سألني صديق بليغ عن سبب اقتراح أستاذنا عبد الخالق محجوب على نظام مايو إشراك حزب الأمة (جناح السيد الصادق المهدي) تعيين السيد أحمد إبراهيم دريج في أول وزارة له. وهو الموقف الذي نقدته جماعة أحمد سليمان في الحزب ورأت في ذلك مضاجعة للعدو الرجعي. وسألته هذه الجماعة عن "زلته" تلك في اجتماع موسع للجنة المركزية وكادر الحزب القيادي كان لي شرف حضوره. ورد عليهم أستاذنا عليهم بطريقته الرشيقة الحازمة: "والمشكلة وين ما تراكم مثلتو الاتحادي الديمقراطي بموسى المبارك الحسن؟".

السبب من وراء الاقتراح هو أن استاذنا كان تخلص من صيغة تواثق عليها الشيوعيون حلال الحركة الوطنية مفادها أن حزب الأمة صنيع الاستعمار ورجعي وأن الاتحاديين بمختلف مسمياتهم وطنيون حلفاء للشيوعيين. وبذل الحزب جهداً غير عادي حين اختلف الأزهري مع الختمية في نحو 1956 للحيلولة دون أن يتصعد خلافهما ويفضي إلى شق الصف الوطني. وروج جماعة الأزهري (الوطني الاتحادي) خلال الصراع مع السيد علي الميرعني لشعار "سقوط القداسة تحت أعتاب السياسة". وتفاسل الختمية (صاروا الشعب الديمقراطي) والاتحاديون شعبة الازهري للحد البعيد فسالة بعضها مضحك مؤسف. وراجع أستاذنا هذه العقيدة في تقريره "قضايا ما بعد المؤتمر الرابع (للحزب 1967) (1968) الذي ناقشته اللجنة المركزية في دورة انعقادها في مارس 1968. وجاء فيه أنه ينبغي للشيوعيين أن يبنوا خططهم وتحالفاتهم في الوقائع التي استجدت بعد فترة الحركة الوطنية على مجريات المصالح الطبقية للأحزاب لا واجهاتها. فمتى نظرت للمصالح لا الواجهات ستراها "وحوش واحدة" كما يقول الخواجات. وبدا لي أن أستاذنا احتكم إلى هذه المراجعة في دعوته تمثيل حزب الأمة في تركيبة وزارة انقلاب مايو. والواضح أن رفض جماعة أحمد سليمان لاقتراحه كان من باب العض بالنواجذ على ما كان عليه الآباء.
وأنشر أدناه الطرف من تقرير أستاذنا (وقد أعادت نشره دار عزة بالخرطوم) الذي تعلق بمراجعته لصيغة "أمه رجعي استعماري، اتحادي وطني تقدمي".

(الطبقات ولأحزاب السياسية
لم نعد نواجه الاستعمار الحديث كمشاريع سياسية (أيزنهاور، المعونة الأمريكية) تسعى إلى التغلغل فبي بلادنا بواسطة التكوينات السياسية التي ارتبطت بالاستعمار القديم (حزب الامة) وحسب. فقد أتجه الاستعمار الحديث خاصة بعد تطبيق مشروع الخطة العشرية (1960-1970) خلال الحكم العسكري الى الارتباط بفئات اجتماعية بعينها حتى يجد له مرتكزا في مجتمعنا. والاستعمار الحديث في هذا غير مقيد بهذا الحزب أو ذاك. فهذه الفئات التي يتوجه إليها موجودة في داخل الاحزاب السياسية المختلفة، وتعمل في تنسيق لتحقيق استراتيجية الاستعمار الكاملة: تكريس التخلف وسلوك الطريق الرأسمالي. فإلحاح الطريق الرأسمالي عامل عمله فوق الأحزاب والتكوينات السياسية.
فالطوائف الصوفية، التي نشأت عليها تلك الأحزاب، تتعرض في داخلها الى تصنيفات طبقية. فالكوادر الطائفية (ومن ثم السياسية) القديمة، التي كانت تسير بإشارة من المؤسسة الطائفية، قد اغتنت وتنورت وتنبهت لمصالحها المادية. فالرأسمالي "الختمي" لم يعد يرى في الرأسمالي "الأنصاري" عدواً بل صليحاً في الوضع الاجتماعي والمستقبل. إن ائتلافات الأحزاب التقليدية، ابتداء من ائتلاف حزب الشعب والأمة في 56-58، حتى تلك التي تكررت وتلاحقت فيما بعد اكتوبر 64، لا يمكن تفسيرها إلا بأساسها المادي، وأن ثمة مصالحاً حقيقة لتلك الأحزاب -الطوائف تجعلها تمد يدها لبعضها البعض خارج نطاق الجدار الطائفي السياسي.
ويتطلب هذا الوضع المتغير المتشابك من الشيوعيين الخروج عن حكم العادة في العمل السياسي. فقد سبق أن استقر العمل في الحزب الشيوعي على التعامل مع الوطني الاتحادي (منفصلا أو مندمجا مع الختمية) كممثل للرأسمالية الوطنية، ومع حزب الأمة كممثل لشبه الاقطاع والاستعمار. ولهذا كان الشيوعيون يلاحقون ائتلافات الاتحادي مع حزب الأمة بالسعي والتحريض على فكها وتخليص الاتحادي، حزب "الرأسمالية الوطنية"، من حزب "الرجعية والاستعمار". فالمواقف اليمينية لدوائر ذات وزن في الوطني الاتحادي بعد ثورة اكتوبر لا يمكن إلا أن تفسر بالارتباط المادي مع الاستعمار الحديث. فهذه الدوائر جزء من الفئات الاجتماعية التي تسلل إليها الاستعمار الحديث وجندها لاستراتيجيته بغض النظر عن سابق خدمتها الوطنية. إن الانسياق وراء التقسيم الجزافي (الوطنيون وأذناب الاستعمار) لا يعبر عن الواقع الطبقي للأحزاب السياسية، ولا يورث الشيوعيين غير الغموض والحيرة.
لقد وجه المؤتمر الرابع الى البحث عن الرأسمالية الوطنية (أي فرزها عن الرأسمالية المحلية الأخرى ذات الارتباط بالاستعمار) في داخل كل الاحزاب السياسية الموجودة. أي ان لا يقتصر البحث عنها في إطار حزب واحد لا غير. فمواقف دوائر وأفراد للرأسمالية الوطنية، بما اتسمت به من انسجام مع الحركة الديمقراطية بعد اكتوبر، ليست موقفا ذاتيا. بل هو موقف يعبر عن مصالح البرجوازية الوطنية التي تحمل على أكتافها ثقل القديم ومازالت تبحث عن المنبر المستقل لكي تتعامل به مع الحركة الديمقراطية. ومن ثم فالجبهة الوطنية الديمقراطية ليست حلفا بين أحزاب، إنها تحالف بين طبقات).
جئت أدناه بصفحة من تويتر للسيد سامح مبارك حملا فيديوهات (اصبر عليها فهي في نحو آخر الصفحات) ليسمع من أراد صوت أستاذنا عبد الخالق محجوب الذي توافر في تسجيلات محدودة.

https://twitter.com/i/events/982257167515336704?la


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.