وجدت تجمع المهنيين قدم لبيان له أمس بمربع من "عزة من هواك" لخليل فرح.
عازة في هواك نحن الجبال
وللبخوض صفاك نحن النبال
عازة ما بنوم الليل محال
وبجسب النجوم فوق الرحال
خلقة الزاد كمل وأنا حالي حال

وتصادف أنني كنت أقرأ كتاب "خليل فرح: صوت الشعر ونغمة المزمار" لجعفر محمد على بدري وتأخذني منه عبارة أو أخرى مما لها وشيجة بثورة 25 ديسمبر . فلخليل أبيات غراء في شباب وطنه وشباب عشاقه. قال:
أين مني الفي زهوه باسق في شبابو نقي من مفاسق
بين ثيابو البيض المناسق حولك اشبه رتل الحمام
وجاء في شرح المؤلف ل"الرتل" في البيت الثاني أنه "المروق المنسق المزين كالحمائم البيضاء". ورن في أذني الهتاف: "مرقنا مرقنا للناس السرقو بلدنا" من ثورة الشباب القائمة وهم رتل بعد رتل نصرة له وفداء. وتصادف أن قال المؤلف أيضاً إن البياض كان لون علم جمعية اللواء الأبيض التي حلت محل جمعية الاتحاد السوداني التي انتمى إليها خليل فرح. وكان خليل فرح من حداة الثورة. وأضاف بأنهم رمزوا بالبياض للقانونية والسلمية والاعتدال. وهذا نداء الثورة برغم ما تلقى من عسف الأشرار القساة.
وقال خليل في تعذر الوطن السليب على جيله وامتناعه أبيات عجيبة:
أصنقع ليك كل الغيم أحسبو جزائر
والليل بي نجومو نخل غزير شال ناير
أدور أبلغ مناي ساكت طماحة فاير
وبني وبينك الحجر البِشُتر الطاير
ووقف المؤلف عند شرحها بنبل. فوطن خليل كوطن محجوب شريف "حدادي مدادي". انعقد سماؤه بأرضه حقاً لا ضلالا. فغيم السماء جزائر ونجومها نخل مثمر. أما الحجر فأمره أعجب. فالحجر هنا هو الجبل أطلق خليل الجزء منه وأراد الكل. وهو الاستعمار الذي يقف بين جيل الحركة الوطنية وبين الوطن. وقال المؤلف في طول هذا الجبل إنه "يشتر الطاير" يريد أن الطائر لا يعلو من فوقه إلا وقد جرحه كأنه يسد دروب ما بين السماء والأرض. و"يشتر" عربية في معني تجريح الجسد. والعبارة مما أخذه الخليل من تراث كردفان. وبدا لي أن شبابنا يحلق الآن بجناح الثورة من فوق جبل الإنقاذ طبقات فوق طبقات من الجند الانكشارية المرتزقة تضرجهم بالشهادة للوطن والدم.
أما ما استوقفني من الكتاب حقاً ما وجدته فيه من عزاء لمثل من في عمري بثورة الشباب الناهضة الذين لم يملك أكثر الناس تفاؤلاً من بعض الاستيئاس منهم. فوجدت في الكتاب حكاية نادرة عن عزاء خليل بصبية اقتحموه في مرضه الذي أودى به و"أدوا التمام أمامه". فأشرق وتوجد وأطمـأن. والحكاية من مذكرات السيد على الفيل على عهد تلمذته في المدرسة الأهلية الابتدائية في أم درمان في 1929. وهي مدرسة قامت بالجهد الأهلي لسد النقص في التعليم. وكان موقعها البيت الأول من بيوت عبد المنعم الواقعة شمال شارع السيد علي متجهاً إلى الشرق من المحطة الوسطى بأم درمان. وترك كثير من المعلمين فيها مدراس الحكومة ليعلموا فيها بدافع وطني وبأجر اقل.
وكان من بين مدرسيها محمد حمزة طيب الأسماء. وكان أراد دخول كلية غردون ولكنهم رفضوه لأن بعينه حول. فرد والده على الإنجليزي الذي تعلل بحول ابنه قائلاً: "طيب كتشنر كان أعور كيف سُمح له أن يتولى ذلك المنصب الكبير؟" وكان محمد حمزة مولعاً بغناء خليل فرح الوطني. وكان يدفع التلاميذ لحفظ "عزة في هواك" بالذات وينشدونها متى كان هو مدرس الحصة.
وفي عام 1929 رقد خليل فرح في مستشفى أم درمان بداء الصدر. فرتب محمد حمزة لتلاميذه زيارة عيادة لخليل في مارس من العام. فطَعّمهم في المستشفى ليدخلوا عليه في العنبر. وقال على الفيل في مذكراته بعد دخولهم عليه:
"كانت تلك هي اللحظة الأولى لكثير منا لرؤية خليل فرح الذي كنا نعرفه بقصائده. فما كان منا إلا بدأنا بإلقاء قصيدته "عازة في هواك" بدون سابق إنذار أو بإيعاز من أحد. وكان ذلك الإلقاء بالنغمة الحماسية مفاجأة لخليل فرح ولمحمد حمزة ولكل من بالعنبر وباقي من في المستشفى. والتف حولنا كثير منهم. أما المرحوم خليل فرح فقد هبّ جالساً من رقدته، وبدت أسارير وجهه كأن بها نور، والفرحة ظاهرة عليه. وقد لاحظت أن عينيه كانتا تدمعان. ولما انتهينا من إنشادنا نظر إلينا الخليل واحداً واحداً ثم قال بصوت عال ملئ بالفرحة واليقين، قال كلماته الخالدة:
"أبشري، أبشري يا عازة، أبشري يا عازة، اولادك ديل ما بضيعوك، أبشري".
ثم رقد على سريره بعد أن قال لنا شكراً لكم".
قال المبارك إبراهيم، الأديب مقدم برنامج حقيبة الفن من إذاعة أم درمان في الستينات، إن الخليل "درة في اعماقنا لم نكتشفها بعد". وكذا السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////