نضح الإعلان السياسي الموقع في أديس أبابا بين الحزب الشيوعي والحركة الشعبية ب"الكآبة السياسية"، التي كانت موضوع حديثي ليوم أمس، بوجوه عديدة. فالحزب الشيوعي "ضهب" عليه واقعه المتعين منذ ملص الماركسية خلال ما عرف بالمناقشة العامة في التسعينات إلا تجملاً. ولم يبق له من تحليل الطبقات في مجتمعه سوى التمطق ب"البرجوازية الطفيلية" أثيرة زعيمه الخطيب. والصفة أي البرجوازية الطفيلية، من فرط حمولتها الأخلاقية، أشبه برمي الجمرات على شيطان رجيم منها بالإحاطة بكامل حيثيات التشكيل الاجتماعي تحت نظام لم يُسبق إلى زلزلة حياة المدينة والريف من فوق موارد استثنائية لتمكين القوى التي من ورائه. فلم يزد الشيوعي في تحليله من قوله إنه نظام للكيزان فاسق الأخلاق صبأ عن الإسلام نفسه. واقتصر الحزب بمثل هذا النظر على ما يعرف بالتحليل الثقافي دون النفاذ إلى أساس المجتمع المادي. 

وكنت أخـذت عليه تحليله لانقلاب ١٩٨٩ بأنه انقلاب كيزان في حين كانت عقيدته الأولى التي نازع فيها انقلاب مايو أنه انقلاب للبرجوازية الصغيرة. فقد كان الحزب انتهى إلى أن الانقلاب، أي انقلاب، هو تكتيك البرجوازية الصغيرة فيما يسميه الثورة الوطنية الديمقراطية. وما وقع انقلاب ١٩٨٩ حتى امتنع الحزب أن يرده إلى البرجوازية الصغيرة (أو أي طبقة أو فئة اجتماعية أخرى) وجنح إلى وصفه ثقافياً بأنه انقلاب الكيزان أو المتأسلمين أو الظلاميين إلخ. وأخذت عليه نفس المأخذ في تحليله للأزمة في دارفور في كتاب لسليمان حامد عضو مكتبه السياسي. فلم ير فيها سوى صراع زرقة وعرب مسايرة للمزاج المعارض العام وغاب عنه تحليل أساس المحنة المادي وهو علاقات الأرض المتمثلة في الحاكورة في ظرف سميته "صدأ الريف" في موضع آخر. وهو ظرف شديد التفجير لأنه بورة اجتماع الأزمة الإيكولوجية، وتوقف التنمية، ووفرة السلاح الناري من سقط حروب ليبيا في تشاد، واستثمار الإنقاذ في أطراف في الولاية ضد أطراف لتمكن لنفسها بتطفل مكلف على أعراف الحاكورة. وقلت في كتابي "أصيل الماركسية: المقاومة والنهضة في ممارسة الحزب الشيوعي" إنه لما جاء الوقت لينتفع الناس من الماركسية كأفضل أداة لتحليل القاعدة المادية للنزاع "همّلها" الشيوعيون وأخذتهم العزة بالتحليل الثقافي. وسرعان ما اتضحت محدودية هذا التحليل حين تصارع العرب فيما بينهم صراعاً أعنف من صراعهم مع الزرقة وأسفك للدم. فلن تجد في مفاوضات السلام أو مطالبه اليوم دعوة لمفوضية للزرقة والعرب بل تجد مفوضية للحواكير أس النزاع.
وركبت الكآبة اليسارية الحركة الشعبية من جهة النضال لأمس أفضل لا لغد أفضل. ورمى بها في هذا انكفاؤها على تجربة لها غير سعيدة بعد اتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥ التي عادت منها بخفي حنين. وفّصّل هارون كافي في كتاب له مضاضة كثيرين من النوبة من جحود الاتفاقية حقهم الـذي لم يدخروا وسعاً أو تضحية لنيله. فاخترعت لهم هيلدا جونسون، عضو لجنة التفاوض في نيفاشا عن دولة النرويج، ما عرف ب"المشورة الشعبية" لتخرج العقيد جون قرنق من حرجه مع النوبة وهو يصطلح مع حكومة الإنقاذ على حق الجنوب في تقرير المصير وفي رفع التشريعات الإسلامية عنه خلال الفترة الانتقالية دون جبال النوبة. وربما كانت مرارة أمس نيفاشا هي من وراء تمسك الحركة الشعبية بالعلمانية بتركيز على إلغاء كافة التشريعات الإسلامية أو تقرير المصير. وساقت عزيمة الحركة استرداد أمس لم تجف مرارته بعد إلى واحدة من أنكى مظاهر الكآبة اليسارية وهو الاستهانة بالتحالفات. فالحركة في البادي لم تكتشف جديداً سياسياً في قوى يومها وهي قوى الحرية والتغيير لتعقد تحالفات معها كزملاء لا خصماء كما انتظرت الحكومة الانتقالية. فاليساري المصاب بهذه الكآبة يكاد لا يرى القوى التي تستجد على ميدان الصراع السياسي. فمتي جلس ليتفاوض حول مطلبه الآن لم ير غير الخرطوم-المركز لا فرق إن جلس إلي الإنقاذ أو قحت. فكله عند الحركة الشعبية صابون. وأقول عرضاً ٌإن لحركة الشعبية ورثت هـذا الاستثمار في الأمس لا الغد من الحركة الأم في الجنوب. فقرنق لم يتصالح مطلقاً مع اتفاقية القوميين الجنوبيين في ١٩٧٢ مع نظام نميري. وظل يقول إنها "غشة". ولم يكذبه نميري حين فرتق حافل الاتفاقية من طرف واحد متحالفاً مع جوزيف لاقو والاستوائيين. وقد تفسر هـذه الحسكنة من الأمس بعض ما أخذه عليه لام أكول من أنه مفاوض عصيب. وما أخذت عليه أنا من أنه حليف عصيب وغير مأمون.
أردت بهذه لكلمة بيان وجوه إصابة كل من الحزب الشيوعي والحركة الشعبية بعلة الكآبة اليسارية قبل أن ننفذ إلى إعلانهم المشترك في أديس أبابا لنرى ما نضح من هـذه الكآبة عليه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.