(استجابة لطلب قراء صفحتي بالفيسبوك أنشر على أقساط بعض سيرتي ومن عرفت)
وارينا خالي محمد أحمد حمد إزيرق ثرى مقابر الصحافة. واجتمع الأهل والأنسباء والجيرة لحدهم في لمح بصر واكتنفوه ب"تقاليد الرحيل المسلمة". وقال عليم ذات يوم ينبغي أن نطلب مثال "ستر الميت" في الكفاءة السودانية في الضروب الأخرى مثل السياسة والمال والأعمال والإدارة.
محمد خالي من الجيل الأول في المدينة. وعاش مثل غيره بمنأى عنها. لا أعتقد أنه غشي دار الخيالة أو السينما يوماً. ولا دار الرياضة. ولا اعتراه هم أنه مريخابي أو هلالابي. لقد ظن الجيل إنه جاء المدينة لغنم سريع يعود بعده ليعمر القرى. كانت المدينة له بمثابة معسكر مثل معسكرات الذهب في الخلاء يختلس منها كسباً ويعود القهقرى. ومع أن أول زواجه كان من جيرة المدن إلا أنه عاد سريعاً إلى زواج القريبة. فالجيرة عند ذلك الجيل علاقة مؤقتة. قال أحدهم لإبنه الذي أكثر من صحبة ولد جار: "ود جيراني دي شنو كمان؟" فالمدينة معسكر سينفرط وتعود الناس إلى "أوطان قرابا" كما قال مغني الرباطاب.
خالي ختمي على السكين. لم يحتج للمدينة لتخلع عليه هذه الهوية. جاء بهذه الهوية من القرية وهو ترِكة خلفاء للسيد قديمين. وظل ثابت القدم في الولاء لها. لم يقبل بالإنقاذ قط لسوءتها مع السادة. وأذكر في مجمع في أول أيام الإنقاذ أن وصفها ب"حكومة الطفيلين". و"الطفيلين" هو جمع استمساخ ل"طفل". وقصد بالذات أنها دولة لمثل ابن أخيه النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه الذي حمله طفلاً في حي المقرن القديم. وأذكر أنني جئت بهذه القصة عن خالي في معرض نقد المعارضة التي ظلت تعتقد أن الإنقاذ حكومة ستموت في المهد وطالت واستطالت. وخشي الأستاذ إدريس حسن رئيس تحرير الرأي العام من عواقب الكلمة. ونقل إليّ شفقته من العبارة وأنا في أمريكا. وطمأنته.
لم يقبل خالي بتعليم المرأة. لم ير نفعاً من ذلك طالما كان للمرأة "قوّام". وكنت من بين جادلوه بهذا الخصوص. وقلت له إنه، لا قدّر الله، وتوفى الزوج فستجد المرأة في تعليمها ما يغنيها الحاجة إلى الأسرة. ويبدو أنه سمع هذه الحجة مراراً وتكراراً واستعد لها. فقال لي:"إنتو كل زول يجي يقول لي إذا راجلها مات تعليمها بيفيدها. إنتو هي ما بتموت قبل راجلها واللا شنو؟".
كان خالي أنيساً. كثير الهذر معنا. فهو تركة إزيرقاب لهم في "الزقلتة" (الأنس المترسل المطعم بالدعاء) فنون. كان حين كبر ولزم يصوغ من قول محدثه "أهازيج" صغيرة. فإن قلت له: "أنا جيت من البيت". قال على القافية: "ودقوك أهلك نامن بكيت " مثلاً. وكان يسعد بهذا التنغيم غاية السعادة. ونظل نلقمه العبارة فيحيلها شعراً. ونضحك ملء أشداقنا. زرته الجمعة قبل وفاته بيوم. وكان قد صمت عن الشعر واكتنفه الوجع. ومات صباح السبت. واجتمع الرحم يودعه.
رحم الله خالي محمد وأسكنه عالي الجنان كما كانت تقول شقيقته الوالدة. ومتى قالت "محمد أخوي" قطعت قول كل جهيزة. رحمها الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.