في 17 نوفمبرعام 1958 كان السودان علي موعد مع اول انقلاب عسكري يطيح اول تجربة ديمقراطية وهي في طو التّكون ,ومهما اختلف الناس عن طبيعة ذلك الحدث إن كان هو ناتج عن كيد حزبي" عملية تسليم وتسلم " او لم يكن,فهو في النهاية إستيلاء علي السلطة بواسطة القوة المسلحة ,غيران في ثقافة ذلك العصركانت الإنقلابات التي يقوم به كبار الضباط توصف بأنها انقلابات "رجعية" بينما اذا قام بها صغار الضباط تكون إنقلابات "تقدمية" وفي كلتا الحالتين يطلق عليها اسم "الثورة".

1. استولي عسكريو17 نوفمبر علي الحكم فعطلو الدستور وحلوا الأحزاب والنقابات وألإتحادات واذاعو في بيانهم الأول بأنهم جاءوا لإنقاذ البلاد من الفوضي والفساد الحزبي, وعلي الفوربارك الإنقلاب زعيما طائفتي الإنصار السيدين عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني ثم اعقب ذلك مذكرة تأييد اطلق عليها اسم مذكرة"كرام المواطنين "قدمها زعماء حزب الشعب الديمقراطي بتوجيه من السيد علي الميرغني .
اذا نظرنا الي طبيعة إنقلاب السابع عشر من نوفمبر نجد ان الذين قاموا به عسكريون ليبراليون ذوي ثقافة سانت هريسية بريطانية ولم تكن لهم اصلا ايديولوجية سياسية ,وكان اكثر ما يزعجهم هم الشيوعيون الذين شنوا عليهم حملة كبيرة وقدموا قادتهم الي المحاكمات العسكرية .
كان الشيوعيون يوزعون المنشورات التي تطبع علي ماكينات الرونيو ويكتبون شعارات باللون الأحمرعلي الجدران في الشوارع الرئيسية تنادي بأسقاط عصابة 17 نوفمبر فيقوم البوليس السري بمحوها فيزيد المارة فضولا لمعرفة ما هو مكتوب.
جاء نظام عبود تحت شعار" احكموا علينا بإعمالنا"ولم تكن له كما قلنا ايديولجية سياسية محددة , قبل المعونة الإمريكية ,وشرع في انجاز العديد من المشروعات التنموية المعروفة.
وفي خضم اشرس حرب باردة في السياسة الخارجية اقام عبود علاقات متوازنة بين المعسكرين الإشتراكي والراسمالي ,زار الإتحاد السوفييتي وعدد من دوله كما زار الولايات المتحدة ,وبريطانيا فاستقبل في كل هذه الدول إستقبالا يفوق التصور يليق به كرئيس لد ولة السودان, وزمانئذن لم تبرز بعد الي الوجود دول الخليج النفطية,فقد كانت كلها امارات بريطانية محمية عدا المملكة العربية السعودية.
في مجال محاربة الفساد فقد كانت اكبر قضية فساد وقعت في عهده وتناولتها الصحف هي قضية مباني قري حلفا الجديدة في خشم القربة والتي انهارعدد كبير منها فكتبت عنها الصحف يومذاك كحدث غريب واعتقل فيها المقاول المسئول عن الإنشاءات وقدم الي المحاكمة بتهمة تجاهله شروط عقد البناء,كما إن اشهرعملية إختلاس للمال العام وقعت عام 1962 وعرفت بإختلاسات مشروع النويله بالجزيرة والتي احدثت ضجة إجتماعية كبري تناولتهاالصحافة ايضا كفضيحة اخلاقية لم يعهدها السودانيون .
حكم عبود ستة سنوات حكما اوتقراطيا هادئا وابقي علي الجيش الوطني بتقاليده الإسبارطية بعيدا عن السياسة ,وبالرغم من تعامله مع قضية الجنوب تعاملا دينيا عروبيا خادعا ,عارض معارضة قوية دعاة إنفصال الجنوب" الفديريشن " وكذا واي حكم ذاتي, ثم اتبع كل ذلك بطرد البعثات المسيحية التبشيرية وفي وقت لاحق قام بسودنها وفرض اللغة العربية كمنهاج في الدراسة وهي تراث سيء استفاد منه الإنقاذيون فيما بعد.
كان دافع الإنقلابيين علي عبود انفسهم وثيق الصلة بالعداءات الشخصية اكثر من كونه موقفا ايديولوجيا .وكان اقدامه علي عملية الإعدام نابعة فقط من مفهوم عسكريين خالفوا قواعد المهنة, وذلك مالم تفعله الإنقاذ عندما اعدمت 28ضابطا عشية عيد الفطر بدافع سياسي إنتقامي وتخويفي ودون ان تتاح لمحامين الدفاع عنهم ,بل ان جثمانينهم غير معروفة لأهليهم حتي الان فقد دفنوا في قبرجماعي مخالفين حرمة الموت .
عند قيام ثورة اكتوبر 1964اطل عبود من شرفة قصره فرأي قيامة من الجماهير تطالب بإسقاط نظامه , فما كان منه الإ ان جمع المجلس العسكري وقررتسليم السلطة فورا الي القوي السياسية مادام كل هذه الحشود لاتريد حكمهم .
قال عنه محجوب محمد صالح رغم أنه كان حكما عسكرياً إلا أنه كان حكم عقلاء حكم شرفاء، أياديهم نظيفة، لم يفسدوا إطلاقاً وما خرجوا عن المألوف وهو من الشخصيات التي لم تُغيِّرها السلطة، دخلها كرجل بسيط وضابط منضبط وعسكري مهني عاش بنفس صفاته تلك إبان حكمه، لم يحاول أن يبحث عن أضواء أو أن يفرض نفسه أو يدَّعي شيئاً، عاش حياة بسيطة حتى وفاته.
وقال عنه محمد سعيد معروف وكان كادرا قياديا في الحزب الشيوعي"احترم استقلالية الخدمة المدنية لذلك كان التشريد والفصل في عهده أقلّ ما يمكن بالنسبة لكل العهود، لم يتدخَّل مطلقاً في الخدمة المدنية ,أو في القضاء، فظل القضاء محافظاً على استقلاله وعلى دوره القيادي.اما منصور خالد فقد قال" كان قراره بالتنحي عن الحكم هو قرار الرجل السوداني الكبير الذي يدرك معاني التراحم فقد أبى أن يكون البقاء على اجداث الرجال.
حتي ذلك الحين لم يعرف عن نظام عبود انه مارس التعذيب البدني او النفسي ضد معارضيه في الرأي وعند اعتقاله قيادات الأحزاب وإرسالهم الي جنوب البلاد سمح لأهاليهم التواصل معهم كما سمح لهم بالصحف والراديو والنزل الطيب, لم يعرف عن نظام عبود انه عذب معارضيه وكان اكثر ماتم تداوله في ذلك العصرأن الحاكم العسكري لشمال كردفان قام بتعذيب معتقل شيوعي بنفخه بواسطة خرطوم ماء وهي واقعة لم تتأكد تماما ونفاها الحاكم نفسه اكثرمن مرة .
في سياق ذرع ثقافة القهر كان إنقلاب مايو 69 هو اول من قص الشريط التقليدي نحو الأيديولوجية ردا علي الدستور الإسلامي الذي اوشكت الجمعية التأسيسية "البرلمان"ان تجيزه بدعم من الإخوان المسلمين وتواطؤ من الحزبين الكبيرين الأمة والوطني الإتحادي.
في غمرة المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر وسطوع نجم اليسار العربي اعلن المايويون تطبيق الإشتراكية في السودان وجرت عمليات تأميم عشوائية طاولت حتي المطاعم ,وللمحافظة علي "النظام الثوري" الجديد المدعوم من الإتحاد السوفييتي والمعادي "للإمبريالية العالمية" ارسل النميري كوادره الي دول اوربا الشرقية لتؤسس اول جهاز مخابرات عقائدي ومنذ ذلك التاريخ وعلي النمط الشمولي في مصر وسوريا والعراق بدأ تصنيف الناس الي تقدميين ورجعيين.

يتبع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.