يعيد هذ اليوم علينا ذكرى حزينة. ففيه قبل اثنين وستين عاماً خرج جيش السودان على الضبط والربط. فخرق قانونه هو نفسه بارتكاب التمرد على الدستور الذي علقنا حمايته على عنقه. ولم تعرف بلادنا سوى حكم الديش لأربعة وستين عاماً منذ استقلالنا إلا لماما.

ومع أننا لم نعرف من الحكم غير حكم الديش إلا أننا، للأسف، لم نحسن بعد تحليل الأداة، الانقلاب، التي يبطل بها الجيش شغله ويتطفل على الحكم (لا السياسة). فانتهينا إلى فقه للانقلاب راجت فيه نظرية تقول بأن الانقلاب هو ما يوحي به السياسيون المدنيون للجيش. وووجدوا بذرة هذه العقيدة في أول انقلاب، انقلاب الفريق عبود، الذي بدا في ظاهره أمر من عبد الله خليل، رئيس الوزراء ووزير الدفاع وسكرتير حزب الأمة، للجيش للاستيلاء على الحكم، فذاع عنه أنه "تسليم وتسلم". وبدا الجيش في مثل هذا التحليل خلواً من"جرثومة" الانقلاب حتى وسوس له بها مدني كائد للمدنيين. وأشاعت هذه النظرية صفوة النادي السياسي في تجاحدهم، ولومهم ولومهم المضاد، أي في تلاومهم عمن أساء سياسة البلاد وجر الجيش، المبرأ من السياسة وشاغل الحكم، لنصرته في مغامرته الإيدلوجية ليحكم.

ومن أفدح ما ترتب على هذا التبسيط التاريخي أن راجت فكرة أن الانقلاب هو ما نجنيه على أنفسنا بإفسادنا الديمقراطية لمسارعة فرق الصفوة المدنية إلى الجيش يستعين به واحدها على الآخر. وأفرزت هذه الذائعة نظراً للجيش كلوح خال من السياسة حتى يأتي السياسيون بنقشهم عليه. وكنت تصديت لنظرية خلو الجيش من السياسة في كتابي ". . . ومنصور خالد" (2018) وجئت بطائفة من الشواغل المهنية للجيش عند الاستقلال عرضها ضباطُه للصحفي جعفر حامد البشير، صاحب ديوان "حرية وجمال" الثورى، في كتابه "السودان في القرية والمدينة" (؟) (٢٠١١).

وبدا من تلك المطالب أن الحكومة الوطنية ربما ظلمت الجيش أو تجاهلته في قسمة السلطان وتركة الإنجليز. فروى الأستاذ جعفر حامد البشير طرفاً من هذا الصراع الملكي الجهادي. وكانت لجعفر علاقة باللواء أحمد عبد الوهاب، الرجل الثاني في انقلاب عبود في 1958، منذ الأربعينات ببندر الدامر ثم الخرطوم. وقد وصفه بأنه ممن يستمتع بالحوار ويشارك فيه متى انعقد المجلس. وقد تحدث جعفر إليه في الجنوب بعد أن أخمد اللواء "تمرد" 1955 الذي حظي منه بقصيدة مدح عصماء من عبد الله الطيب في "أصداء النيل" (1957). وشكا اللواء لجعفر انصراف الحكومة الوطنية عن العناية بوضع الجيش ومخصصاته، وتوفيق أوضاع ضباطه من حيث المرتب والسكن والمكاتب. وقال له إنهم يجدون أنفسهم في الكفة الخاسرة متى قارنوا أنفسهم بضباط الجيوش العربية الذين احتكوا بهم. وزاد قائلاً لجعفر إنهم سينقلون مظالمهم لمجلس السيادة والوزراء عن طريق وزير الدفاع. لكنهم بحاجة إلى دعم من الصحافة. وقد وقف جعفر، المحرر بجريدة "صوت السودان"، مع مطلب الضباط بمقالات كان اللواء قد زوده بنقاطها المهمة. وقد وجَدت اهتمام الحكومة وأسعدت الضباط وعلى رأسهم عبود. بل اتصل به عبود وشكره لأن الحكومة سرعان ما استجابت لهم.

زبدة الموضوع أن للجيش سياسة في شروط الخدمة والجاه والبروتكول والتسليح والتشوين لا ينتظر أن يمليها عليه سياسي ولو طالت عمامته. وكلمة اللواء عبد الوهاب عن حسهم بالهوان حين يقارنون أوضاعهم بمنزلة ضباط في جيوش مجاورة ربما عنى بها مصر التي سادها ضباط انقلاب يوليو 1952. ووجب أن نذكر هنا أن اللواء كان يتحدث عن هذا الأمر بعد اخماد انقلاب مصري الوحي والقدوة عُرف بانقلاب المرحوم كبيده. وكان ضمن انقلاب عبد الرحمن إسماعيل كبيدة ضباط كانت لهم أدوار انقلابية لاحقة بعد عودتهم من عقوبة الاستيداع التي أوقعت بهم جراء فشلهم: وهم جعفر نميري ومحمود حسيب وعوض أحمد خليفة.

وسنتناول في مقال قادم تظلم الفريق أحمد محمد أول قائد سوداني للجيش من الحكومة الوطنية الأولى تظلماً أدى به إلى الاستقالة. فخلفه الفريق عبود. وعينك لا ترى إلا ١٧ نوفمبر ١٩٥٨.