لا أعرف كلمة قرأتها في ٢٠١٣ اتصفت بمتانة التحليل ورصانة العقل مثل التي كتبها أُبي عزالدين عوض في الرد على الرزيقي ومولانا كمال رزق خطيب مسجد الخرطوم العتيق. وجاءت كلمته في معرض بيانه لحقائق الحفل "سيء السمعة" الذي تدرب فيه بعض شبابنا على الرقص بيد بعثة جماعة أمريكية لها عقيدة في إنسانية الرقص وشفائه. وأثار أُبي في مقاله بقوة مسألة الداعية وحدود حريته في الخطبة. ووجدت كلمته هوى في نفسي لأنني كتبت عن وجوب أن يتحرى الخطيب بدقة الحقائق الاجتماعية التي يرغب في إبداء رأي الدين فيها، وأن يدعو لها، أو عليها، بحكمة وموعظة حسنة. وطلبت أن يراعي الدعاة أن جمهور خطبهم ممن يوصف ب"الأخيذ" ( *** ). فهو، خلافاً لجمهور خطب السياسة ممنوع من التعليق على الخطبة سلباً أو إيجاباً: يسمع ويفوت. ويخرج أكثرنا من الخطب المقدسة هذه بحرج من صمته على ما أعتقد أنه سوء نقل وبؤس تعليق.
قدَّم أُبي لكلمته بتعريف للمتعصب من كِتاب لغربيين ذكره. وتقرأ قدر ما تقرأ لوجوه الرأي عندنا فتجدهم مضربين عن القراءة المعمقة: ومن الطقوق ولا فوق نافع قال نافع سوا. فقال على ضوء كتاب "سيكولوجية التعصب" إن المتعصب معصوم من التحسب للخطأ يقع فيه بينما كلنا خطاؤون. فهو منتهى الصحة من فوق نص مقدس. وواضح من بقية المقال أن أُبي إنما قصد شيخ رزق بتعريفه الباكر للمتعصب.
وأُبي شديد العارضة في الحجاج. ويأتي الخصم من مأمنه. فقال إن رزق طلب لإثبات مجون الحفل أن تعيد مجلة "حكايات" نشر صوره ليراها الغاشي والماشي. فكان رد أبي عليه أن هذا لا يجوز يا مولانا. فمتى استبان رزق فساد الحفل وجب عليه أن يحجب صوره لا يظهرها للماشي والغاشي. فالإسلام أمر بأن نغض الطرف بوجه الفحش، لو وجد. فما أوقع رزق في هذا المطب أنه كان حريصاً على إحقاق أنه على الصواب من مجون الحفل. ونسى أصل تكليفه وهو كف الناس عن التفرج على الباطل. وهذا من سَوق العزة بالنفس إلى الإثم. كما في أُبي حِجية كاريكاتورية ناسفة. فقال لرزق إن كان لك رأي في المعازف فأفتنا في نغمات الهواتف (التي قد يكون طلب من المأمومين إغلاقها لوقت الصلاة) والسلام الجمهوري الذي يقف له الناس بلا استثناء.
ومن أدق أبواب إفحام أُبي لرزق ما جاء عن مصادر مولانا لمادة خطبه. فقال له طالما كانت مثل جريدة "حكايات" مرجعك الوثيق فنحيلك لما جاء في عدد جمعة ما عن مدرسة بأم درمان احتفلت بخمسينية اغتيال الرئيس الأمريكي كندي. وتخلل الاحتفال إهداء أطفال المدرسة بأم درمان الهدايا لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر، وغنوا "فليحفظ الرب أمريكا"، ورفع طفل منهم العلم الأمريكي! وسأل أُبي: هل سيكون هذا الحفل موضوعك لجمعة قادمة "بعد أن تستوثق من تفاصيل الخبر". وأظن أُبيي جاء بصفة لم يسبق إليها في صحافة الفضيحة الاجتماعية حين وصف كتابها ب"مراهقي السبق الصحفي". أحسنت.
ومربط الفرس عندي مطلب أُبي أن تقترن الخطب المنبرية بأشراط لحرية التعبير فيها. ومن ذلك أن يقوم نظر صاحبها في قضايا السياسة والمجتمع على شيء أمتن وأرصن من مراهقي أي سبق كان. فليجلس الخطيب إلى الدولة أو الشباب أو أياً من سيتناولهم بخطبه ليعرف منهم، لا عنهم، قبل أن يدلو بدلوه. ويقتضي هذا أن تكون لإمامة مسجد في عتق مسجد الخرطوم دائرة أبحاث من مختلف التخصصات تعين الخطيب على حقائق موضوعه ليفتي عن علم وينير. ولا أعرف من أساء إلى خطبة الجامع مثل أولئك الذين أرادوا أن تعدها جهة في الدولة ولا يكون الخطيب فيها سوى "الصدى". وطالما تحرر الخطباء من عاهة الخطبة المسبقة فليعطوا هذه الحرية حقها بالبحث في علل المجتمع وصحوه بروح ناقدة عَاطِفة يقترب الدين منها من الوجدان لا الآذان. وأخيراً فأُبي يطلب من الخطيب أن يمتنع بالكلية من رمي قوم مسلمين بآي من الذكر نزلت عن الكفار. فهذه مكيدة لا وعظاً.
لم أقرأ لأُبي من قبل. وأتمنى ألا تكون كلمته هذه خريدة فريدة جاء إليها محزوناً لما اكتنف عمله في أمانة الثقافة بالمؤتمر الوطني من شغب. أتمنى، بعد حفظ الله له، أن يوالي هذه الكتابة النبيهة الشجاعة في مضامير مصموت عنها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.