(لا يفوتني برنامج فريد زكريا، الإعلامي الأمريكي المرموق من أصول هندية، على السي إن إن، متى جاء الأحد من كل أسبوع. أجلس إليه بورقة وقلم أدون من فيضه ما اتفق واهتماماتي. وقَلّ إلا أخرج بحصيلة منه زاداً للتأمل والاطلاع. بطرفي الان كتاب عرض له في يوم الأحد الماضي عنوانه "القبائل السياسية: غرائز الجماعة ومصائر الأمم" ( Political Tribes: Group Instinct and the Fate of Nations) للدكتورة أمي جوا بكلية القانون بجامعة ييل. وعرفت من العرض أنه الكتاب المناسب لأعرف صعود أمثال الرئيس ترمب إلى دست الحكم. وأنشر هنا كلمة سبقت لي عن فوائد برنامج فريد الذي أزكي لشبابنا أن يستصحبوه في التفكر في حالنا في عالم مائل. وهي كلمة عرضت فيها لماذا تفلتت الديمقراطية من أيدينا بينما بقيت في الهند. وهو موضوع شاغل لصفوة السياسة عندنا. غير أنهم، متى تناولوه، كان مناسبة أخرى لمعط الذات والندب الجاهلي أو الجهول). 


كثيراً ما تنعقد المقارنة بيننا وبين الهند عند مرور ذكرى استقلالنا. فنقول في معرض نقد الذات إن "حالنا حال العدو" بينما اطرد التقدم في الهند تاركة مجاعات الخمسينات من ورائها، وممسكة ما تزال بالعروة الوثقى من ديمقراطيتها، وتحالف شعوبها وقبائلها. والمؤسف أنه لا يبدو، متى وضعنا المسألة هكذا، أننا عرفنا عن الهند شيئاً منذ سمينا مؤتمر الخريجين تيمناً بالمؤتمر الهندي ولهجنا باسم غاندي.

كنت أشاهد أمس الأول برنامجاً عن الهند لفريد زكريا الإعلامي الأمريكي من أصول هندية. وخصص الحلقة للحديث عن الهند في مناسبة انتخاباتها التي ستجري في 2014. وهي الديمقراطية العظمي في العالم (بليون و2 من عشرة نسمة) لأن الصين التي تفوقها سكاناً (بليون و4 من عشرة نسمة) ليست ديمقراطية في المعنى المتعارف عليه. ويستغرب المرء لأن نار هذه الديمقراطية ما تزال حية برغم الحقائق البشعة حولها. فأقوى المرشحين لمنصب رئيس الوزراء الآن رجل يجيء من خارج الأحزاب على رأس حملة ضد الفساد الذي عم البلاد. وقال معلق هندي في البرنامج إنه متى مات وطلب أبناؤه شهادة لدفنه اضطروهم لدفع رشوة. وقال آخر إنه يكفي عنواناً لهذا الفساد أن 30 في المائة من أعضاء البرلمان الحالي يواجهون تهماً جنائية بالفساد والاغتصاب. وعقد آخر مقارنة بين اضطراب الحكومة بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وبين ارتفاع وتائر التنمية في الهند. فقال ساخراً يبدو أن الهند تنمو حين تغيب الحكومة أو تنام.

صبرت الهند على الديمقراطية وصابرت. والديمقراطية صبر. وسترة. فالديمقراطية الأمريكية لم تمنح النساء حق التصويت (1920) إلا بعد قرن ونصف من استقلالها في 1776. ولم يصبح صوت السود الانتخابي فيها جدياً إلا بعد حركة الحقوق المدنية في الخمسينات والستينات. وتعايشت دمقراطية الهند وما تزال مع نظام الطوائف المهين. ولكنها سمحت أيضاً من الجانب الآخر أن يتولى فيها حزب شيوعي الحكم في ولاية كيرالا ما شاء له الله. عيني باردة.

ولا يتجلى الصبر على الديمقراطية بوصفها حلالة المشاكل على المدي الطويل كتجليها في عادة وأد البنات المعاصرة في الهند. فنحن فرغنا من استرذال هذه العادة شرعاً وروحاً منذ 15 قرناً والحمد الله على نعمة الإسلام. ولم أصدق أذني خلال مشاهدة برنامج فريد زكريا أن هذه العادة ما تزال سارية المفعول في الهند. وكانت موضوع حلقة من برنامج تلفزيوني يقدمه النجم السينمائي المحبوب أمير خان (اختارته التايم من ضمن مائة رجل وامرأة تركوا بصمة على حياة أمتهم) يعقد فيه مناقشات حية مع الجمهور حول محن الهند المصموت عنها بالذات. ومن ذلك نظام الطوائف، والإجهاض، والعنف مع النساء. وبلغ من شيوع العادة أن تحدثت للبرنامج زوجة فرض عليها أهلها الاجهاض خمس مرات لأن رزقها من الذرية كان من البنات. بل أدى التخلص من البنات إلى أن زاد عدد الرجال في الهند عن عدد النساء بخمسة وأربعين مليوناً. وبلغ الوأد من الشدة أن الحكومة منعت الأطباء من إبلاغ الأسر بجنس المولود في الرحم.

عقد البرنامج فريد زكريا مقارنة بين تباين درجة نمو ولايتين هنديتين هما كيرالا وقجرات. فقجرات تتبنى الرأسمالية بغير تحفظ بينما يغلب الاشتراكيون في كيرالا. فحكى عن صاحب مصنع ما ضيّق عليه اشتراكيو كيرالا واتهموه باستغلال فاحش للعمال. فأغلق المصنع ورحل إلى قجرات فوفروا له شروطاً مثالية للإنتاج. وبهذا التشجيع للرأسمالية صارت الولاية أقرب الولايات الهندية إلى منافسة الصين التي تزمع الهند بلوغ مستواها في الإنتاج ووتائره خلال 15 عام. وتم ازدهار قجرات بالطبع على حساب جمهرة واسعة من السكان. فجاء البرنامج بصور من مدن الكرتون حول مدينة سورات (4 ونصف مليون نسمة) بكجرات غاية في المسكنة. وعلق فريد زكريا قائلاً إن إصلاح أحوال الناس في الهند تنهض به حركات اجتماعية قاعدية مثل تلك التي ضد الفساد وغيرها. وخلافاً لذلك في الصين التي تحتكر صفوة في القمة إصلاح الحال متى عن لها.

إذا كان ثمة سبب ظاهر لتقدم الهند وتأخرنا فهو في أننا لم نصبر على الديمقراطية. فأياً منا سرعان ما ينتهز مشروعاً نهضوياً طرأ له، أو بوابة لمظلمة كبرت أو صغرت فيعبئ قواه في الجيش أو في غيره ليُلَحق الديمقراطية الزينين:

إذا الملك الجبار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وها نحن نرى النتائج الكارثية لمعاتبة الديمقراطية المستبدة وغير المستبدة بالسيوف أو بيض الصحائف. وأرجو حين نعقد المقارنة بيننا والهند ألا نكتفي بجلد الذات بل أن نجدد معرفتنا بالهند بما نتجاوز به معارفنا القديمة عن مؤتمر الخريجين وغاندي والخمسينات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////