(بين عيد ميلاد النقابة في حياتنا في 22 إبريل 1946 وبين ميلادي في 21 إبريل 1942 يوم وأربع سنوات. واحتفل هنا بالمناسبتين في هذه الكلمة لأنني نشأت على إنسانية النقابة ورحابتها في مدينة عطبرة. وأعلم أنه نشأ غيري في إنسانية طريقة صوفية ما أو غيرها من التقاليد الثقافية. واستنكرت دائماً أن يكون معيارنا للأصالة في الوطن والاستحقاق قاصراً على من نشأ عند قبة ولي بينما يبقى مثلي الذي وليه النقابة وثقافتها (بما في ذلك الماركسية) مشكوكاً في نسبته لنفس الوطن. وقلت إن هذه محاكمة ضيزى للمدينة بأعراف القرى. فما تزال المدينة غريبة ديار كأننا سنطوي خيامنا منها يوماً ونعود إلى أمن الريف. وهيهات. وتكرر قولي لمن ينشطون في الهامش على خطة الأفريقية إن حملتهم على الثقافة العربية الإسلامية ظالمة لاتهامها بالفساد في جيناتها بينما كل إشكالها أن هناك من وظفها لضبط الدولة وربطها. فإنسانية هذه الثقافة رحبت فأخرجت النقابة ما بين فرث الوطن والدم. فهي الحامل العصري لإنسانية سائر الكادحين السودانيين متجاوزين أطر الطائفة والقبيلة. وصدف أن كان من بادروا بها في ظرفنا عرباً مسلمين. فقاومت أبداً في مثل جبهة الهيئات (1964)، والتجمع النقابي (1985)، وتجمع المهنيين (2020) نظماً ابتذلت الثقافة العربية الإسلامية أول ما ابتذلت، وظلمت الجماعة العربية المسلمة قبل أن تظلم غيرها. فمثلاً حل نظام عبود النقابة في 1958 قبل أن يبلغ بأذاه الهامش. 

في عيد ميلادي والنقابة أرفع قبعتي لسائر الكادر النقابي في مدينة عطبرة منذ أربعينات القرن الماضي بغير فرز لإحسانهم تربيتنا في شغل الوطن ووسعه وجماله. وأترحم عليهم. كانوا كالنجوم في سماء الوطن وحركة الطبقة العاملة).

كان يوم 22-4-1946 يوماً حزيناً أطبق بالوجوم على مدينة عطبرة. فقبل صفارة الفطور بربع ساعة أطلق ميرغني فرج، الحداد بورشة العمرة بعطبرة، صرخة جريحة دامية تردد صداها في جنبات الورشة التي بدأ العمل يتوقف فيها لتناول وجبة الفطور. كان عبد الرحيم الدابي قد سحب قطعة حديد ثقيلة من الفرن الحامي لموضع ماكينة المرزبة لتقطيعها. وضع الحديدة على السندان وأمسك بالمقابض. وبدأ الدابي تشغيل ماكينة المرزبة للتقطيع. وأختل التوازن بين فرج والدابي فطاحت المقابض بالحداد في الهواء فصرخ تلك الصرخة التي اندمجت بصفارة الفطور. وتمدد فرج شبه جثة على أرضية الورشة. وأسرع بعض العمال نحو فرج يرددون الشهادة بينما أخذ بعضهم يضرب التلفون يستحث الإسعاف. وتجارى آخرون نحو ورشة الحملة الميكانيكية لانتداب عربة لحمل فرج إلى المستشفى. ولم توفق كل تلك المساعي. ولكنهم وجدوا عربة تخص أسرة الإبس، معلم المقهى المعروف بالمدينة، فأخذت فرج إلى المستشفى غير أن روحه فاضت في الطريق. ونفضت المدينة يدها عن فطورها وكل شاغل آخر وهرعت إلى المستشفى، ثم إلى المقابر عند حلة القلعة في أعلى المدينة لستر الجنازة في نحو الواحدة ظهراً.
ساء المدينة والعمال موت مواطن وزميل بإهمال مفضوح. فلم يكن عن كثب منهم طبيب يستدعونه ولا إسعاف ينتظرونه لحمله إلى المستشفى. ولم يظهر بينهم مسؤول للتعزية أو التلطيف طوال المحنة. وكان أكثر من حزت الحادثة في نفوسهم هم طلاب فصل الأستاذ أحمد مجذوب بدار خريجي المدارس الصناعية (الدار) ومن بينهم على محمد بشير الذي تخرج من مدرسة الصنائع في 1943 وعمره 17 عاماً، وعمل في ورشة العمرة حيناً ثم ورشة المرمة. وتكون هذا الفصل في سياق إحياء أدبي وسياسي أثمر عن نشاط حركة مؤتمر الخريجين في المدينة. وربما عاد إلى أيام ندوة الشيخ الطيب السرّاج بها التي أمها شيوخ الخريجين بالمدينة وشبابها. فقد طلب أحمد مجذوب في 1945 من أسرة الدار أن تأذن له بتدريس أعضائها اللغة العربية وآدابها لحصتين في الأسبوع. وكان يدرسهم النحو مستنداً على آيات القرآن الكريم وأبيات من شعر العرب من حكم المتنبي وابن تمام، ويطلعهم على مقالات من نثر العربية انتخبه لهم. وعلمهم الخطابة التي ستعين اكثرهم حين أصبح من قادة الحركة النقابية. وامتدت دروس أحمد المجذوب حتى سبتمبر 1946.
كان لفصل أحمد مجذوب حصة في مساء موت الحداد. وتأجلت لغياب أكثرهم عنها. وكان ممن حضروا أربعة هم حسن حمد مسمار، ومحمد عبد الرحمن الملك، واسماعيل بشار، وعلى محمد بشير. وكان الحادث أرخى بظله الحزين على جلستهم. وجاء زميلهم في الفصل صادق عثمان متأخراً وصاح قبل أن يجلس معهم: "يا أخوانا إحنا باكر لازم نكسر الورش". ودار نقاش أعقل بعد ذلك حول ما ينبغي لهم عمله. فأقترح على محمد بشير أن يرفع العمال شكوى لمدير السكة الحديد. وكان التفكير في ذلك ممكناً لأن نشاط مؤتمر الخريجين قد بث وعياً بالحقوق وإرادة السودانيين. وانصرف رفاق الفصل من النادي وبقي صادق الذي تداول الأمر مع الفاضل آدم، ومحي الدين زمراوي، ومحمد على الكنزي ممن جاءوا من بعد. واتفق الرأي بينهم أن ترفع المذكرة للمدير لجنة ممثلة لكل الورش. واتفقوا بأنهم بحاجة إلى شخص متقدم في الوظيفة والعمر لييسر للجنة الحديث مع المسؤولين. ففاضلوا بين السيد سليمان موسي والسيد عوض هلال وكلاهما كومندة بورشته. ووافق سليمان موسى (كومندة الحملة الميكانيكية) وزار الدار في مساء اليوم التالي. فلما عرضوا عليه أن يجلس على كرس وثير تأبى وتواضع واختار مقعداً من سائر الكراسي. وتحرك صادق وبعض زملائه في الورش واختاروا لجنة من 13 شخصاً وفيها سليمان موسى. وتكونت من الزين مرحوم (المرمة)، أحمد حسن خطاب (القيزنجية)، عاصم الصافي (العمرة)، محمد أحمد حمد (النحاسين)، قسم الله صباح الخير (المخارط)، عبد القادر سالم (العمليات)، محمد عبيدي بردويل (البرادين)، محمد الحسن خلف الله (الحدادين)، الطيب حسن (المسبك)، عبد الدائم فضل (العربات)، سيد أحمد الصاوي (النجارين)، محمد محجوب عبد الله (الكهرباء).
واجتمعت اللجنة مساء 27-4-1946 بالدار. وترأس الاجتماع صادق بسند من زمراوي والفاضل. وتوزع الاجتماع المسئوليات. فكانت الرئاسة لسليمان موسي فتنحى له الصادق وأجلسه على منصة الرئاسة. واتفق المجتمعون على كتابة مذكرة لإدارة السكة الحديد تخطرهم بقيامها وتطلب موعداً للاجتماع بها. واتفقت أيضاً على تنوير العمال بقيامها وأن تشاورهم في الاسم والاشتراكات. وبعد نهاية الاجتماع جلس زملاء مدرسة أحمد مجذوب بمكتبة الدار لصياغة وقائع الاجتماع. كان الصادق يملي وعلي محمد بشير يكتب بخط جميل. وصنعوا من الخطاب صورة أخرى للحفظ.
استقبل العمال اللجنة بترحاب. فهي القوة المعادلة لقوة الإدارة وشرائح العمال العليا التي أرهبت الآخرين. وفي اجتماعها الثاني سمت الجماعة نفسها هيئة شؤون العمال وقررت الاشتراك عبارة عن 25 مليماً إلى 50 مليماً في الشهر. ومن الطريف أن حزب العمال البريطاني علم بتكوين اللجنة، وطلب من مراسل صحفي عمالي أن ينزل بالخرطوم وهو في طريقه إلى جنوب افريقيا ليتحرى الأمر. وجاء الصحفي إلى عطبرة والتقى بعبيدي بردويل السكرتير وواصل رحلته. ثم سقطت طائرته في طريقه للندن ومات التحقيق معه. ونقل مستر وولف ملاحظ ورشة البرادين الخبر لعبيدي قائلاً: "ما فيش بخت."
ما الذي توصلت إليه هيئة شؤون العمال بخصوص الحداد الذي لقي حتفه؟ احيلت القضية لسلطة المدينة فكونت لجنة من مفتش المركز ومامورها السوداني وغيرهم. وجاءوا لورشة المرمة لتمثيل الحادثة لهم. وقيل إن المامور ضخم الجثة قال سرعان ما اديرت الماكينة: "هوب" وأطلق ضحكة مجلجلة. وعرف الناس فحوى ذلك لاحقاً حين نسب الغلط للعامل المرحوم وعوضوا أسرته مبلغ عشرين جنيه. واستاء العمال وسخروا من هيئتهم الصامتة. وسموها "هيئة شئون الألعاب" يكتبونها بالطباشير في أنحاء الورش.
وسارت هيئة النقابة سيرتها المعروفة لتحظى بالاعتراف من الحكومة في 1947 بعد مواقف مستميتة من العمال.
نقلت للقارئ هذا الخبر عن خميرة أول نقابة للعمال في البلاد من كتاب عن تاريخ الحركة النقابية لعلى محمد بشير. وسيرى القارئ غياب من اشتهروا بيننا من نقابيّ عطبرة من مشهد البذرة الأولى للنقابة. فلن تجد قاسماً ولا الشفيع ولا الحاج. وحدث هذا كله متزامناً مع سفرة أستاذنا عبد الخالق محجوب يطلب التعليم الجامعي في مصر في 1946. ولا يطعن هذا مقدار نملة في مساهمة الشيوعيين الغراء في بناء نقابة عمال السكة حديد. بل لن نفهم دورهم على وجهه الصحيح بغير نظر في دور فصل أحمد مجذوب التربوي في بذر البذرة الأولى للنقابة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.