جلس الفتي المصري السيحانجي يصف حقنا في حلايب وشلاتين ب"دعاو" لم تفحمة الخرط التي جاء بها من أمريكا وبريطانيا وفرنسا التي قطعت بملكيتنا لهما حلالاً بلالا. وذكرتني مغالطته "في إصرار" للحقيقة بأنور السادات في مايو ١٩٧١. قال إنه نظر في اجتماع للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي فوجد أعضاءها يصوتون ضده. ولم يخف اندهاشه: وبصوتو ضدي كأن ليس هذا الأصل في الشيء ولم يترك فيهم في غده نفاخ نار.

عادت بي خرط المصري السياحنجي إلى يوم خرج حق مصر في طابا من عندنا. وذكرت ذلك عندما نعيت محمد إبراهيم أبو سليم، المدير السابق لدار الوثائق القومية، الذي يرجع إليه الفضل في تدبيج مصر بوثائق استحقاقها في طابا في سيناء. وعسى تتنزل الدوائر الشوفينية في مصر عند حقنا في حلايب وشلاتين بخرط سعت لها بظلفها كما تنزلت إسرائيل عن حق مصر في طابا بأمر الخرط:
بكي هذا الوطن ابوسليم بعناية شديدة. ولأ أذكر من تحول نعيه من أهل العلم عندنا من يومه الأول الي دراسات دقيقة عنه مثل ابوسليم. بكي الناس قبله العلماء بالدمع غير أن بكاء أبو سليم كان بالمداد. فالرجل دوحة تفيأ ظلها الجمهرة وذاق الجميع ثمارها الدانية.
وإتخذت هذه الكتابات طريقة "النعي" المعروفة عن أهل السبق في تعريف الناس بمقدار مساهمتهم وقدرها للعلم وفي الوطن. وكانت أكثر سعادتي بالندوة التي عقدتها الجالية السودانية في الرياض لتأبين ابوسليم. فقد تنادي لها مخضرمو المؤرخين والكتاب بكلمات مؤثرة عن قيادة ابوسليم للعمل الوثائقي وعن مؤلفاته. وقد فتحوا بذلك للسودانيين بالرياض نافذة علي هذا الرجل الخير. ولا بد من كلمة ثناء علي الأستاذ طارق الجزولي محرر جريدة "سودانايل" علي الإنترنت الذي نشر ندوة الرياض تباعاً. فلولاه لما علمنا بهذه الندوة العلمية القيمة.
ورد مراراً خلال نعي ابوسليم أن دار وثائقنا القومية هي التي وفرت البيانات التي إستند عليها المفاوض المصري في آخر الثمانينات ليسترجع طابا في سيناء من اسرائيل الي السيادة المصرية. وقد تصادف أن كنت اقلب بعض اوراقي القديمة فوجدت نصاً لتلك الواقعة علي لسان المرحوم نفسه خلال حوار صحفي اجراه الأستاذ صالح مختار عجب الدور بجريدة الإسبوع (19 إكتوبر 1988). قال المرحوم للصحفي:
من المعروف أن إدارة سيناء كانت تابعة للحربية المصرية. وأن المسوؤل عن الحربية المصرية حينها كان السردار قائد الجيش الذي كان في نفس الوقت حاكم عام السودان وهو السير ونجت باشا. وأشرف بتلك الصفة علي سيناء تعرض عليه كل التقارير عنها. وظهرت قضية حدود مصر الشرقية لأول مرة علي مسرح الأحداث في بداية القرن العشرين وبالتحديد في عام 1906 ببدء نذر الحرب العالمية الأولى. وكان النزاع كان بين مصر وتركيا اللتين وقعتا إتفاقية لتحديد الحدود بما فيها طابا. وصارت طابا ضمن 14 نقطة علي حدود مصر الشرقية نازعت فيها إسرائيل مصر.
قال ابوسليم إنه أطلع في بداية خدمته بدار الوثائق (1956-1975) علي الوثائق المتعلقة بطابا في الدار التي حفظت وثائق حكومة السودان. وقال إنه جاء د. يونان لبيب رزق الأستاذ بجامعة عين شمس المختص بتاريخ السودان، وعضو لجنة الدفاع المصرية عن طابا، يطلب مادة عنها. وقال ابوسليم أنه رحب به قائلاً إن مسالة طابا ليست مسألة مصرية وإنما هي قضيتنا جميعاً. وذكر له رزق هذه الوقفة في حديث اجرته معه جريدة الأهرام المصرية. فقال إن ابوسليم وضع نفسه ورجاله تحت خدمة مصر خلال اسبوع كامل في دوام يبدأ قبل ساعات العمل الرسمية وينتهي بعدها. وحصل خلال قراءته ل 350 ملفاً علي عشرات الوثائق مما كان يُعرض علي ونجت من مكاتبات تؤكد أن طابا مصرية. فبعض المكاتبات تتحدث عن كشك حراسة مصري بالمدينة، أو تلفون، أو تقرير عن حملات مكافحة الجراد، أو منفذ جمركي، أو دورية لرجال البوليس الحدوديين، أو إستراحة للموظفين. وهي مكاتبات كانت ترد الي إدارة المخابرات وتحول الي قائد الجيش المصري وحاكم السودان. وقال رزق إنهم جمّعوا وثائق لغرضهم من بلاد اخري دخلوها كباحثين. ولكنهم في السودان عرضوا الأمر سياسياً كما هو ولقوا دعماً غير منقطع.
ولم يكتف ابوسليم بعون المفاوض المصري في الخرطوم بل نصح د. رزق أن يذهب الي مكتبة الدراسات الشرقية بجامعة درهام بإنجلترا لمزيد من التنقيب. فقال له إنه كان بها عام 1960 وقد وقع نظره فيها علي وثائق عن سيناء. وقد كان. ولقي د. رزق مطلوبه منها أيضاً. ورأي أبوسليم في نصر مصر علي إسرائيل نصراً للمؤرخ العربي ومؤسساته مثل دور الوثائق. وقال إن نفي إسرائيل عن طابا ربما كان نصر العرب الأول في معركة المعلومات.
وجاء وقت للتوسعية المصرية أن تكف عن مناكفة الخرط، أو ترد على الفضل بالمثل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.