أخبار الأسبوع 13 مارس 1969

هذا تلخيص لمقال من سلسلة مقالات نشرها أستاذنا عبد الخالق محجوب يعرض بالنقد لمسودة الدستور الإسلامي لعام 1968 التي كانت الجمعية التأسيسية (المكونة من الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي) قد أجازتها في مرحلة القراءات الأولى. واعتزل النواب الجنوبيون المناقشات. وألغى انقلاب نميري بجرة قلم الجمعية ودستورها الإسلامي قائلاً إنها لا تسوى الحبر الذي كُتبت به. ثم عاد نميري بعد 14 عاماً بقوانين سبتمبر الإسلامية. وصدق فيه قول كارل ماركس: التاريخ يعيد نفسه. المرة الأولى كمأساة والثانية كمسخرة. ويركز أستاذنا هنا على مبدأ الجمهورية الرئاسية الذي كان المحور الدستوري لتلك المسودة.

تناول أستاذنا عبد الخالق محجوب مبدأ الجمهورية الرئاسية التي تبنتها مسودة الدستور الإسلامي لعام 1968. وكان تبني ذلك المبدأ، الذي تجده في النظام الدستوري الأمريكي مثلاً، حدثاً جديداً عندنا. فقد كنا خلال سنوات الديمقراطية عندنا نعمل بما يسمى "الجمهورية البرلمانية" تكون الولاية فيها لرئيس الوزراء مع مجلس له اختصاصات السيادة. وكانت رئاسة ذلك المجلس دورية شهرية لكل عضو فيه حظ. إلا أن الزعيم إسماعيل الأزهري جعل رئاسة المجلس دائمة، وله هو وحده، بعد مساومة ائتلافية حكومية مع حزب الأمة في 1965 اضطررنا معها لتعديل الدستور للغاية.
قال عبد الخالق إنهم عارضوا الجمهورية الرئاسية التي تضمنتها مسودة الدستور الإسلامي 1968. ولم يقم اعتراضهم من زاوية الفقه الدستوري في مفاضلة بين الجمهورية الرئاسية والبرلمانية. فهذه المفاضلة بين مزايا الرئاستين هي ما يأتي من جهة واضعي الدستور ولجانه الفنية. فالقرار حول الرئاسة الجمهورية والبرلمانية "يجب أن يقوم على أساس سياسي وفوق ميدان الصراع لسياسي وحده".
وعليه جاء عبد الخالق بخلفيات للدعوة للجمهورية الرئاسية في خطابنا الدستوري. قال إنه كان الاجماع في اللجنة القومية للدستور في 1956 أن تكون الرئاسة برلمانية. وكان الخلاف حول هل تكون السيادة لرئيس فرد أم لمجلس للسيادة. واخترنا أن تكون لمجلس للسيادة. ثم قام انقلاب نوفمبر 1958 الذي حصلنا منه على "تجربة للجمهورية الرئاسية في هيئة عسكرية" وما ترتب عليها من تأثير سالب على أداء الدولة. وبعد زوال النظام العسكري كان المنطقي أن تعود الأحزاب إلى ما تواضعت عليه قبل 1958 من رئاسة برلمانية باختلافاتها. ولكنها لم تفعل. وتبنت الجمهورية الرئاسية. واستعجب عبد الخالق: "ألا يبدو غريباً أن يكون الاستنتاج من تجربة الحكم الرئاسي العسكري والآثار الخطيرة التي ترتبت عليه هو استبداله بحكم رئاسي مدني".
وأرجع هذا الشذوذ في التفكير السياسي إلى ثورة أكتوبر 1964 التي واجهت النادي السياسي بجملة حقائق:
1- نشوء حركة سياسية مستقلة عن ذلك النادي الذي ظل يتداول السياسة والحكم منذ نشوء الحركة الوطنية الحديثة.
2- وأن تكون قاعدة هذه الحركة السياسة الجديدة القوى النقابية والمهنية وجماعات سياسية لم تكن ذات خطر في نظرهم كالحزب الشيوعي.
3- أن تطيح هذه الحركة المستقلة بنظام حكم عبود بصورة مفاجئة للنادي السياسي البرجوازي وزعماء الطوائف وتنزيل حكم لا ينتمي لتلك القوى.
4- والأخطر أن ينفصل جهاز الدولة عن السلطة الحاكمة وينضم للقوى السياسية الجديدة في عمل ثوري هو الإضراب السياسي العام. (وجاء هنا بفقرة عن دور بابكر عوض الله والقضاء في انتزاع جهاز القضاء وتبعته أجهزة أخرى). فخرجت السلطة بالإضراب العام من دواوين الدولة إلى نادي أستاذة جامعة الخرطوم. ومن هذه الواقائع المبتكرة أثرت الثورة على القوات المسلحة برغم أن القوات لم تخرج بكاملها ونهائياً إلى نادي الأساتذة.
وتلك دروس "ارتجفت لها الدوائر الاجتماعية والفئات من أصحاب المصالح" وكذلك الدوائر الغربية. وأضاف: "وسيظل هذا الشبح يطارد تلك الفئات ما بقيت في السلطة".
هذه خلفيات لتبني القوى المحافظة للجمهورية الرئاسية. فأعطت مسودة الدستور رئيس الجمهورية سلطات واسعة على الخدمة المدنية والقوات المسلحة والقضاء. وهذه طريقتهم للسيطرة الكاملة على جهاز الدولة التي استأثروا بها. وزاد: "ولن يكون مستغرباً إذا رُفع مرة أخرى شعار التطهير للتخلص من جميع الأقسام الليبرالية والديمقراطية بين جهاز الدولة بفروعه المختلفة". ومن نذر ذلك، في قوله، أن مؤتمر الإصلاح الإداري وصى بمنع الموظفين من ممارسة العمل السياسي.
وتواصل قوى الردة الهجوم على المواقع التي تفجرت منها ثورة أكتوبر. فكان نصيب الحزب الشيوعي من ذلك المادة 33 أ التي حظرت نشاطه. وتوسعت مسودة الدستور الإسلامي بالانتقال من الهجوم على الحزب الشيوعي إلى الصحافة والنقابات. فالمادة 34 تخول للدولة حل كل نقابة ومنظمة وهيئة تنطوي أهدافها أو وسائلها للترويج للشيوعية أو السعي لذلك. وستوظف مثل هذه المادة للاستئثار بالعمل النقابي. فالنقابات في أوضاع ذلك الزمن انقسمت إلى جماعة رضت بالسير مع قوى الردة وسمتها نفسه ب"الوطنية"، وأخرى اختارت الاستقلال عنها حتى في المكان الواحد. وتحسباً لتحركات ديمقراطية نقابية توسعت المسودة في قانون الطوارئ. فإعلانه يكون في حالة الحرب أو أي خطر يتهدد سلامة البلاد واقتصادها. ومما يتهدد خطر البلاد عندهم الإضراب متى وقع. فهو عندهم تخريب اقتصادي. ولهم قدوة في الحاكم العام الإنجليزي الذي أعلن حالة الطوارئ في 1951 حين قرنت نقابة السكة حديد إضرابها بإضراب البوليس.
لاحظت أن أستاذنا في كلمته صوب نقده للجمهورية الرئاسية خلال عرضه لمسودة الدستور الإسلامي 1968. ولم يتطرق، والدستور إسلاميٌ او مزعوم له ذلك، لشريعة الحكم الإسلامي. ولم يحتج لأن الجمهورية الرئاسية ليست من شريعة ذلك الحكم الذي تاجه الخلافة. وما لجأوا للجمهورية الرئاسية إلا للحداثة والظلم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.