كان نقاش الهوية الذي أمسك بخناقنا لعقود لغطاً. ولم يكن ذلك النقاش هرجاً لأنه كلام "مثقفاتية" كما في اعتقاد الكثيرين. الحقيقة أن الهرج داخله من جهة أنه جرى بمعزل عن الثقافة. حديد لاقا حديد. فغاب عن النقاش بشكل استثنائي دور اللغة في تكوين الهوية (وأعنى هوية عرب السودان هنا). فخاض الخائضون في أمر الهوية بدلائل الشلوخ والصليب على الجبهة وهلمجرا واستدبروا شاهد اللغة. ومتى التفتوا إليه لم تزد وظيفة اللغة عن كونها أداة تواصل لا حافرة في الهوية وصانعة لها بصورة لا منافس لها فيها. وتمكنت اللغة من الهوية هذا التمكين منذ ما عرف في أوربا ب"الانعطافة اللغوية" في العلوم النفسية والإنسانية والاجتماعية خلال العقود الأخيرة منذ السبعينات. واكتسبت اللغة بهذه الانعطافة أهمية مركزية في تفسير الحياة الاجتماعية وانعقدت بها، بالنتيجة، هوية الناس. فسعي المنظرون في هذه الحقول من المعرفة في أثر عالم اللغة السويسري دي سويسير، ومتأثرين باللغويات التركيبية، لفحص العلائق المعقدة بين اللغة وإنتاج الحياة الاجتماعية، بل واتحادها بالإنسان، في قول العالم النفساني الفرنسي جاك لاكان: "فبعد أن تصير الكلمة قولاً لن يعد المتحدثان بعد القول كما كانا قبله". فعالم الكلام عنده هو الذي يخلق عالم الأشياء السابقة لوجودنا بصفة عشوائية. فليس هناك إذاً غير الكلام لإعطاء معنى متكاملا للأشياء. فلا وجود لأي شيء بدون الكلام. فلاكان لا يكتفي بالقول إن الذات الطفلة لا تصبح كذلك باكتساب اللغة حين تلج عالم الرموز فحسب، بل تتركب هي نفسها في الأثناء كلغة. وعليه فنفسانيات الذات نفسها تعمل بنفس طرائق اللغة بوسيط المجاز.
عاودني هذا النص من فصل من كتابي عن الرباطاب الذي سيصدر قريباً خلال أنس مع الدكتور الصديق عمر الصديق قبل أيام. وجاءت سيرة بروفسير عبد الله الطيب. فذكر الصديق إنه كان يسكن منازل الجامعة جاراً لنادي الشرطة. وكانت الحفلات فيه تسهده. واضطر في ليلة لسماع بعض ما يغنى في الحفل. وتوقف عند لازمة أغنية "العوبا يا نديما". واشتغل ذهنه يبحث عن تخريج لكلمة "العوبا". وقال إن الحيلة أعيته. وسأل ربعه من علماء اللغة إن كان يعرفون لها أصلاً. ثم قرأ الآية العاشرة من سورة سبأ: " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ." وشَرحُ "أوبي معه" عند الشراحك (سبحي معه إذا سبح. والتأويب عند العرب: الرجوع ومبيت الرجل في منـزله وأهله). وقال المرحوم عبد الله الطيب إنه رأى بعد قراءته الآية إن "العوبا" هي "الأوبة" قلبنا همزتها عيناً كمثل "كأب" (رديء) فجاءت "كعب" على لساننا. وزاد قائلاً إنما أراد الشاعر أو المغني أن يردد النديم معه قوله عن تباريحه وشجنه في أغنيته، أي أن يكون رجع صداه.
لم يطرأ لأحد في نقاش الهوية العقيم أن يحفر في اللغة العربية وغيرها ليرى كيف تشكل هوية الناس متشبثين بشواهد إثنوغرافية لا يعتد بها في مضمار الهوية كما وضّحت ذلك الدكتورة وندي جيمس في مقال يصدر في تراجم لمقالات عن أصل الفونج عربها المرحوم محمد عبد الله عجيمي.
كان جدل الهوية عندنا مثقفاتي بطريق واحد: جهل مطبق بمنزلة اللغة من الهوية كما استجد في العلوم الإنسانية والاجتماعية. واختلفنا فيها لا عن علم بل عن جهل. ولو صمت الجاهل لقل الخلاف كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.