لو لم يصدر كتاب "عبد الخالق محجوب: الوعي وأزهار القناديل" لحسن محمود الريح عن انقلاب ١٩ يوليو وذيوله لما افتقده أحد. فعاد بنا بلا حاجة إلى "يومية التحري" في دراسة الانقلاب. وهي التفتيش الممل عمن فعله بعد ٥٠ عاماً من وقوعه. وكنت قلت في كتابي "انقلاب ١٩ يوليو: من يومية التحري إلى رحاب التاريخ" إن فهم المسائل التي أثارها الانقلاب لن تقع لنا إلا إذا احلناه إلى رحاب التاريخ. ولم يخرج "الوعي وأزهار القناديل" بنا من يومية التحري إلى رحاب التاريخ. وزاد الأمر سوء لأنه حالة خاصة من الكتابة بإهمال.
فليس حتى هو مما نقول عنه الكتاب من عنوانه. فقارئ عنوان الكتاب يظن أن للكاتب رأياً حسناً في أستاذنا عبد الخالق محجوب كرجل حمل الوعي إلى الناس فأزهرت القناديل وسطهم. ولكن للكاتب رأي غير ما في العنوان. فعبد الخالق، ولو ملك الوعي كما يصفه الكاتب، فوعيه كاسد السوق. فلم يتحسب بوعيه الموصوف لانقلاب في قول الكاتب، خرج أنصاره القلة "أزهار القناديل أفتكر" بشعارات حمراء صارخة لتفتك بهم جموع شعب مسلم تقليدي تقوده طائفية إسلامية وصوفية متجذرة في نسيجه الاجتماعي. فمن القول المرسل اعتقاد الكاتب أن أستاذنا صاحب وعي معدي وعقيدته لا مكان لها من الإعراب في السودان وأزهاره سفهاء أحلام.
ومن الجانب الآخر، فالكاتب صريح الاعتقاد في أن عبد الخالق متآمر خائن أمانة. فلم يخطط للانقلاب حتى ساعة الصفر مع الضباط الشيوعيين فحسب بل أخفى ذلك عن مؤسسة الحزب. ولما قام الانقلاب استدعى هاشم العطا، قائد الانقلاب، إلى اجتماع لمركزية الحزب لتسأله عن تكتيكه الانقلابي الذي أربك حساباتهم في حضور عبد الخالق الذي خطط له أول مرة. فلو امتلك أستاذنا الشجاعة لكفى هاشم هذه المؤاخذة واعترف بجرمه. ومن جهة ثالثة، فعبد الخالق إما أهبل أو مخبر. ففي رواية جاء بها المؤلف قالت إنه "فت" كل شيء عن الانقلاب في لقائه مع نميري بعد اعتقاله. ف"عبد الخالق وضح كل شيء. تفاصيل التفاصيل وأسماء المشاركين . . . وبناء عليه في ناس كتار كانوا ما معتقلين تم اعتقالهم". ولا أعرف كيف يستقيم هذا مع موصوف بالوعي تراه يبيع أزهار قناديله في سوق محاكمات الشجرة
والكتاب كتابة بإهمال من وجهين. فالمؤلف غير معنى بالتحقق من المعلومات التي يأتي بها. فتتعايش الروايات عنده وإن شط بها الخلاف. فقال إن عبد الخالق توجه إلى بيته بأم درمان بعد تهريبه من معتقله في سلاح الذخيرة يحمله الشوق إلى زوجته وولديه. ولما بَلّ الشوق مضى ليختبئ في بيت أب شيبة، قائد الحرس الجمهوري وعضو مجلس انقلاب ١٩ يوليو لاحقاً، في نطاق القصر الجمهوري. ولم ينس الراوي تعطر عبد الخالق ربما برائحة الشبر ويشي المفضلة لديه. وهذه الرواية على خلاف اللوحة التي رسمها المؤلف للبيوت التي غشاها عبد الخالق لتأمين نفسه بعد تحريره من الاعتقال. فقال إنه بعد التحرير جاء به أب شيبة إلى بيته بالقصر، ثم انتقل إلى بيت كمال رمضان المحامي، ثم إلى بيت ميرغني محجوب. والتقى بأسرته الصغيرة في بيت محمد النعيم مهيد بحي الجامعة ببري. ولم يتفضل المؤلف لمجرد الإشارة لهذا العوج في المعلومات المتضاربة في كتابه.
وينضح الكتاب بالخطأ في معلومات مفردة. فقال إن جوزيف قرنق، الوزير بحكومة نميري ما يزال وقتها بعد فساد ما ببينها والحزب الشيوعي، كان معتقلاً حتى أفرج عنه الانقلاب. وكان جوزيف وقتها بالمستشفى يرعى مع زوجته ابناً مريضاً. وقال إن فاطمة أحمد إبراهيم لم تحضر اجتماع اللجنة المركزية للحزب مساء ١٩ يوليو لأنها كانت في بكاء والدها. ولا أعرف تحديداً متى توفى والدها ولكنها كانت نهار الانقلاب ومساءه بدارها في بري المحس مع زوجها الشفيع أحمد الشيخ. وروى غازي سليمان كيف ذهب إليهما بعد أن بعثه هاشم العطا إلى الشفيع ليكتب له بيان الانقلاب. وقال المؤلف إن خالد الكد هرب بعد الانقلاب إلى بلدة القرير بالشمالية واختبأ بين أهله. وتزوج منهم فاطمة التي كانت تخدمه وهو في العزلة. ومعلوم أن مخبأ خالد كان في بيت عمه الدينكاوي بقرية البار شرقي كورتي. كما قال إن أحمد فؤاد وأحمد حمروش، اللذين بعث بهما السادات ليتحسسا انقلاب السودان، كانا ممن ضمهم الحزب الشيوعي المصري (حستو) مع عبد الخالق. والحقيقة إن الذي ضمهما هو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حديتو) المصرية. ف (حستو) هي الحروف الأولى للحركة السودانية للتحرر الوطني التي نشأت في السودان في ١٩٤٦ بزعامة الدكتور عبد الوهاب زين العابدين عبد التام. وجاء المؤلف بصورتين لم يحسن تعريف من بهما. فجاء بصورة لابن الداخلة عطبرة محمد عثمان خلف الله عمر "كرن" وقال إنها لمحمد إبراهيم نقد. وسمى من كان في صورة مع الشفيع أحمد الشيخ، رئيس اتحاد العمال، عبد الرحمن عبد الرحيم من الوسيلة، من مؤسسي الحزب الشيوعي، بينما هو الحاج عبد الرحمن نائب سكرتير اتحاد العمال.
وللمؤلف في الإنشاء جمل ملغزة مثل قوله " اتهم الشيوعي الأبروفي البارز د. عبد القادر الرفاعي العركي حمد النيل". فلم يفصل بين "عبد القادر الرفاعي" و"العركي حمد النيل" بشيء ليعرف القارئ أن الرفاعي اتهم العركي وليس أن العركي هو جد الرفاعي. وهذا كثير.
وننظر في المرة القادمة في ضعف نهج المؤلف حتى في فتح يومية التحري في التفتيش عمن قام بانقلاب ١٩ يوليو التي رجعت بنا إلى نهج "يومية التحري" الماسخ. وكان المأمول أن نترحل عنها إلى نهج التحليل التاريخي الذي يوطن الانقلاب في التدافع السياسي والاجتماعي منذ الأربعينات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.