أثارت كلمة الدكتور الشفيع خضر عن تجمع المهنيين جدلية الاتصال والانقطاع في التجربة التاريخية. فبدا لي أنه يرجح أن تجربة هذا التجمع منقطعة عما قبلها من تجاربنا في أكتوبر 1964 وإبريل 1983. فيصف بعض من وقفوا معه بالعيش مع ذلك في "نوستالجيا" (حنين إلى الماضي) (ينظرون إلى مجريات الأحداث بنفس طريقة التفكير التقليدية، أو قل "الدقة القديمة"، التي تفترض مركزا قياديا ملموساً ومجسداً في كاريزمات معروفة.)

فترى الشفيع هنا يقطع تجربة تجمع المهنيين عن تجربة تجمعات من عياره قادت ثورتي 1964 و1985. فلا يرى فيه مركزاً قيادياً ملموساً مجسداً كما كانت جبهة الهيئات في أكتوبر 1964 أو التجمع النقابي في ثورة إبريل 1985. وهذه القيادة الملموسة المجسدة ما يريده له بعضنا من المصابين بالنوستالجيا للثورتين القديمتين.

ربما خطرت للشفيع هنا كلمة ماركس عن صنع التاريخ الراهن وأشباح الماضي. قال ماركس إن الناس لا يصنعون تاريخهم وفق مشيئتهم الخالصة، ولا في ظروف من اختيارهم هم. فهم يصنعون ذلك التاريخ في ظروف سبقتهم من الماضي وتوراثوها. ولكنهم متى انشغلوا بتغيير ما هم فيه حطت تقاليد الأجيال الماضية كالكابوس على أمخاخهم. ففي زمن الأزمة الثورية بالتحديد يستدعي الناس بإشفاق أرواح الماضي طامعين أن تخدمهم في مهمتهم لتجديد حياتهم المعاصرة. فهم يستعيرون من تلك الأجيال الأسماء، وشعارات المعارك، والأزياء. فالجديد يولد متلحفاً بقناع من الماضي وينطق بلغة مستعارة منه.

وأشباح الماضي موجبة للحذر حقاً في حين ننشغل بصناعة تاريخ جديد. فالانقطاع عن التاريخ، متى استقبلنا شغلاً جديداً للتغيير، يفتح الباب لطاقة مبتكرة نتحرر بها من أسر الماضي وأمنه "الأبوي" وشفرته المحفوظة. ولكن المعرفة باتصال التجربة التاريخية (وهي غير النوستالجيا) وسيرورتها طاقة استثنائية في خدمة التغيير كما نباشره اليوم.

يغرف تجمع المهنيين،كمركز قيادي، اليوم من ذاكرة جبهة الهيئات في 1964 والتجمع النقابي في 1985 كقيادتين لحراكات جماهيرية خرجت عن بكرة أبيها لتغيير ما بها في ملابسات أزمة ثورية ضربت النظام القائم. وتعريف الأزمة الثورية هو أنها حالة سياسية لا تكون بها الجماهير غير راغبة بأن تحكم بالطريقة القديمة فحسب بل ألا يكون النظام نفسه قادراً على الحكم بالطريقة القديمة. وقد تفسد الحالة الثورية وتتطاول وتتخثر وتنكسر إن لم تنشأ قيادة ثورية ملهمة بمثابة "أركانحرب" للثورة. وسترى في حالات ثوراتنا الثلاث قيام هذا المركز ليكون هذه القيادة بما هو تدارك أكثر مما هو استباق.

أعرض هنا لملابسات قيام كل من جبهة الهيئات (1964) والتجمع النقابي (1985) لبيان نشأتهما في سياق كسياق التجمع النقابي الراهن ليكونا أركنحرب ثورة شعبية خرجت بعبقرية تلقائية لتغيير ما بها.

جبهة الهيئات 1964: انبذرت هذه الجبهة بعد مظاهرة تشييع الشهيد أحمد القرشي صباح الخميس 22 أكتوبر. وجاء الاقتراح بها من هيئة أساتذة جامعة الخرطوم. وهي ما طرأ للأساتذة في باب تبعتهما القيادية بعد معركة ليلة الأربعاء 21 أكتوبر مع السلطات تضامناً مع طلابهم، وقيادتهم لموكب التشييع نفسه. وعرض الأساتذة، الذين كانوا فرغوا من كتابة مذكرة للحكومة تطالب بتنحيها، خطة الجبهة للمحامين ممن كانوا في منازلة مع النظام آخرها في شهر أغسطس 1964 دفاعاً عن أحمد سليمان وفاروق أبو عيسى ممن عرضا للمحاكمة بتهم الإساءة للمحكمة. فاجتمع الأساتذة بمكتب عابدين إسماعيل، نقيب المحامين، في اجتماع شمل طلاباً وقضاة ومحامين وأساتذة حيث ُعرضت فكرة جبهة للهيئات لقيادة الثورة والإضراب السياسي العام. وانضم الأطباءـ الذين وقوفوا بقوة عند حقهم في علاج ضحايا يوم الأربعاء وحق الضحايا في علاج آمن من تعديات الشرطة، للجبهة بعد تقديم مذكرة ساخنة أخرى للحكومة بالتنحي. وعرضوا دارهم، كما أساتذة جامعة الخرطوم، مركزاً للجبهة. وانتهت الجبهة بإرسال وفد للتفاوض مع جبهة الأحزاب التي كانت تجتمع بقبة الإمام المهدي بأم درمان في يوم 27 أكتوبر.

التجمع النقابي (1985)
بذرة التجمع النقابي كانت في اتصالات أجرتها نقابة أساتذة جامعة الخرطوم خلال محاكمة المرحوم محمود محمد طه بالردة وإعدامه. ولكن التجمع اتخذ شكله المؤسسي في خضم المظاهرات المناوئة للنظام التي بدأت بالجامعة الإسلامية ومعهد الكليات التكنولوجية في 26 مارس 1985. فكان إضراب الأطباء في الخرطوم في 30 مارس احتجاجاً على قتل المتظاهرين وتجريحهم. وخرجت نقابة المحامين للدفاع عن المعتقلين. واجتمع في مساء 1 إبريل ممثلون لنقابات مهنية لتتفق على الدخول في إضراب سياسي عام يوم الأربعاء 3 إبريل. وسير الأطباء موكباً للقصر احتجاجاً. وانضمت في الأثناء 30 نقابة للتجمع. وتكونت في 5 إبريل قيادة موحدة للثورة من النقابات والأحزاب. واستبق انقلاب سوار الدهب موكباً للقضاة والديبلوماسيين تقرر له يوم 6 إبريل. وكان التجمع النقابي مسرحاً لصراعات أحزاب على أحزاب (أمة إمام إمة صادق، اتحاديون وختمية) ونقابات على أحزاب. وتكون التجمع مؤسسياً مساء 6 إبريل بدار أساتذة جامعة الخرطوم وقوامه المحامون، والمهندسون، والصيارفة، والتأمينات العامة، واتحاد طلاب جامعة الخرطوم.

هذا عرض مرتجل لتكوين جبهة الهيئات والتجمع النقابي لم أرد منه سوى أنهما، مثل تجمع المهنيين، خرجا ليكونا القيادة لانفجار جماهيري في أزمة ثورية. فلم تعد تلك الجماهير قادرة على أن تحكم بالطريقة القديمة فحسب بل لم يعد النظام نفسه قادراً على الحكم بالطريقة القديمة. والنقطة الأخيرة من المعادلة مهمة جداً. فقد تضيق الجماهير بالنظام وتسخط بطرائق حكمه القديمة لعقود كما في حال الإنقاذ. ولن تنفجر بالشكل الواسع الذي رأيناه في أكتوبر وإبريل وديسمبر إلا حين يبلغ النظام من الفشل حداً لم يعد هو نفسه قادراً على الحكم بالطريقة القديمة. ولو لم يتوفر الشرط الأخير، أي شرط تهافت النظام وفشله، لما زاد الناس عن تعبيرات معارضة قوية وشجاعة مصيرها النكسة.

سيكون السؤال المثير حقاً بعد هذا العرض: لماذا تظهر بيننا قيادات المهنيين هكذا في منعطفاتنا الثورية؟ لماذا يبدو وكأنها تتناسخ؟ ما هي ديناميكيتها السياسة والاجتماعية والتاريخية؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.