صدر للدكتور حسن عابدين كتاب جديد عنوانه "أصداء الزمن الجميل: رسائل في الذكرى والحنين". وهو عبارة عن ذكريات عن أهل ومعلمين وأصدقاء ومعارف قوامه رسائل منه لهم أو العكس. وشرفني حسن بضم رسالة لي له رداً على خطاب جاءني منه في 1988. ومعرفتي بحسن ترجع إلى نحو 1962 حين ضمنا اتحاد طلاب جامعة الخرطوم هو ممثلاً للمستقلين (المؤتمر الديمقراطي الاشتراكي لاحقاً) وأنا أمثل الجبهة الديمقراطية. وكنا في لجنة 1963-1964 التي أوقفتها الجامعة عن الدراسة لعام بعد مظاهرة طلابية خلال حفل للتخريج.

كتب لي حسن في 1988، عام هذيان الديمقراطية الثالثة وتهافتها، يقول:
"إن أحزابنا العقائدية والطائفية باتوا مثل آل بوربون لم ينسوا شئياً ولم يتلموا شيئاً" في إشارة إلى عقم وإفلاس الأحزاب في ظل الديمقراطية الثالثة. وزاد بأن السودان سيعود إلى مرة أخرى للدائرة الخبيثة من ديمقراطية شائهة فانقلاب عسكري فانتفاضة ثم شائهة أخرى فانقلاب آخر لا أخيراً.
وكان ردي عليه كما يلي:
عزيزي حسن.
تحياتي وأشواقي
وصلني مكتوبك مع عبد الغفار (د. عبد الغفار محمد أحمد). وظللت في أرق الرد عليه مع الأيام والليال التي تنسحب هنا وسيطرتنا عليها قليلة.
أشكر لك عنايتك بما كتبت في "الأيام". وأود لو أتيح لنا حديث طويل بشأن ما اعترضت عليه. غير خاف عليّ ما انتهت إليه التعددية عندنا من سيطرة "مهتزة" للميرغنية والمهدوية المتحالفة أو المؤتلفة. إن الضيق بهذا التكرار التاريخي مشروع جداً. ولكن إلى اين أفضى بنا:
1-إلى فقدان كل مناعة لنا للعيش في ظل الديمقراطية التعددية. إننا لا نحسن العيش فيها. وأقصد بالذات المتعلم الأكاديمي المتسيس. ونقضي سنواتنا القليلة معها في ضجر غريب . . . ضجر يملأ الخرطوم الآن. وقد بلغ حداً أصبح انتظار قرنق نوعاً من التسلية المرتقبة.
2-إلى فقدان كل عطف أو ثقة بالشعب لأن اختيار المرغنية المهدوية اختيار شعبي مشروع. إن استنكارنا لهذا الاختيار يحول دون أن نتعمق البنيات السياسية والاجتماعية في بلدنا لنقف على جدل تكراره. في قاع كل ذلك قناعة لا سند لها أننا أدرى بما يريد الشعب. وهذا جذر كل خطة انقلابية.
3-ويتمثل انقطاعنا عن الشعب في ميل جماعات من المتعلمين أن تجرب المجرب: قبول الطائفية من أجل مقعد برلماني. يظن المتعلم أنه سيستخدمه بشكل أفضل. وهذا إخفاق تكرر ومع ذلك لم نمله. الأجيال منذ المحجوب والأزهري حتى بشير عمر وأبو حريرة يجربون المجرب.
4-إننا بلا بدائل كثيرة: إما الائتلاف الطائفي أو الكارثة.
5-لقد تركنا الشعب للطائفية أو لقوى ترجمه من أعلى. لا تنبثق من معاناته، وتتلون بها، وتشفق عليه، وتصمم على إنقاذه نهائياً.
إن لعن الديمقراطية أمر هين. غير أنه سيصعب التكهن بيسر عما تنذر به الاحتمالات الأخرى. إنني متفائل بالديمقراطية التعددية بشرط وحيد هو الدعوة إلى فعل يغير تركيبتها (من خلال الممارسة ذاتها) إلى مكان للشعب فيها وطاقمه السياسي القدح المعلى (وقصدت من ذلك أن نتعاقد على ديمقراطية مما يعُرف الآن ب"التوافقية" يكفل للقوى الحديثة تمثيلاً مناسباً تتعاقد به على صون الديمقراطية بالامتناع على الانقلاب سقماً من غلبة الأحزاب التقليدية المعززة بالريف).
أعتقد أن الديمقراطية لم تعد بيئة سياسية وحسب. إنها عندي الآن صنواً لغريزة البقاء.
أرجو أن تكون والاسرة بخير. وأعذرني للتأخير. وسعيد أنا بتجديد خوتكم مع عظيم محبتي وتقديري.
المخلص
عبد لله علي إبراهيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.