لا أعرف رواية عن مذبحة بيت الضيافة ساء استخدامها مثل رواية الرائد معاش عبد العظيم عوض سرور إلا رواية العميد (معاش) عثمان عبد الرسول. فلم يطلب من أرادوا تحميلنا نحن معشر الشيوعيين وزر المذبحة من كل الروايتين إلا أن يكونا القول الفصل الذي يجب ما قبله وما بعده. ولم تخلق بعد رواية شاهد عيان، من جهة المعتدى عليه أو المعتدي، لها هذه العصمة. وأقول هذا لا كمختص في تحليل الروايات فحسب بل كمشاهد مدمن لبرنامج التلفزيون امريكي "فايلات التحقيق الجنائي" الذي كثيراً ما نوه بعوار شاهد العيان. فحتى الرواية الأتو الفاصلة المشتهاة، لو وجدت، لا تستقيم وتصح إلا باعتبار كافة شهادات العيان وغير العيان وموارد الأدلة الأخرى. ومطلب الكثيرين للشهادة الأتو المعصومة ذات القول الفصل وظيفة من وظائف المتعلم السوداني الذي يقض مضجعه لَواء صراع شهود العيان وشهاداتهم (أو أي صراع في الحقيقة)، وتقصر حيلته دون تحليلها في حالة صدامها بحقائقها وأوهامها، وبلوغ الغاية من التحقيق فيها جميعاً. فاستنامة جماعة منا للرواية المعصومة وظيفة لخمول همة المتعلم السوداني، وضعف ألته، وتوخى الطرق السهلة لا الوعرة.

ومما حز في نفسي دائماً أن من حمّلنا مغبة قتل شهداء بيت الضيافة استصفى رواية عبد العظيم التي قالت إن القتلة جماعة معزولة منا. وقالوا آه شهد شاهد من أهله. وجفت الصحف وكسرت الأقلام. ولكن متى سألتهم من قام بالانقلاب نفسه أجابوا: الشيوعيون. ولم يكترثوا لعبد العظيم وقوله الصريح إن الانقلاب من عمل الضباط الشيوعيين والديمقراطيين لم يكن للحزب فيه يد. وهذا سوء نية عظيم. تأخذ من الرجل ما ناسبك لأنه آه شاهد من أهله ثم تستدبره، وهو لم يزل شاهداً من أهله، متى لم يتفق وهواك.

أتيح لي حلال دفعي لمطلبي بوجوب قيام لجنة تحقيق في انقلاب 19 يوليو وملابساته التراجيدية في مذبحة قصر الضيافة، ومحاكم الشجرة، وتشرد جثامين رفاقنا في القفر، أن أقرأ بعناية رواية رفيقنا عبد العظيم في نصها وفي سياق ما أعرف من روايات أخرى. وخرجت بمطاعن جدية فيها آمل أن يعتبرها من رأى فيها القول الفصل ويعتبر بها. ومتى استحسن مطاعننا، أو رأى معقوليتها، التمسنا منه أن يدفع معنا بفكرة التحقيق سعياً لتكوين كتلة حاسمة بين الرأي العام تفرض على الدولة مراجعة سجل عنفها في واقعتنا هذه وغير واقعتنا طلباً للقسط والنبل وتجفيف "دم التاير" الذي ينقح في عروق الوطن. ولست أريد بهذه المطاعن تكذيب رفيقنا لأنه ليست من رواية لا تحتوشها المطاعن مهما صدقت.
فليست المطاعن تكذيباً. فالراوي لا يكذب بل قد يسهو و"يفط سطر" من فعل الزمن أو زاوية الوجود والنظر في مسرح الأحداث. وهذا عادي جداً. فلم يؤد عبد العظيم واجباته تجاه الوطن والقوات المسلحة وحزبنا بشرف وتضحية ونكران ذات فحسب، بل توافر على كتابة تاريخاً لا غني عنه لانقلاب 19 يوليو. ولقي من هذه الكتابة أذى لم يرهبه. وقال كلمته ومشى. ووفر لنا بذلك مادة تدعو مثلي ممن تخصص في علم الرواية وتحقيقها أن يطرق بابها بالتحليل طلباً للحقيقة. لقد أحسن عبد العظيم الخدمة لقضيته ووطنه. ونأمل أن نحذو حذوه.

جاءت رواية عبد العظيم لوقائع مذبحة بيت الضيافة، التي سنعرض لها في هذا المقال، في 3 أدوار. كان الدور الأول في 2000 في مقال بمجلة "قضايا سودانية" الشيوعية التي حررها المرحوم التجاني الطيب في القاهرة. ورد عليها المرحوم الدكتور ماجد بوب في 2001 في نفس المجلة. ولم أقف على مقالة عبد العظيم في هذا الدور واكتفيت بما جاء عنها عند بوب وهو عندي صديق. علاوة على أنه لم يصدر عن عبد العظيم وجه اعتراض على قوله من جهة سوء النقل. وسنرى أن عبد العظيم عاد لما قاله في 2001 في كتاباته ولقاءته اللاحقة ولم يخرج عن نقل بوب عنه. أما الدور الثاني فهي الرواية التي جاءت في كتابه "حركة يوليو التحضير، التنفيذ، الهزيمة" (دار عزة 2015). وأما الدور الثالث والأخير فهو اللقاء الذي جمعه مع الأستاذ عدلان أحمد عبد العزيز في 2017 والمبثوث في الإنترنت.

وسنعرض لما جاء في رواياته الثلاث التي حمّل فيها جماعة من رفاقه وزر مقتلة بيت الضيافة لنطعن في سلامتها وسلاستها. وهو طعن ينزل بها من علاها الفوق، عصمتها، الذي أراده لها الكثيرون كشاهد آه شاهد من أهله. سنطعن في نصها من حيث هو ومن حيث صدام محتواه مع ما علمناه من شهادات أخرى.

ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.