كتب الدكتور صديق الزيلعي تعقيباً على مقالي " مصرع الحداد ميرغني فرج بورشة العمرة (22 إبريل 1946): 74 عاماً على مولد النقابة في حياتنا". وتجدني ممتناً لما أسبغه عليّ من صفات عن متانة مباحثي ووسعها. غير أن عنوانه كئيب: "عبد الله علي إبراهيم: كبوة جواد أصيل" لأنه افترض عثوره على الصاح في المسألة في حين وجدني متلبساً بالكبوة. وسيرى القارئ في تعقيبي هذا أنه لم يمتلك الحقيقة كما زعم. وأخطأ. ولهذا يدير أهل العلم حوارهم لا ب"قوت يوgotcha " بل بأريحية خد وهات. 

جئت في مقالي الذي علق عليه الزيلعي برواية عن علي محمد بشير، الزعيم النقابي والعضو البرلماني عن الوطني الاتحادي في 1965، عن بذرة نقابة عمال السكة حديد في 23 إبريل 1946. وكان بذر تلك البذرة لفيف من العمال أغضبهم مصرع الحداد ميرغني فرج الله أثناء العمل مهملاً من إدارة الورش لم تتحسب بالإسعاف المعجل. وكانت هذه الجماعة قوام فصل لتعليم اللغة العربية درّسه أحمد مجذوب الموظف بالسكة الحديد تطوعاً باقتراح منه لدار خريجي الصنائع (أي مدرسة الصنائع التابعة للسكة حديد). وانتهت هذه الجماعة من احتجاجها إلى تكوين لجنة تمهيدية تضغط على إدارة السكة حديد في مسألة السلامة العمالية وقضايا العمال الأخرى. وقلت في خاتمة كلمتي أن أياً ممن نعرف من قادة الحركة النقابية الشيوعيين (قاسم امين، الشفيع أحمد الشيخ، الحاج عبد الرحمن). لم يكونوا في هذه المشهد الباكر للنقابة الجنين.
وأخذ الزيلعي على روايتي أنها نشاز لم ترد في أي من الكتب في قائمة أحصاها عددا عن تاريخ نقابة عمال السكة حديد. فهذه المراجع في قوله لا تدعم رواية علي محمد بشير، ولا الدور الذي أعطاه لنفسه خلال تلك الفترة الباكرة من نشأة نقابة عطبرة. وسنتناول أولاً حجة الزيلعي في صدقية الرواية ثم نتطرق لتكذيبه لعلي محمد بشير في زعمه دوراً في النقابة في طورها الباكر لا نصيب له منه.
ولكن•خلافاً لقول الزيلعي وردت صورة من رواية علي محمد بشير في كتاب الطيب حسن “مذكرات عن الحركة النقابية" (1989) (لا "مذكرات الحركة النقابية" كما جاء عند الزيلعي)، الموصوف عنده بأفضل "وأكثر الكتب دقة في عرض كيفية انشاء هيئة شئون العمال (قبل أن تصبح نقابة عمال السكة الحديد). فما جاء به الطيب يراوح عند رواية علي محمد بشير ويكاد يتطابق. فبعد عرض الطيب لتحركات عمالية في 1938 قال بما ماثل قول علي محمد بشير في عمومه. فقال:
"في إحدى حلقات النقاش والتي تضم الإخوان بابكر عبد الله (عم المرحوم عبد الله أحمد عبد الله)، وصادق عثمان، ومحد صالح كرار (مرشح الميثاق الإسلامي في 1965 لاحقاً)، وأنور إبراهيم، وعلي طه، ومحي الدين زمراوي (مراسل جريدة الصراحة من عطبرة لاحقاً) تقدم الأخ محمد علي الكنزي (جارنا في حلة التمرجية) ومحي الدين زمراوي، والفاضل آدم جبّال باقتراح وهو لماذا لا نكون لجنة لتكون لنا حلقة اتصال بمدير الورش ترعى مصالحنا، وتريحنا من العذاب، وتوفر علينا الشكاوى، وتوقف عنا الظلم. وقد سبق لهم أن ناقشوا هذا الاقتراح داخل الورش وأصروا على تقديمه للجنة الدار (دار خريجي الصنائع)".
لم يذكر الطيب في كتابه مقتل الحداد ميرغني فرج الله ولا الفصل الذي درسه محمد المجذوب متطوعاً. ولكنه ذكر أعضاء الحلقة التي لم يسمها وكثيرهم مطابق للأسماء التي قال علي محمد بشير إنها كانت طلاباً لمحمد مجذوب في نادي خريجي الصنائع. وهي المجموعة التي تداولت في ما بينها في 23 إبريل 1946 قيام جمعية ترعي مصالح العمال. فأحصى علي محمد بشير ضمن رواد تلك المداولة أسماء وردت في رواية الطيب: محي الدين زمراوي، صادق عثمان، محمد علي الكنزي، الفاضل آدم. وجاء بأسماء أخرى. واختلاف الروايات عن واقعة انبذار النقابة بين ما ذكره كتاب الطيب، الذي زعم الزيلعي أنه خلا من رواية علي محمد بشير، وما ذكره علي محمد بشير مما لا يفسد حقيقة أنهما ذاكرة لواقعة وقعت كذبها الزيلعي جزافاً.
وسترى أيها القارئ أن ليس بين من ذكر الطيب أو علي محمد بشير شيوعي من نجوم الحركة النقابية لاحقاً. بل لم يكن أحد منهم في اللجنة التمهيدية التي نشأت في أعقاب بذرة 23 إبريل. فتلقف العمال الاقتراح الذي خرج من حلقة الطيب أو فصل محمد مجذوب، ونُسب إلى دار خريجي الصنائع، وكونوا لجنة تمهيدية جاء الطيب بأسماء مكتبها على صفحة 8 من كتابه برئاسة بشرى عدلان وسكرتارية بابكر عبد الله وسبعة آخرين فيهم محي الدين زمراوي من حلقة الطيب وفصل علي محمد بشير. فلا قاسما بلغت ولا شفيعا. فالطيب الذي جا به الزيلعي لينفي رواية علي محمد بشير لم يكن عند توقعه. طابق رواية علي محمد بشير مرة وراوح حولها مرات.
لا أدري لماذا صرف الزيلعي رواية علي محمد بشير كادعاء من الرجل ولم يذهب فيها مذاهب أخرى. فلم ينسب علي محمد بشير لنفسه دوراً نقابياً في روايته في تلك الفترة سوى أنه اقترح على زملائه في الفصل تكوين لجنة تقوم بأمرهم في وجه حماسة زميل آخر نادى بهدم الورش احتجاجاً على مصرع زميلهم. وهو الاقتراح الذي نسبه الطيب لمحمد الكنزي. ولا مشاحة. فلم يزعم علي محمد بشير مثلاً أنه كان في اللجنة التمهيدية التي جئنا بأسمائها، أو في أي دور قيادي حتى جاء دوره في زمانه ومكانه. وأبدع.
لم آت بحقيقة أن الشيوعيين لم يكونوا في طور النقابة الجنيني غضاً من شأنهم. وكان صدقي كبلو سألني عن حقيقة قولي الذي خالف مبلغ علمه عن دور الشيوعيين في النقابة. وقلت له إنني أردت بذلك توطين الحزب الشيوعي في الجذرية (الراديكالية) السياسة الوطنية التي أخذت بمجامع أفئدة السودانيين خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. أردت للحزب أن يخرج من ثنايا تلك الجذرية لا أن يَصْدق فيه أنه وحي من موسكو. وهذ عقيدة خصوم له وغير خصوم. بل لربما كانت عقيدة شيوعيين حاقين الاسم. فلما تهافت الاتحاد السوفيتي وجدت منهم من أعلن بطلان الماركسية في أقصى الأرض وسلم الراية. فقلت لهم إن هذه الراية لم تسقط إلا في حالة واحدة وهي أنكم كنتم منذ النشأة الباكرة عملاء للسوفييت إذا زكمت الاتحاد السوفيتي العظيم عطستم. فمن كان عميلاً للسوفيات فإنه قد هلك ومن كان سيد نفسه فالماركسية مشعة وباقية.
وكان لهذه الجذرية الوطنية وجوه كثيرة. فحتى فصل محمد المجذوب الذي تقدم كان بعض خطة فرع مؤتمر الخريجين بعطبرة لبناء الجسور مع العمال الذين بدأوا بالضجيج الكتوم وغير الكتوم بمطالبهم. وكان الخريجون بالمدينة وضعوا أيضاً خدماتهم تحت تصرف النقابة كما جاء في مذكرات السفير عباس العبيد أيام كان موظفاً بالسكة الحديد. وخرج علي محمد بشير والملك عبد الرحمن وهاشم السعيد وربما غيرهما من جذرية المؤتمر إلى الحزب الشيوعي. ومن وجوه هذه الجذرية إضراب مزارعي الجزيرة في 1946 الذي وقف مؤتمر الخريجين والحزب الجمهوري، في طوره الحركي الناشطي، بجانبه بقوة. وخرج لنا الجنيد علي عمر من الحزب الجمهوري شيوعياً قيادياً من الدرجة الأولى. وخرجت قيادات المزارعين في الجزيرة (الأمين محمد الأمين، يوسف أحمد المصطفى، وأحمد علي الحاج وغيرهم) من خبرة ذلك الإضراب الذي عاشوه شباباً مردا. واقبلوا على الحزب بخاطر طايب لما اقتربنا منهم في بداية الخمسينات يوم بعثنا بحسن سلامة ثم كامل محجوب متفرغين لبناء الحزب وحركة المزارعين معاً في الجزيرة. ناهيك من أولئك الذين أخذتهم هذه الجذرية من الحركة الاتحادية من أمثال حسن سلامة وحسن الطاهر زروق للانضمام للحزب الشيوعي.
باختصار كانت كلمتي عن فصل المجذوب برواية علي محمد بشير مبحثاً عن الشعيرات الدقيقة التي دفقت دمها في الحزب الشيوعي من فيض الجذرية الوطنية السياسية التي أخذت بمجامع الوطن. وأردت أن أجيب بمثل هذا المبحث إن كان بوسع الحزب أن يكون غير الحزب الشيوعي المعلوم في وجه من عادوا بآخرة وقالوا إنه خطأ تاريخي. فقالوا إنه كان سيكون، لولا ركوب الراس، حزباً "مبلوعا" للناس على صورة ما أراده له عوض عبد الرازق في الصراع الذي دار بينه وبين أستاذنا عبد الخالق محجوب من 1949 إلى 1952. ومتى وقفنا على ديناميكية الجذرية الوطنية السياسة خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها تصالحنا مع فكرة أن الحزب الشيوعي كان ضربة لازب. كان حقيقة أزف وقتها.

علي محمد بشير موسى ( -2009) النقابي الذي خرج على الحزب الشيوعي في منتصف الخمسينات. وكون تياراً منافساً للشيوعيين وغيرهم. وكان رئيساً لنقابة عمال السكة حديد بعد عودتها للشرعية في 1961. ووقع فصله. فعمل مدرباً بالتدريب المهني. وفاز عن الوطني الاتحادي (الأزهري) في مدينة عطبرة في انتخابات 1965. وعاد للسكة الحديد إدارياً بخدمات السكة حديد. وكتب "تاريخ نقابة عمال السكة الحديد والحركة النقابية في السودان 1906-1961"


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.