صدر في مناسبة 6 إبريل بيان كئيب آخر من الحزب الشيوعي. فهو كئيب المنظر والمخبر. أما كآبة المنظر ففي اكتظاظه بالخطأ الإملائي من جهة رسم الهمزات والهجاء. فأحصيت له 37 خطأ من ذلك في بيان من 762 كلمة (نحو 20 في المائة). ولا أحسن أنا نفسي قاعدة رسم الهمزات بعد عمر في الكتابة ولكن أسعفني عليها راصد لأخطاء النصوص قليل التكلفة. ولو اعتني الحزب بما يكتب شباب وقتنا لهاله ما يقع منهم من أخطاء اللغة ولأشفق عليهم وصار لهم قدوة في نصاعة التعبير.

أما كآبة المخبر فهي في دورانه حول شكاو للحزب مستديمة عن الثورة يلت فيها ويعجن لا إشراقة تلوح في نهاية النفق. فهو يعيدها "كت آند بيست" من بيان لآخر. ولا تجده يحرك ساكناً في أياً من المسائل موضوع شكواه حتى تلك التي ينتظر منه الناس المبادرة والهمة مثل النقابات للعقيدة الماركسية وسابق الخبرة. وتجده في حالات أخرى يشكو وما به داء من فرط الارتباك.
جاء في ابيان 6 إبريل المطلب بإلغاء قانون النقابات 2010 (المنشأة)، والعودة لقانون 1987 حتى إجازة القانون الجديد. كما شدد على وقف محاولة التدخل الإداري في النقابات التي رفضها العاملون مع تأكيد استقلالية وديمقراطية الحركة النقابية. وصح أن نسأل الشيوعيين هنا ما "عمارهم" في هذه الجبهة التقليدية من جبهات عملهم، بل أصل نشأتهم في 1946 كحزب للطبقة العاملة. وتجد الحزب أعاد في بيانه هذا ما ورد في تقرير اللجنة المركزية (دورة سبتمبر 2019) وفي تصريح في 9 يناير الماضي بحذافيره. فقال الحزب في دورة مركزه أن عليهم "مواصلة الثورة في قاعدة المجتمع بانتزاع النقابات وقانون ديمقراطي، بإلغاء قانون نقابة المنشأة، وقيام نقابة الفئة". وعبر الحزب في تصريحه في 9 يناير 2020 عن تحفظه على قرار حل النقابات موضحاً أن الحل الأنسب يتمثل في سحب الثقة عن قيادات النقابات عبر الجمعيات العمومية بعد إلغاء قانوني نقابة المنشأة والاتحادات المهنية. وحذرت فائزة نقد القيادية بمكتب النقابات المركزي في الحزب الشيوعي "من العواقب الوخيمة للحلول الإدارية" ووجوب الاعتماد على لجان التسيير من الجمعيات العمومية عقب سحب الثقة. ومرت الآن 8 شهور من تقرير مركز الحزب ونحو 3 شهور من بيان يناير ولم نر من الحزب سحباً ثورياً للثقة "عن قيادات النقابات عبر الجمعيات العمومية" وقع إلغاء قانوني نقابة المنشأة والاتحادات المهنية. وهذا عمل جماهيري مما يحسنه الحزب لا أدرى لماذا يسوف فيه، ويلوح به في كل منعطف كعيب في الحكومة الانتقالية التي حذرها هو نفسه من "التدخل الإداري" في النقابات وحفظ استقلاليتها.
وجاء في بيان الحزب في مناسبة 6 إبريل مطلبه بتفكيك التمكين الإعلامي للنظام البائد. وهو مطلب منقول من تقرير دورة اجتماع اللجنة المركزية (سبتمبر 2019). فجاء الحزب في هذا التقرير بمطلب "تحرير الإعلام ليصبح إعلاماً للشعب ومعبراً عن ثورته وأهدافه في الديمقراطية والسيادة الوطنية". ولا استبعد أن أراد الحزب من الحكومة الانتقالية بهذا المطلب البايت أن تضع يدها على الصحف والقنوات المملوكة لعناصر معادية للثورة. ولكن مما يحير علو صوت الحزب ومنظمته الصحفية بالاحتجاج يوم عطلت لجنة تفكيك التمكين جريدة السوداني لمطاعن في تمويلها معروفة للغاشي والماشي. وتبني الحزب ومنظمته الصحفية خط الثورة المضادة في أن تعطيل الجريدة مصادرة نكراء لحرية التعبير. فهالني حزب يدعو إلى تحرير الإعلام بما قد يؤذن بتأميمه كما جرى بعد انقلاب مايو 1969 ويؤذيه، في نفس الوقت، إجراء من لجنة التمكين تعقب صحيفة لرد أموال الشعب التي هي عنوان جريء في كافة أدب الشيوعيين. وهذا تمحل يريد المرء الشيء ليعجز الخصم، وهو هنا الحكومة الانتقالية، ويخشى من مغبته (مع أن لجنة التفكيك لم تصادر حرية تعبير الجريدة) لأنه يخصم من زينته الليبرالية المزعومة.
ومن باب إطلاق الشكاوى على عواهنه مطلب الحزب في بيان 6 إبريل باستقلالية لجان المقاومة. وهو صدى من مطلبه في دورة مركزه في سبتمبر 2019 ألا تسيطر عليها جهة تهيكلها في هرمية بغيضة. وتجد نفس الشكوى تعيد إنتاج نفسها بعد نحو عام إلا قليلا. ولا يكترث الحزب باطلاع الجماهير التي يتوجه لها بمثل هذا البيان عما قام به خلال العام لصون استقلال لجان المقاومة، وما يريده للناس ولأعضائها فعله لـتأمين ذلك الاستقلال.
يعتقد الحزب الشيوعي أن الاتفاق الدستوري هو انتصار للثورة المضادة. وهذا قول فصل. ولكنه، فيه الخير، ينادى مع ذلك باستكمال الثورة. وهذا تناقض في مسماه. فأنت لا تستكمل ثورة راحت في داهية. الأقرب للعقل في هذه الحالة أن تدعو لثورة ثانية. وهذا ما أجد صداه يتردد في كتابات كثيرة. وبدا لي أن الحزب الشيوعي يتخطفه هذا التناقض. وهذا طريق مختصر للكآبة كما رأينا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.