الأحزاب تراجعاً مخلاً. وهذا تقييم غاية في السلبية للفترة التي تولى الإمامة فيها السيد الهادي المهدي. وهو من قال منصور خالد إنه كان يسندنا بتوقيعه التقي "الفقير إلى ربه"، وعضضنا يده الكريمة. وجاء الحزب بمظاهر هذا التراجع. فقبلت جبهة الأحزاب أن تلغي حفلها المزمع عقده احتفالاً بالاستقلال في 1962 وحفلها الآخر الذي قررته للترحيب بقادة المعارضة المفرج عنهم بتوجيه من الحكومة. والأدهى أنهم رفضوا أن يتبنوا خطة الإضراب السياسي كما اتفقت للحزب الشيوعي للقضاء على النظام. وعليه قرر الحزب الانسحاب بالكلية عن جبهة الأحزاب في أواخر 1962 واصفاً إياها بأنها صارت ذا أثر سلبي على حركة المعارضة. وقد شجعه على ذلك تنامي المعارضة للنظام من خارج جدران الأحزاب. ووافقت اللجنة المركزية في اجتماعها في يناير 1963 على قرار المكتب السياسي للحزب بالانسحاب من جبهة المعارضة. وترافق مع ذلك تحليل سياسي مقعد للتناقض في جبهة اليمين (الأحزاب التقليدية والنظام) ومفهوم الجبهة الوطنية الديمقراطية التي هي تنظيم للقوى الثورية لا كما ظنها بعضهم أنها جبهة الأحزاب.

نأمل من منصور أن يحسن إلينا بقراءة ما نكتب. ثم ليلعن سنسفيلنا ما شاء بعد ذلك فوق بينة. فإن لم يفعل كذب. ومن كذب أساء.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.