جمعت ندوة اقيمت بنادي العمال ببحري بين أستاذنا عبد الخالق محجوب وجعفر نميري رئيس مجلس قيادة انقلاب ١٩٦٩. وفيها عرض نميري نفسه رائداً للطبقة العاملة لا يكذب أهله مثل عبد الخالق. وكان ما اشتهر عن هذه الندوة أنها أغضت نميري لأن من نظموها من الشيوعيين أخروا عبد الخالق ليخاطب الجمهور بعد نميري. وختامه مسك. ولكن مذكرات كان نشرها النعمان حسن في ٢٠١٣ جاءت بالخبر عن مطاعنة نميري لعبد الخالق باسم الطبقة العاملة. ونعمان شاهد عن كثب لتلك الأيام من مايو. وكان بزغ نجمه في نقابة موظفي وزارة التجارة. وهيأ له مركزه فيها أن يكون في قلب عملية مصادرة الشركات التي قام بها نظام مايو في ١٩٧٠. وزاد عن ذلك أنه من خاصة أهل زين العابدين محمد أحمد عبد القادر عضو مجلس قيادة الانقلاب والرقيب العام الذي وقعت المصادرات ضمن إدارته. وذاعت عن زين كو الفرايحي رحمه الله أغنية عابثة:
الرقيب العام
الرقيصو تمام
من أين طرأ لنميري ذلك الزهو بقيادته للطبقة العاملة حتى فاخر عبد الخالق بها؟
في يوم ١٤ مايو ١٩٧٠ صدر قرار من مجلس الانقلاب بمصادرة شركات عثمان صالح. وسنعود لملابسات القرار ودوافعه. وفي صباح اليوم التالي زار نميري وصحبه المنطقة الصناعية ليجد نميري نفسه مع موعد استثنائي خرج له عمال المنطقة الصناعية عن بكرة أبيهم مشيدين بالقرار. وذبحوا له الثيران كرامة قال النعمان أنه لولا مروءة نميري المعروفة لأعجزه النط فوق الثيران الذبيحة كرامة. وأثلج صدر نميري أن الطبقة معه مع توهم الحزب الشيوعي أنه لابسها خاتم. بدا له أنه لينين الوقت في قول النعمان. وحمل معه هذه البيعة العمالية للندوة التي تقدم ذكره ليهاجم عبد الخالق الذي كان كتب مقالة في "أخبار الأسبوع" ينتقد خطوة مصادرة الأموال صوناً لمصالح الرأسمالية الوطنية.

ما هو الظرف الذي دفع بنميري لمصادرة شركة عثمان صالح؟
تقدم المحاسب (ن) الذي يعمل في الشركة ببلاغ قال فيه أن مطاحن الشركة تغش في ضريبة الإنتاج بتوقيف العداد ومواصلة الطحين حتى لا تظهر كمياته في احصائيات الانتاج. فكلف الرقيب العام النعمان للذهاب للشركة للوقوف على الأمر. فوجد أن هناك بعض الكميات تُنتج بالفعل بعيداً عن العداد بأذونات خاصة. ووصل النعمان بعد المراجعة إلى ضآلة الكمية المغشوشة ولا تستحق الاهتمام منه. ونقل ما توصل إليه للرقيب العام واتفقا على صرف المسألة.
ولكن حمل الصباح التالي مفاجأة للنعمان. فتلقى مكالمة من الرقيب العام يعاتبه على تهوينه ما يجري في مطاحن عثمان صالح. فما ظن الرقيب أن المسألة قد انطوت حسب تقرير النعمان حتى تلقى بياناً من الشرطة ببلاغ من سكرتير نقابة عمال المطاحن عن حريق للأذونات جرى فجراً ذلك اليوم في الشركة. فطلب الرقيب من النعمان أن يسارع بالمضي للشركة والتحقق ما يجري فيها. ولما بلغ الشركة وجد الشرطة تحفظت على كميات كبيرة من الأذونات كانت قيد الحرق بواسطة عامل جنوبي مكلف من المدير. وما دفع المدير إلى التخلص من الأذونات أنه أعتقد أن النعمان سيعاود كرة التحقيق في صباح اليوم التالي لزيارته الأولى. وكانت كميات الأذون المعدة للحرق كبيرة سوّد دخانها الصفيحة التي حُرقت فيها. واعترف المدير للنعمان بتهريب كل تلك الكميات التي كانت أذونها تحترق تجنباً لضريبة الإنتاج. وكان اعتراف المدير بالتهرب الضريبي محرجاً لنعمان الذي هون حجمه في أمسه وأقنع الرقيب العام بذلك. وكان دافع المدير للاعتراف هو عبد الكريم ميرغني وزير التخطيط وقريب آل عمان صالح الذي اتصل به المدير يطلب النصح في الأمر. فوجهه بالاعتراف فالأمر لا يعدو تهرباً من الضريبة القانون كفيل به. وعاد النعمان ليقدم تقريره لمجلس الانقلاب المنعقد عن زيارته الثانية للمطاحن. ولم يكن من بعد اعتراف المدير ما يقوله سوي عرض الصفيحة المحروقة والأذونات. وصدر القرار بمصادرة شركة عثمان صالح
ومع ذلك كان القرار سياسياً مائة في المائة. كيف؟
كان حزب الأمة في طليعة معارضي مايو ومن رموزه محمد عثمان صالح الذي كان شديداً في خصومة مايو يتوعدها بالمواجهة. ولما اعترف المدير بالتهرب الضريبي اعتبر نميري أحابيل المدير تنفيذاً حرفياً لتهديدات محمد عثمان صالح وتحدياً منه. فقال في الاجتماع بالحرف الواحد: يعنى الجماعة ديل فاكرين إنهم اقوى من الثورة يعنى. هم يتحدوننا ويقولوا لينا حتعملوا لينا شنو". وهناك، قال النعمان، وسط صمت ودهشة اعضاء مجلس الانقلاب، وبحضوره ونائب الرقيب العام، صاح نميري قائلا وهو في قمة الانفعال: " اقلعوها منهم اقلعوا كل حاجة عندهم نشوف هم الارجل ولا نحن". وكان قرار مصادرة شركة عثمان صالح.
ما يمضغه البلهاء اليوم عن واقعة المصادرة:
أنكر نميري دوره في المصادرة التي هي بنت غضبته وحده طأطأ لها رفاقه. فكتب في "النهج الإسلامي لماذا؟ ١٠٣-١٠٥ "ثم صدرت قرارات التأميم والمصادرة وجرى إعلانها في شكل قرارات وبصورة متعجلة. وكان لا مفر من تنفيذ قرارات أعلنت". ثم اشار في كتابه صراحة بالاتهام إلى من اسماهم المثلث الشيوعي في مجلس الثورة الذين من وراء تلك الإجراءات.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.