قال صحفي أجنبي نجيض إن ثورة ديسمبر في السودان مما يمكث في الأرض. لم يقلها قرآنياً هكذا. ولا تغيب هذه الحقيقة الغراء مثل غيبتها عن بعض كتاب الرأي من أنصار الثورة ناهيك عن خصومها. فأنصار الثورة يلقون تحدياتها بشق الجيوب (أو بانحلال الجبارة كما كتبت قبل أيام). فلم يكف كثيرهم عن نعي الثورة منذ توقيع الوثيقة الدستورية لتوهمهم أنه كان بوسعنا الخروج بنظام مدني خالص من شائبة العسكر. واعتقدوا في وجوب القيام بثورة ثانية. وصراع الثوار متنى (مثنى).
أما خصوم الثورة فعلى الوجه الآخر من عملة الضلال. فيعتقدون أن الثورة إنما قامت ضد البشير. وهو عائد لا محالة. ولذا تراهم يتربصون بالنقص في الخبز أو صف للبنزين للعد التنازلي لسقوط نظام الثورة لنعود كما كنا. فلترق منا الدماء
ما يجعل هذه الثورة مما يمكث في الأرض أنها لم تنهض لإسقاط البشير إلا كآخر تجسيد لنادي القوى السياسة المحافظة واليمينية. عَمِل هذه النادي بعد الاستقلال بنظام ليبرالي وطني. واستنفد نفسه بصور مختلفة خلال العقود الماضية لينتهي، من فرط اليأس، إلى ثيوقراطية قابضة. وتعثر هذه النادي في كبواته حتى أشهر أفلاسه ثيوقراطياً مرتين في 1983 وفي الإنقاذ بسبب الثورات التي لم تتوقف تلجمه عن نزواته، فيتفلت منا، ويعود إلى قديمه بصور مختلفة. وقد يعود هذا النظام إن عاد في صورة بعاتي له خنخنة.
أقرأ كتابات بعض سقط النظام القديم يظنون كل صيحة على الحكومة الانتقالية نذراً بعودة الإنقاذ. ولربما طال انتظارهم لأن الثورة لم تكن على الإنقاذ كما تقدم. إنها ثورة للتغيير من الجذور: حرية سلام وعدالة . . . ومدنياوووو. ووقعت لنا ككل شيء آن أوانه. ورغبت، متى قرأتهم، أن أذكرهم ب"نادي قربت". وهو ناد لجماعة من الأصدقاء ببورتسودان لقيتهم في نحو 2009. يجتمعون كل مساء ويتجاذبون أطراف زلات الإنقاذ (وعادة ما كانت عن أفعال واقوال نافع علي نافع) ليومهم التي ستسوقها إلى حتفها. ويخلصون عند آخر الليل إلى أنها، أي الإنقاذ "قربت" من نهايتها. وبقت الإنقاذ فينا لثلاثة عقود مع ذلك.
أما ثوريو الثورة الثانية فيذكرونني بحكاية الرجل الشكاك. فمتى اشترى من السوق شيئاً شك في أنه لم يحصل على أفضل بغيته منه. فقيل إنه جاء يشتري ثلجاً يوماً رمضانياً ما. فظل يلمس لوح الثلج بيده ثم يرفعها مراراً. فاستغرب ذلك منه بائع الثلج قائلاً: مالك يا زول. فقال الرجل: ما عندك أتلج من دا؟
ليس من ثورة أخرى أثلج من هذه. ومن استمع إلى أندرو كومو، حاكم ولاية نيويورك، هذه الأيام وهو في الضيق المعروف لربما سمع العبارة: إن المرء ليقاتل بما بيده لما بما يشتهي أن يكون بيده. ولا أعرف مثلاً على هذا القتال بما في اليد من أجل هذه الثورة مثل ما يقوم به شباب مستشاري التخدير خلال منظمتهم "موفز" لتوفير معينات التطبيب من الكورونا للجيش الأبيض. فلم أصدق وأنا استمع لهن على قناة س 24 أن بوسعهن تذليل بعض مصاعب صون هذا الجيش، التي أنهكت القوى الأعظم، بموارد غاية في البساطة والسداد. فبدا أنهن يعشن الثورة التي باليد. فأعجبني منهن رد تطوعهن الماثل إلى خبرتهن في ساحة الاعتصام بلا رومانسية وبولاء. فهن الثورة بينما يطلب لهن بعض كتابنا الثورة المنتظرة التي ستأتي بطاقم وزاري وسيادي فاتنا التعرف على مواهبه في ثورتنا الأول. وكانت يا عرب.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.