انعقد بمركز مهارات للتدريب الطبي والاستشارة سمنار عن تعلم الطب وممارسته والثقافة. اجتمع في السمنار لفيف من المختصين في الثقافة مع لفيف من الأطباء حول أورق تناولت علاقة الطب بالثقافة. وأسس الدكتور أحمد الصافي، اخصائي التخدير، هذا المركز عند تقاطع المشتل والستين ليجسر علاقة الثقافة والطب ولرسم مناهج تعلم الطب تأخذ بثقافة المريض والطبيب معاً في الاعتبار. ويتوج المركز همة مهنية ووطنية عتيقة لدكتور أحمد منذ فاز في أوائل السبعينات في مسابقة نظمتها شعبة أبحاث السودان بكلية الآداب بجامعة الخرطوم (نواة معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية الحالي) ببحث عن الطب الشعبي منشور. ومنذ اخترق د. أحمد الجدار العازل بين الطب والإنسانيات، وهو طالب ما يزال بكلية الطب، لم يهدأ له بال يلح بصور مختلفة لهدم هذا الجدار. وكان سمناره الأخير، الذي استمر سحابة صباح ونها ومساء الجمعة، متعة خالصة وزمالة تتناصر نحو طب جدير بالسودانيين).


يريد هذا المقال أن يستأنس بعلم اللغة في ممارسة الطبيب العلاجية. وعليه فهو ينظر إلى مقابلة الطبيب بمريضه، التي هي ذروة الممارسة الطبية، ك"واقعة لغوية". وقد استقيت هذه الوجهة من تعريف مصيب للمرض كثقافة مما جاء في كتاب "الحكيم" للبروفسير أحمد الصافي. وأراد الصافي بذلك أن يسعف طلاب العلوم الطبية بوعي مبتكر بالمرض كثقافة لا مجرد "سقطات" صحية. وقد يحفزنا هذه التعريف السديد إلى مراجعة مفهوم "الصحة" نفسه. فمن رأي البروفسير حسن البلة في كتابه "الأطباء الحفاة" أن المفهوم قاصر عن الإحاطة بتوقعاتنا الروحية الثقافية من الطب. ويستبدل البلة مفهوم "الصحة" التي هي خلو الإنسان من المرض، بمفهوم "العافية" كأمن بدني ونفسي وحياتي. فقال خير من قائل: "لم يؤت أحد اليقين خيراً من العافية". ولذا كان الدعاء السوداني العميق ليس "إزاي الصحة" بل "أرقدو عافية". ونقول استطراداً إن دعوة الصافي إلى تجديد مصطلح "الحكيم" في مقابل "الطبيب أو الدكتور" ربما وقع في سياق التوطن في مصطلحنا الثقافي والكف عن الترجمة عن آخرين ترجمة تنفينا عن جذوتنا في التعبير والتأميل.
علم أثنوغرافيا (الوصف الثقافي لجماعة ما) النضم (أو أثنوغرافيا التواصل) هو تحليل الواقعة التواصلية بين فرد وآخر أو آخرين في سياق عريض للممارسات الاجتماعية والثقافية والعقائد لأفراد ثقافة ما، أو ما نسميه "مجتمع ناضمين-متكلمين أو متواصلين". وهو طريقة من طرق تحليل الخطاب اللغوي يأخذ من علم الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا معتبراً وظيفة النص التواصلي (الذي قد يشمل على أكثر من اللغة الموظفة) في ثقافة معينة. بمعنى آخر فنحن في هذا التحليل نتوقف عن الأشياء خارج النضم بأكثر من توقفنا عند نص النضم نفسه. فنتوقف لنعرف من المتكلمين؟ أين هم؟ ما العقائد والعوائد المهمة بالنسبة لهم؟ ومن ضمن ذلك الإمساك بالشفرات الثقافية التي انطوت في النص.
أسأل هنا: ما الذي يظنه الطبيب مثلاً بمريض يشكو من علته فيقول: "والله فلانة عاينت لي شديد كده وشفت شلالايفه اتحركن ومشت. ولما وصلت البيت مسكني طمام وطراش لصباح يومنا دا. والله عشا ما أتذكر أكلتو". ولفهم شكوى هذا المريض أرجع بكم إلى يوم كنت في الثمانيات أشاهد برنامج "محكمة الشعب" للقاضي وبنر على قناة الآى بي سي الأمريكية. وكان أول برنامج على التلفزيون من نوعه. وكان الشاكي والمتهمة من أصول مكسيكية. وجدت الرجل يقول للقاضي إن المتهمة مرت به ونظرت إلى ديكه فمات. ولم يفهم القاضي شيئاً وبدا مرتبكاً لا ينفذ إلى جوهر الشكوى. ولو علم القاضي، الذي خلت ثقافته عن العين الحارة، بديناميكية هذا الاعتقاد عند المكسيكيين لما ارتبك وفغر فاه استغراباً.
يقع علم إثنوغرافيا النضم في نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهي علوم استأصلتها الجامعة التجارية القاصرة على الطب والتكنولوجيا وملحقاتهما من كلياتها بأمر "الشباك" مما لا يليق بجامعة حاقة الاسم. وبذلك تبخر من هذه الجامعات السوقية كل رسم لمعارف واجبة تلطف من سطوة الحرفة على خريجييها. واشتهر عن عبد الله الطيب اعتداده بالإنسانيات حتى قيل إنه قال إن الجامعة إنسانيات وإنما الطب والزراعة والبيطرة فحرف. وهذا ما نبهت له في تقريظي لكتاب أحمد الصافي "الحكيم" الذي قلت إنه، بتعريفه للمرض كثقافة، أراد ن يخرج الطبيب من الحرفة إلى الرحاب.
ويبدو أننا في طريقنا في وقتنا هذا لنرد الآن الطب للغة. فالدلائل قائمة على قناعة المهنة الطبية بالتعامل مع مقابلة الطبيب بالمريض كواقعة لغوية (speech event). فأسعدني من هذه الجهة خبر من كتاب الصافي "كلمني بلغة أفهمها" جاء بمثابة استجابة لمبادرة طلاب طب جامعيين في 2015 في التعرف على لغة مرضاهم. فبدأوا كفاحاً في ترتيب قاموس لمصطلح المرض السوداني. وهذه علامة عافية مهنية كبيرة. وكنت استبعدت هذه اليقظة المهنية في مقدمتي لكتاب أحمد الصافي "الحكيم" لأنني رأيت كيف فصمتهم الجامعة الطبية والتكنولوجية التجارية من مأثورهم. فهي لا تدرس سوى الطب وبعض متعلقاته كالصيدلة. وقطعت هذه الحيلة التجارية همزة الوصل الجامعة للطب والعلوم الإنسانية والاجتماعية التي هي مرجعية كتاب الصافي المبذول. ومجافاة الجامعة للإنسانيات والاجتماعيات ظاهرة عولمية مرصودة كتب عنها عالم الاجتماع المرموق تيري إيقلتون (Terry Eagleton). فقرر حقيقة هذا الطلاق الأكاديمي ووصفه بأنه "موت الجامعة" كما نعرفها. وقال إنه، متى تلاشت الإنسانيات من الجامعة، صارت لا جامعة. فالإنسانيات جذع كل المعارف الأخرى لا غنى عنها للمهندس والطبيب والحقوقي. فقد كانت الإنسانيات في أصل الجامعة لما خرجت لحيز الوجود. وكانت صمام الأمان لمجتمع رأسمالي استرذل الأعراف. وأسعفت، بملكتها في التأمل والنقد، قيم الأريحية والغيرية واللطف التي كانت تحت الحصار. وختم كلمته بقوله إن الجامعة تحتضر على أيامنا لأن الثقافة المسيطرة ملت النقد الذي هو عصير الإنسانيات.
ووجدت في كتاب الصافي "كلمني بلغة افهمها" توسعاً في مفهوم المقابلة بين الطبيب ومريضه كحدث قولي. فقال إن على الطبيب الإصغاء باهتمام شديد لمحدثه ولأقربائه. فهذا الإصغاء الجليل مهارة هي مربط الفرس في الشفاء. بل قال الصافي إن هذه المقابلة حادثة سردية (NARRATIVE EVENT) تقع في فرع من الطب المستجد هو الطب السردي (NARRATIVE MEDICINE). فالمقابلة كواقعة سردية هي في قوله "قطعة أدبية في فن الحكي". فعلى الطبيب أن يهتم بتدوينها وينظر في خيوطها الأساسية، وفي حبكتها في بداياتها ونهاياتها، ليشخص المرض المنطوي في ثقافة المريض والطبيب. فإنصاته هو سبيله لكي يكون محاوراً ذكياً. وأشار الصافي إلى أطباء لم يحسنوا الإصغاء فحسب، بل أحسنوا الحديث إلى المريض كمحاورين أذكياء ينفذون من الحكاية على العلة. فقال إن التجاني الماحي كان يتكلم إلى مرضاه بصوت "أقرب على الهمس من للكلام". فتحدث كأنه يخاطب نفسه. ولا يرفع صوته في الحديث لكي ينزع الهرمية المهنية من الواقعة السردية.
ولا أعرف لماذا تأخرنا في عقد ما بين اللغة والطب بينما تقف أميز تجاربنا الطبية شاهداً على نفع هذا الانعقاد ووجوبه. فكشف البلة عن استثمار مس مابل، مدير مركز تدريب الدايات في بدايات القرن الماضي، للغة للإحسان في عملها. فتوافرت على وضع قاموس من عامية النساء العربية هو
""دليل العربية السودانية لقابلات". وهذا بدء مبارك للشغل من ثقافة طالب الخدمة ومؤديها. جمعت فيه الكلمات في العامية عن الحمل ومتعلقاته بغرض تدريب الدايات. وشرحت المصطلح الطبي في لغة ميسرة للتدريب. فعرف الكتاب الجسم ك: "شبه بيت مفروش. وكل العدة الفيه عندها فايدة مخصوصة. القلب يشبه الطرمبه فيشان كلما ينفك يشفط الدم الفاسد. والفشافيش مثل شبابيك البيت. والمعدة متل الخرج. وهي "متل المرحاكة عشان بتفرم الأكل ناعم". ولنصح النساء بالإقلاع عن عادة لزوم السرير لأربعين يوماً جاؤوا بمجاز "الجبنة". فشبهوا الرحم بالجَبنة. فالرقاد مثل جبنة على جنبها لا تصب القهوة وتبقى فيها. وكذلك المرأة المستلقية لا تنزل منها إفرازات الولادة.

ولإغراء الحمل بالكشف الراتب في سياق الرعاية بهن خرجت مابل بمجاز "كشف الحلة". فضربت للنساء بمثل أقرب إليهن من حبل الوريد. فكانت تقول للنساء: إذا كانت لك حلة على النار هل ستتركين الطعام يحرق أم أنك سترفعين الغطاء عنها مرة بعد مرة للتأكد من نضج الطبيخ قبل الحريق؟ وبالطبع فالإجابة، من واقع خدمة النساء في المطبخ، هو لا. وصارت الحامل مثل طبيخ على النار تتكرر زيارات ست البيت له للكشف عن مدى نضجه. وصار "كشف الحلة" عبارة في وفود الحوامل للكشف الدوري عليهن. ولما سمع طبيب غربي زميل للبلة بهذه الحيلة اللغوية المجازية في محاضرة لها صاح: "هذا شيء أخاذ يهز المشاعر".

ومن أهم عوائد اللغة التفريق بين نضم النساء ونضم الرجال. فالنساء توظف كلمات أكثر للتعبير عن ما ببالهن وعن طريق تيار الوعي. والرجال، من جهة أخرى، ميالون للمكايدة ولهم في الهزء فنون بخاصة في المسائل الحساسة. فهم لا يعتذرون إلا لماماً، ويتفادون لقاء المسألة وجهاً لوجه، ولا يشفون عن دخيلة أنفسهن كما تفعل النساء.
ولم نطرق طوال تقليبنا لمسألة تعليم الطب باللغة العربية لقيمته للممارسة اللاحقة للتطبيب. فمن رأي دكتور البلة أن من تعلم الطب في لغة عجمية تقطعت أسبابه بالمريض. فيجد مثل هذا المتعلم صعوبة في التعبير المناسب لطمأنة المريض. وهذه الطمأنة تاج العلاج. وضرب البلة مثلاً بنفسه. فقد أعجبه تواصل الأطباء السوريين، ممن درسوا باللغة العربية، مع المرضى في حين يعجز هو، ممن قرأ الطب في الإنجليزية، عن ذلك.
ونأتي في الختام ل"قول عاع". وهي عندي "قفلة" الطبيب لحكي المريض وختام الحادثة السردية. وبدا لي دائماً إنها مما يؤذن بأن المريض قد تجاوز حدود "البلاغ" المقتضب عن مرضه. وله الآن أن يصمت ليبدأ الطب دوره: ما بعد "قول عاع".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.