حين قرأت للمرة "نون" محنة الدكتور فاروق أحمد إبراهيم في بيوت الأشباح التي دخلها بتهمة تدريس نظرية دارون قلت: ما أضيع المحن عندنا. ظللت أقرأ محنة فاروق. وكلما علقت عليها في كتاباتي قلت في نفسي إننا ربما رخّصنا بمحنة الرجل طالما اقتصرت على الحكي. فلم ندرمجها في مسرح أو فيلم من نوع ما. وبين صفوفنا من يحسن الصناعتين.
يقال أن بلاغة المحنة ونفاذها إلى شغاف الناس في إعطاء وجه بشري لها (to put a human a face to a cause). وليس مثل الدرمجة إلى ذلك سبيلا. فلم نتربص طوال ثلاثين عاماً من المعارضة لعنف الإنقاذ بالإبداع الدرامي من وجوهه جميعاً. واكتفينا بالنثر والشعر هجاء لها وبالدعاء عليها.
تجرؤ أقلام الثورة المضادة على الحكومة الانتقالية بإشارات بلهاء إلى صفوف الرغيف القائمة عندنا مثلاً. وستربح هذه الأقلام متى ذكرها مناصر للانتقالية بصفوف الرغيف في عهد دولتهم المبادة. فلن تزد هذه "المكاواة" من جعل الإنقاذ سيئة في مصاف حكومتنا الانتقالية. درون. ولم يكن لتقع مثل هذه المقارنة البلهاء لو تنزلنا بفظاعات الإنقاذ إلى وجدان الناس. كانت انتهاكاته لحرمة الفكر والجسد لثلاثة عقود سياسات للاستنكار وليست نذالة تقشعر لها النفس و"تقلب البطن" من هولها. فطالما كانت نذالتهم سياسية فهي عمل بشري قبيح ولكنه مأذون. ولن نخرجهم من البشرية إلى درك التوحش إلا حين يتشربها الوجدان السوداني كمباذل أخلاقية مقززة.
راعني خلو قنوات تلفزيونية محسوبة على الثورة من أعمال تدرمج توحش الإنقاذ من فوق نصوص حسنة التوثيق وبإنتاج لا يخطئ إصابة شغاف الناس. وبدا لي أن خدمة هذه الأجهزة للثورة قاصرة على تدبيج الأغاني الثورية قديماً وحديثاً. لم تقع عيني على توثيق ذكي مثلاً لبيوت الأشباح التي يبدو أنها سقطت بالتقادم. واسمع ذكرها في تبكيت الإنقاذيين عبارة مرسلة لا وتد إبداعي لها في الأفئدة، ولا زبد روحي لها بالإبداع بين الناس.
قال طالب مرة سألته صحفية عن ثورة أكتوبر في عيد لها تحت دولة الإنقاذ فقال: "يبدو من غنائها أنها كانت ثورة جميلة". أخشى أن يحول الزمن ويقول مثله عن ثورة ديسمبر إن أغانيها توحي بأنها كانت ثورة جميلة. وسيحيق هذا بها لو لم نتدارك الأمر بالتوثيق والتوثيق الدرامي لعصر الإنقاذ البغيض الطويل.

ملحق:
نصوص سيناريوهات التوثيق الإبداعي الذي نوهت به واجدة. وأنقل أدناه رسالة على الانترنت وجهها عزام حسن فرح إلى من اسمها ميادة التي شككت في حقيقة بيوت الأشباح أو هونت منها. فكتب لها من تجربته هو فيها ما أراد له أن يردها عن غيها.

ميادة
مسكاقمي

نِحنا مجموعة مِن بشر الخرطوم بحري، كُنا بنتلاقى في مرات في مكاتب الأمن (قرب مَوقِف شندي) كانو بجلِدونا وبضربونا ضرب غرائِب الأبل. مِن شِده الألم كان بعضِنا يبكي والبعض يصرُخ والبعض يتبَول على نفسِهِ. كان البعض بعترِف بِتُهم ما عارِف عنها حاجة بتاتًا. ما عِندنا دليل واحِد على الحصل لينا. علشان كِده تعاهدنا أن نجعل الأمر شخصي جِد. بتصدِقي يا ميادة إننا كُنا ولازلنا خجلانين مِن روحنا، خجلانين مِن إنا كُنا نبكي ونصرُخ ونتبَول على أنفُسِنا، خجلانين مِن النعوت التي كان يطلِقُها علَينا هؤلاء السادِيين، عِندما نبكي ونصرُخ ونتبَول على أنفُسِنا. لَيس لدَينا دليل واحِد على الحصل لينا. حورِبنا في أرزاقِنا بِالرغم مِن أن معظمِنا لم يكُن بِالخِدمة المدنِية والله ثُم والله، هذا قسمٌ أُسئل علَيهِ يَوم القِيامة يا ميادة، كان يأخُذونني مِن غُرفة نَومي، وأُضرب أمام زوجاتي وأطفالي. قد تعْتقِدين إني كُنت حينُها أوزع مناشير، أو أقود مُظاهرات، أو أفجِر منشآت، أو حتى مُنتمي إلى المُعارضة. بدأ الأمر من اعتراضي على حِصتي (وقية في الأسبوع) بَينما جاري الوزير (حي المغترِبين بحري) كان سُكر كِنانة يأتيه أمام أعيُنِنا بِشوالات. بدأ الأمر هكذا. لم نجِد في بيوت الأشباح منتمي لِمُعارضة أو مطلوب خطير. كُنا كُلِنا عم عبد الرحيم.

لما جعلنا الأمر شخصي جداً خفف ذلِك كتير على الوضع التعذيبي فيما بعد. كُنا عِندما نخرُج ونُعالِج جروحِنا الجسدِية والنفسِية، نجتمِع ونبحث ونتحرى عن مُعذِبينا. ثُم نُطبِق فيه/فيهُم كُل الذي جرى لنا على أيديهم في بيت الأشباح. تبَين لنا أنهُم أشباه رُجال. نشرنا هذا الأمر أن أجعلوا أيها المُعذبين الأمر شخصي جِدًا. لكِ أن تُصدِقي أو لا تُصدِقي ... لا بأس ... فقط ... لا تتسلي بِعذابات الرِجال ومِحن النِساء ودميعات أطفالنا.

إن وجود بيوت أشباح اعترف بِها رأس النِظام بِنفْسِهِ عِندما أعلن على الملأ ألا بيوت أشباح بعد هذا.. أن تكوني مؤتمر وطني فهذا طبيعي وخِيارُك. بس أن تُكذِبي مظلومي النِظام هذا هو الغير طبيعي ومُش مِن حقكِ. أخاف علَيك كما أخاف على أخواتي. فإن قلمك سَيف وعِند انبلاج الصُبح، الذي هو آت ولو بعد سنين عددا، سيُحاسب كُل صاحِب سَيف وقلم. أخاف عليك فأنت لا تسْتحِقين ذلِك.
إذا قُلت : ضُرِبت
تقولي : إنك تكذِب
في اعتقادك يا ميادة ماذا يكون مَوقِفي مِنك؟

ما ينقص هذا السيناريو إلا أن ندخل به الاستوديو لإنتاجه. ومثله كثير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.