ذاع خبران على شبكات التواصل في الأيام القليلة الماضية. كان الخبر الأول عبارة من فيديو لحفل تخريج الدكتور محمد ناجي الأصم من كلية الطب. واختار الأصم أهزوجة ثورية لسيرة التخرج. أما الخبر الثاني فرسالة غاية في الشجاعة كتبتها الشابة أبرار ع، الطالبة بالجامعة الوطنية، تحذر الشباب من الوقوع في براثن حلقة الدعاة والوكلاء مثل من كانوا بجامعة العلوم الطبية والتكنلوجيا (حميدة) الذين استدرجوها مع أختها الطالبة بتلك الجامعة وأخريات للهجرة إلى ليبيا للقتال ضمن صفوف داعش.

وفي الخبرين درس مستفاد عن السياسة الطلابية في الجامعات في دولة الإنقاذ. فخرج الأصم من تقاليد الجامعة السياسة وممارستها ليكون على رأس ثورة هي ملحمة غراء. بينما عادت أبرار نادمة من تجربة سياسية مريرة. تربي الأصم في بيئة العمل السياسي الطلابي (برغم تضييق الإنقاذ المنهجي عليه ونشر رباطتها لكسر شوكته كما سنرى في ملحق هذه الكلمة) الذي يرقي الوعي السياسي فيصونه من الانجرار في عقيدة لم يفتشها من وجوهها. وخلافاً لذلك خرجت أبرار وصويحباتها من جامعات خاصة حظرت العمل السياسي بمسارحها. وزادت الطين بلة بتركيزها على علوم الطب واضرابها مستدبرة الإنسانيات مثل كليات الآداب والعلوم السياسية والثقافية إلا من مطلوبات الجامعة التي هي "عدي من وشك ساكت". وصدق فيها قول البروف عبد الله الطيب عن كلية الطب في زمانه. فقال الآداب جامعة والطب حرفة. وهو في الجامعات الخاصة حرفة حافة.

ومن يقرأ قصة أبرار سيرى أن السياسة التي أخرجتها جامعة حميدة وغيرها بالباب عادت بالشباك. فتجفيف الجامعة من السياسة انتهى بطلابها إلى نوع غرارة مثالية (والمثالية أصل في الشباب) أوقعت بهم في حبائل بؤرة داعشية بالجامعة. وتكونت هذه البؤرة من محاضرين في علم التطرف الإسلامي واقطابه، ومنسقين ومسفرين للمجندين والمجندات لنصرة داعش. فقد أخذوا إبرار ورفيقاتها سراً من بيتها الرحب اجتماعياً إلى بيت تخفي بالعزوزاب، ثم إلى أم درمان، ليستلمهن مندوب داعشي في حدود ليبيا. وهذه رحلة أشبعت روح المخاطرة الشابة فيهن في حين يكتفي الطالب في الجامعات التي تأذن بالسياسة منها بالعمل السياسي اليومي في التوعية، والحشد، وإصدار صحف الحائط، والاجتماعات والانتخابات، والجهر بالرأي عن حكومة بلده والتعاطف مع قضايا العالم.

جاء في أهزوجة تخريج الأصم "آخر العلاج الكي". وصدقت تظاهرة الأصم.

كتبت خلال فترة السيد خميس كندو كنده على وزارة التعليم العالي في سنوات 2011 وما بعدها أراجعه في خطته لمنع النشاط السياسي بالجامعات بالكلية. وأنشر المقال القديم لمساسه بواقع العمل السياسي الطلابي في دولة الإنقاذ وما نريده له في النظام الديمقراطي المنتظر. فإلى المقال القديم:
جاء في الأنباء أن خميس كجو كنده، وزير التعليم العالي، كشف عن خطة لوزارته لمنع النشاط السياسي للطلاب في الحرم الجامعي. ووددت لو جاء خميس بحيثيات أوفى لموجبات قراره الاستثنائي.

لا غلاط إن ما يتم باسم السياسة في الحرم الجامعي مثير للقلق. فصباح نشر تصريح الوزير أضرم مجهولون النار في 74 غرفة بداخلية طلاب كلية التربية بجامعة الخرطوم. وأتهم المعارضون للإنقاذ طلابها بإضرام النار. وسيصعب تكذيب هذه التهمة حتى يصدر من الحكومة تحقيق مسؤول عن الجهة التي سبق أن أحرقت داخلية طلاب البركس بالجامعة في 2 فبراير المنصرم يضع الوزر على المستحق. وهو حريق صار به 132 طالباً بلا مأوى. فلا يصح للحكومة أمام هذا التلف في المال العام أن تقنع ببيان من طلاب المؤتمر الوطني يُحَمِل الوزر للطلاب المعارضين: تلاوم. ولابد أن تسف الجامعة التراب لتأخرها في التحقيق في حادثة 2 فبراير كما وعدت ليعود اللاعبون بالنار إلى مجمعها في التربية.

خلافاً لقول الوزير فإن الذي يجرى في الحرم الجامعي ليس ممارسة لنشاط سياسي موجب المنع. فالوقائع الأخيرة شاهد على نهاية السياسة. فالذي يحرق لأجل السياسة يحرق السياسة نفسها. ولو قام بالحرائق طلاب الإنقاذ صار فعلهم قمعاً للسياسة. أما لو قام به المعارضون (وهذ صعب التصديق ونقول به مجاراة) فهو ردة عن السياسة تذكرنا بنشأة الحركة النقابية أول مرة بين العمال في أوربا. فكانوا متى ظُلموا حرقوا الماكينات انتقاماً. ثم ترقى وعيهم النقابي والسياسي فسلمت الماكينات وتواترت الإضرابات والاعتصامات.

بالطبع ليس بوسع الوزير حظر الممارسة السياسة في الحرم الجامعي. القبلك كانوا أشطر. حاوله نظام عبود بالقانون رقم 9 لعام 1960. وتداوى النظام بالتهافت بالتي كانت هي الداء: بواسطة نشاط الطلاب السياسي. وحاوله محي الدين صابر في أول أيام انقلاب مايو فيما عرف بتقرير توصيات لجنة تطوير جامعة الخرطوم. وأصبح الباقي تاريخاً. أما المؤتمر الوطني فحاول بطريقته وهي أن يمارس طلابه وحدهم السياسة بما يشبه "الرباطة" والبقية يمتنعون.

لا أدري كيف فات على الوزير أن الطلاب الذين سيفطمهم عن السياسة إنما يمارسونها كحق دستوري. فببلوغهم الثامنة عشر صاروا ناخبين مستحقين للإدلاء برأيهم في شأن وطنهم. ولو سمح لي الوزير، على بينة ما سبق لي قوله، تعديل عبارته فتصير إلى أنه سيستعيد السياسة للحرم الجامعي لا تجفيفها. فما أزعجه من ممارسة "السياسة" هي "لا سياسة" بل حرائق وأضل سبيلا. ووددت لو توقف مثلي عند ما قاله طلاب المؤتمر الوطني عن وجوب عودة اتحاد الطلاب لجامعة الخرطوم على ضوء مذكرة تقدموا بها لكل الأطراف. فمهما كان سوء ظننا في هؤلاء الطلاب وحزبهم ولكنهم أشاروا إلى الطريق الذي لا غيره لمعالجة السياسة في الحرم الجامعي: اتحاد للطلاب تظله ديمقراطية عظمى.

فيديو تخريج الأصم:

https://www.bing.com/videos/search?q=%d8%aa%d8%ae%d8%b1%d9%8a%d8%ac+%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af+%d9%86%d8%a7%d8%ac%d9%8a+%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%85&pc=cosp&ptag=G6C999N2108A12CF88F5C3&conlogo=CT3210127&ru=%2fsearch%3fq%3d%25D8%25AA%25D8%25AE%25D8%25B1%25D9%258A%25D8%25AC%2520%25D9%2585%25D8%25AD%25D9%2585%25D8%25AF%2520%25D9%2586%25D8%25A7%25D8%25AC%25D9%258A%2520%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A3%25D8%25B5%25D9%2585%26pc%3dcosp%26ptag%3dG6C999N2108A12CF88F5C3%26form%3dCONBNT%26conlogo%3dCT3210127&view=detail&mmscn=vwrc&mid=A61775A5292C2AD8F188A61775A5292C2AD8F188&FORM=WRVORC

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.