كانت الوالدة الحاجة جمال تمر عند جامع حلة كوكو (النمر) حين سمعت من يؤذن للمغرب. وما طرق الصوت أذنها حتى عرفت أن فيه شبهاً لصوت حفيدها طارق "حتالة" اختي قمر القسوم رحمها الله. فوقفت عجباً يديها معقودة خلفها، مصنقعة لأعلى، قائلة مسبوقة "أي أي أي واحلاتي دي مي طارق!". وتَكهنتُ أنه، متى فزت في انتخابات الرئاسة في 2010 ضد البشير وخطبت خطبة النصر، ستعقد الحاجة أيديها وراء ظهرها، وتصنقع وتقول:" أي أي أي حلاتي دي ما عبد الله!"

نبهني الأستاذ عبد العزير حسن الصاوي بمقال لافت إلى كتابات للدكتور محمد ناجي الأصم العضو القيادي بتجمع المهنيين، حبيس جهاز الأمن القومي منذ الرابع من يناير الجاري. وتتواتر الأخبار بأنه يخضع لتعذيب أشفق الناس على حياته. وراجعت النت ووجدت كتابات للأصم عن التغيير تامة النضج. وطمأنتني على فكرة جازفت بها لمن كانوا أشفقوا أن هذه ثورة ربما لم تنجب قياداتها بعد بما يوحي باستيراد قادة لها من خارجها. وكنت أقول إن مثل الحراك الاستثنائي الذي يؤجج بلادنا إما أنتج قادته أما أنه بسبيل إنتاجهم. ولم يصدق قولي عندي إلا حين استمعت لمعمر موسى وقرأت للأصم. ورأيت رصانة تأسرني في الشباب وحس بالقيادة شفيف ورحب.

استرعي انتباهي في كتابات الأصم عقيدته في وجوب أن تكون للتغيير نظرية تسبقه. فقال:
"التخبط الذي يضرب نواحي العمل الهادف إلى تغيير الواقع في السودان أسبابه ومبرراته كثيرة. ولكن يبدو أن أهم هذه الأسباب هو الغياب التام للتنظير الواضح المتفق عليه في إطار تصورات المستقبل، النابعة من التحليل الآني للمشكلة. وهو ما يتأزم يوما بعد يوم مع تعاقب الأجيال التلقينية إن صح التعبير، والتي نتواجد نحن في صفوفها، فالأسئلة يجب أن تستمر:
لماذا نريد التغيير ؟ وكيف نريده؟ وماهي النتائج التي نرجوها منه ؟ أسئلة إن لم يتم التوافق على خطوط عريضة كإجابات لها يكون الحديث حينها عن التغيير محض استهلاك سياسي رخيص). "في التفكير ومسألة التغيير" (موقع النيلين 22 يونيو 2016)

ووجدت عقيدته في التغيير جذرية، لا يضيق واسعاً يحصي ألوان قوس قزح المدعوة لحمله إلى غاياته:
(إن أي مشروع للتغيير يجب أن يعمل بصورة جادة على أن يخلق حالة عامة من الرفض لدى الجماهير: أن تصل الغالبية العظمى إلى إحساس عميق بالرفض، رفض مبني على دلالات منطقية وعقلانية وليست فقط عاطفية أو هتافية. وهو الذي يستطيع أن يحفز وقبل كل شيء هذه الجماهير للتعبير عنه بمختلف الوسائل والآليات. ولأن الجماهير متنوعة وتتمتع بخلفيات ثقافية واجتماعية متعددة، فإن المشروع الموجه إليها يجب كذلك أن يكون متعددا ومتنوعا. يجب على المشروع الذي يهدف إلى الترويج للرفض أن يكون شاملا لكل مجالات وأوجه الرفض التي تعني الجماهير انطلاقا من أولئك الذين يرفضون الواقع لأن به حرب تقتلهم وأبنائهم كل يوم ، وصولا للعاطلين عن العمل من الشباب والذين يرفضونه لأنه يحرمهم من العمل المحترم والعيش الكريم، وحتى القضايا اليومية من غلاء وصعوبات المعيشة).
"تأملات في جدلية التغيير" (سوانيزأونلاين 15 أغسطس 2018).

لو كانت الحاجة جمال حية بيننا كانت طربت للأصم. فعجبها كان الرجل الصميم والحاذق والمرأة. وكان معيارها في السؤدد أن "يتب" الإنسان متى ما دعاه داعي الشرف والنبل والريادة. وكانت، متى رأت الأصم أسيراً بيد جهاز الأمن، حقبت أيديها من وراء ظهرها، وصنقعت تتملى صورة الأصم الأسير، وقالت: "أي أي أي واحلاتي دا ما الأصم".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.