(سألني سائل إن كنت أنوى كتابة سيرتي الذاتية. قلت كتبتها "أفراقة" أي موزعة من حين لآخر. وآمل أن أفرغ لها. وهذه عينة من الكتابات "الأفراقة." )

تحدثت منذ عامين إلى جمهور "مفروش" الذي نظمته جماعة "عمل" للترويج للقراءة عن الكتاب في حياتي. وقد غلب الكتاب عليها حتى قالت أمي للطيب محمد الطيب :" ضاحبك دا مدعي قراية". وذكر ذلك لي الطيب في إهدائه لي كتابه "المسيد". الزينين رحلو والضلو وراهم تعبوا.
قلت لهم ما طرأ لي طاريء الكتاب حتى عادني شطر من بيت التجاني يوسف بشير:"النور محتبساً وراء الماء". ففي ذاكرتي ماء ٌكلما فكرت في حياتي وكتابي. وكانت البداية في نحو 1958 حين تبين لي في الثالثة ثانوي بعطبرة الحكومية ضعفي في اللغة الإنجليزية. فقررت أن اقتحم عالم القراءة المعمقة في هذه اللغة. فأذكر أن استلفت من مكتبة المدرسة رواية للأمريكي إرنست همنغواي ربما كانت "وداعاً للسلاح" أو "لمن تُدَق الأجراس" وقرأتها خلال أسبوع حتى حصة المكتبة التالية. وكانت يوم الاثنين من كل أسبوع. وأنتظرت يوم الاثنين بفارغ الصبر لأرجع ما بيدي واستعير كتاباً آخراً لهمنجوي الذي سحرني. ويا يوم بكرة : تعال ما تبتعد قرِب! ولكن تأتي السماء، حرفياً، بما لا يشتهي الفتي المشرئب لحصة المكتبة. أرعدت السماء، وكال ميكائيل بربعه الكبير، وسال السيل، وأنهد بيتنا. وتعذر الذهاب للمدرسة بل جاءتنا المدرسة بطلابها المتطوعين لإسعاف أمثالنا من ضحايا غضبة السماء شبه الصحراوية. ولا أنسى منظر كمال حمزة الضابط الإداري للمدينة يخوض الوحل من بيت لبيت يتفقد الأحوال. ووجدت له لاحقاً كتاباً مرشداً عن عطبرة من أيام كانت للإداريين مدن وقرى لا أحزاب وقبائل وجهويات.
فاتني يوم المكتبة ليس لأني لم أذهب مهيض البيت بل لأن اليوم الدراسي نفسه لم يكن. ولكن عوضني الله عن خسارتي. فقد استضافنا بعد التشرد جارنا المرحوم حسن سوركتي والد هاشم وأخوانه. وأويت إلى غرفة منه نافذتها للشارع سكنها بعدي أقرباؤهم قيلي ومحي الدين ونور الدائم. وقلبت في الكتب القليلة بها. ووجدت مجموعة قصصية للكاتب الأمريكي من أصول أرمنية وليم سارويان. كان في عنوانها البهلوان الطائر أو نحوه. وقرأت بعض أقاصيصها خلال الاستضافة السوركتية. وانعقدت أواصر الاطلاع بيني وبينه من تاريخه. ولا أنسى قوله إن الحكايات أصل في الوجود ولن تجد موضعاً فيه إنسان وأكثر بغير حكايات.
وهل أزيدكم من الماء بللا؟ كنت بعد عودتي من الولايات المتحدة محتقباً الدكتوراة أقيم مع أخي ببيوت الجامعة ببري. وكانت كتبي التي وصلتني مشحونة في أكياس البوستة الأمريكية المتينة ما تزال في وكناتها بقراش المنزل. وأرعدت سماء الخرطوم في 1988، وكال ميكائيل بربعه الكبير، وسال سيل المطر هطال. وكان سقف بيتنا حديد، سقف بيت حجر في قول صلاح جاهين. ونجونا. ولكن عرف السيل طريقه إليّ من منفذ القراش. وعطب بعض كتبي. وما تزال آثاره عليها.
إذا كانت الكتب نوراً فقد احتبست عندي وراء الماء.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.