(لا أعرف أن كانت جامعة الخرطوم قد سببت لقرارها بالاستغناء عن خدمة السيد عبد الرحمن الخليفة المحامي. وبدا أنني سبقتهم منذ ٢٠١٢ إلى الطعن في خلقيته المهنية التي تزكيه لأي منصب قانوني أو تربوي. فوجدته في بدء انطلاق ثورة ديسمبر يظاهر الإنقاذ وهي تعنف مع شباب هم طلابه ويجيز لها قتلهم عن بكرة أبيهم. وكان هذا خذلاني الثاني في قامة الخليفة المهنية بعد يوم "دقة المحامين الديمقراطيين" كما سيرد في المقال. وما دعاني للوقوف عند حفاظه على شرف إلا حسن ظن به وقد قرأت له رسالة للدكتوراه مميزة كشف عن سفه الإنجليز وهم يشرعون لشعب كثيره مسلم. وكتبت كلمتي في سوءة إطلاق لسانه بحق شباب الثوار غاضباً جداً وسأحرر غلظتها في طبعة المقال الثانية هذه التي أردت بها تثبيت مبدأ أن المهنية عهد مسؤول)
قرأت كلمة للدكتور المحامي عبد الرحمن الخليفة، نقيب المحامين السابق، غاية في التبذل المهني. سمى فيها الثورة القائمة ب"خروج مرفوض". فقد انتهت اختناقات الخبز والوقود في قوله لتنتفي الحاجة إلى تجمع أم درمان يوم أربعاء ما. فلما انتفى الغرض صار الموكب محض استغلال سياسي مختطف "بواسطة محترفي السياسة لتقويض سلطة الدولة". وعزف الخليفة كغيره على نغمة الأيدي الأجنبية التي تحرك التظاهرات. فالتظاهرات القائمة عنده جزء من المشروع الأمريكي لنشر "الفوضى الخلاقة" في المنطقة تتولاها عنه "سفارات أجنبية معلومة".
ومن رأي الخليفة أنه طالما قصدت التظاهرات تقويض النظام فهي ضد القانون. وعليه فقتل المتظاهر حق قانوني للدولة. وهذا فقه مهني قانوني أخرق لمن كان في سدة نقابة المحاماة يوما. ووجدت الكلمة بائسة مهنياً لأنك لا تحتاج أن تكون قانونياً لتصرح بها. سبقه إليها الشرطي والأمني والزلنطحي. بل كذب. فقال إن شرط قانونية التظاهرة أخذ الإذن من الحكومة وسلميتها. وهو يعرف كجوع بطنه أنه لا تأذن حكومته بمظاهرة. ستين أبدين. فهذا تجميل للنظام غير خليق بمن في تأهيله وأعراف المهنة التي على عاتقه.
ليست هذه مرتي الأولى التي أرثي فيها لمهنية الخليفة. فقد كتبت احتج عليه اقتحام الأمن دار نقابة المحامين خلال نقابته على المحاماة في أغسطس 2012 والاعتداء الفظ على مناسبة الفطور الجماعي لتجمع المحامين الديمقراطيين بها. وقلت في كلمتي عن الواقعة إنه لو صح أن ذلك الهجوم الأمني تم بترتيب أو علم الخليفة لوجب على القانونيين في الخارج بالذات ملاحقته في عقر دار المهنة وأعرافها. فيطلبون من الجامعات الغربية التي تخرج فيها تجريده من الرتبة وإبلاغ المراكز القانونية التي قد تستشيره أو تستضيفه أو ما شئت أن تمتنع عن ذلك على بينة استهتاره بقيم المهنة وفتح دار المحامين لعلوج الأمن.
أعرج هنا على أمر أكثرت الإشارة إليه وهو ألا ننشغل برموز النظام السياسية والأمنية دون رموزه المهنية. وهم عندي أخطر لأنهم تولوا عنه تجريد المهنيين والعاملين من أدواتهم التاريخية التي توسلوا بها لتأمين مهنتهم ومصالحهم (نقابة واتحاد) وردفها بعجلة الحكومة. فعلها دكتور غندور. وفعلها المهندس يوسف عبد الكريم. وفعلها الرزيقي. وفعلها الخليفة. وغيرهم مئات عبر السنين. باعوا أمانة مهنهم رخيصة لولائهم لعقيدتهم السياسية. فركبوا على النقابات مدججين بقوانين صادرت حق التعبير والتنظيم من كل أحد غيرهم. فلا غناء للنضال السياسي عن النضال في جبهة المهنة لاسترداد نقاباتها وجمعياتها وأعراف المهنة التي فرط فيها الإنقاذيون.
(تركت فقرة من المقال الأصلي خشية التطويل)
وبينما أكتب هذه الكلمة الغليظة بحقك يا الخليفة يترامى لي عويل امرأة تطلب من الناس الوفود لمستشفى أم درمان للتبرع بالدم للجرحى الذين نضبت عروقهم من الدم المسفوح. ويبرق في هاتفي أسماء الشهداء والجرحى:
صالح عبد الوهاب يا رحمة الله عليه وصبر أهله وأسكنه جنانه الرحيبة
محمد الفاتح يا رحمة الله عليه
أبو القاسم بابكر جريح اللهم أشفه وعافه
محمد خالد جريح
بشير مصطفى بشير جريح
هاشم عثمان الشواني جريح
ملهم جريح
ياسر محمد علي جريح
ياسر محمد علي جريح
أنس مختار جريح
منذر الأزهري جريح
لقد سوغت للحكومة هذا الدم يا الخليفة ولن تمسح وزره عنك مياه البحر الأحمر لو اغتسلت بها. وستحمله شوكة في جنب مهنيتك إلى أن يوم تلقى ربك.
واختم بكلمة عن شهداء ثورة أكتوبر في مسرحيتي "القصر والنصر" "تصريح لمزارع من جودة" نظرت فيها إلى حاج الماحي. ففيها يقرأ مذيع أسماء شهداء أكتوبر واحداً بعد واحد. فيعقبه الكورس مردداً: "عدد الحصى عدد الحجر، عدد النبات عدد الشجر". وما أن يفرغ المذيع من قراءة كل الأسماء يختم الكورس المسرحية بمقطع من حاج الماحي:
بختم صلاتي تفوق ثم السلام مطبوق
كالطيب عبيقو يفوق عَدْ الزرع والسوق
ما قام غروب وشروق الطير قطا وغرنوق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.