تناولنا في الحلقة الأولي من هذا المقال مفهوم المركز والهامش من زاوية نقدية ، وخلصنا إلي أنه مضلل ويغبش الوعي الطبقي للكادحين ، و من المهم الفرز والتحليل الطبقي في كل حالة، والصراع ضد كل أشكال الاضطهاد الطبقي والاثني والقومي والعنصري والجنسي، وأن جوهر الصراع إذن طبقي يتجلى في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية.
كما تناولنا رؤية الحزب الشيوعي السوداني لقضايا المناطق المهمشة أو الأقل تخلفا.ولاحظنا أن الحزب الشيوعي لم يختزل القضية في تضاد بين المركز والهامش ، ولم يتناول قضايا المناطق المهمشة فقط علي المستوي الاقتصادي، بل تناول الجانب المكمل والذي يتعلق بالجانب الاجتماعي والثقافي والاثني والتاريخي، وطرح ضرورة الاعتراف بالتنوع والفوارق الثقافية والاثنية والدينية، وحرية الضمير والمعتقد، وحق المجموعات القومية الأقل تخلفا في استخدام لغاتها المحلية في التعليم. إضافة للتمييز الايجابي للنساء وابناء المناطق المهمشة، وتوفيرإحتياجات الناس الأساسية في التنمية المتوازنة وفي التعليم والصحة والخدمات، والتداول الديمقراطي للسلطة.
ونواصل في هذه الحلقة تجربة وممارسة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والمتغيرات في شعاراتها وأهدافها.
حدثت تطورات ومتغيرات في أهداف وشعارات الحركة الشعبية لتحرير السودان، فبيان الحركة (المانفيستو) الصادر عام 1983 ، أشار إلي ضرورة (النضال من أجل سودان موحد اشتراكي يبدأ النضال له من جنوب السودان)، والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي السوداني، كان قد انتقد في العام نفسه ذلك الشعار: باعتبار أن الهدف المباشر في ذلك الوقت هو إزالة حكم الفرد (النميري)، واستعادة الديمقراطية التي تمهد الطريق للنظام الوطني الديمقراطي الذي يفضي إلي الاشتراكية ، أي أن الاشتراكية ليست هدفا مباشرا، إضافة إلي ابتذال شعار الاشتراكية نفسه بعد انقلاب 25/مايو/1969 ، والجرائم والنهب والفساد ومصادرة الحقوق الديمقراطية باسم الاشتراكية.
إضافة لملاحظات الحزب الشيوعي الناقدة التي طرحها حول نظام “منقستو” في اثيوبيا الذي كان يشكل الركيزة للحركة الشعبية في كفاحها المسلح ضد نظام النميري، وكان من رأى الحزب الشيوعي السوداني : أنه لابد من اشاعة الديمقراطية كمنهج في الحكم والحل الديمقراطي السلمي للمسألة القومية في اثيوبيا، وإعطاء تقرير المصير للشعب الأريتري. وقبل ذلك كان الحزب الشيوعي السوداني قد طرح في دورة اللجنة المركزية في أغسطس 1977م، ضرورة الديمقراطية والتعددية السياسية للوصول للنظام الوطني الديمقراطي ونبذ أسلوب الانقلابات العسكرية والحزب الواحد.
ولكن نتيجة للمتغيرات العالمية التي حدثت بعد سقوط نظام “منقستو” والمعسكر الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا ، تخلت الحركة الشعبية عن شعار سودان موحد اشتراكي، إذ نلاحظ أن المؤتمر الأول للحركة الشعبية والذي انعقد في 1994م، طرح التخلي عن شعار سودان اشتراكي موحد ، ورفع شعار السودان الجديد ، كما طرح المؤتمر شعار حق تقرير المصير لجنوب السودان والمناطق المهمشة.
هذا إضافة للصراع الذي دار في الحركة الشعبية بعد انقلاب الناصر عام 1993، واتجاهات بعض قادتها للانكفاء علي جنوب السودان والاكتفاء بشعار الانفصال.
هذا وقد شخّصت الحركة الشعبية أمراض السودان القديم في : عجز أنظمة الحكم المتعاقبة في الخرطوم عن تطوير إطار قومي للحكم قابل للتطبيق، وانتهاج عملية ديمقراطية سليمة للبناء الوطني مؤسسة علي الأشكال المتعددة للتنوع ، وإنجاز تنمية غير متكافئة، والفشل في صياغة برنامج للتنمية. كما أشارت الحركة الشعبية الي أن سودان الجبهة الإسلامية والقديم يقومان علي الشوفينية والعرقية.
كما جاء في بيان(مانفستو) الحركة الشعبية، مايو 2008م: “ان السودان القديم ( انتهج سياسة خارجية غير متزنة تخضع لتوجهات أيديولوجية للمجموعات الحاكمة والنشطة سياسيا (القوميون العرب، الشيوعيون، وأخيرا الإسلاميون)، مما يوحي وكأن السودان قد أضحي علي وجه الحصر دولة عربية أو إسلامية، أو في أحسن الفروض ذات توجهات منحازة، وعليه أصبحت المصالح للسودان مرهونة لأجندة خارجية عريضة بدون اعتبار لمستحقات المصلحة الوطنية”.
ويبدو أن الشيوعيين قد تم حشرهم حشرا أعلاه، وبطريقة خاطئة، فالشيوعيون حتي في أيام انقلاب مايو 1969 الأولي: رفضوا السلم التعلميي الذي تم نقله بالمسطرة من التجربة المصرية، وطالبوا بأن تراعي المناهج خصائص السودان الثقافية الزنجية والعربية، ورفضوا النقل الأعمي لتجارب الآخرين، وطالبوا ببعث ثقافات المجموعات القبلية الأقل تخلفا، والاهتمام بلغاتها المحلية والتوسل بها في التعليم (راجع: عبد الخالق محجوب: حول البرنامج، دار عزة،2002)، كما رفض الحزب الشيوعي ميثاق طرابلس 1970، والوحدة الفورية بين مصر والسودان وليبيا، ومراعاة خصائص شعب السودان الأفريقية والعربية، وأن تكون الوحدة طوعية وليست قسرية، وأن الشرط لنجاح الوحدة هو إشاعة الديمقراطية في هذه البلدان حتي تقوم علي الطوعية وحرية الإرادة لهذه الشعوب (راجع بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، نوفمبر 1970 ، حول ميثاق طرابلس). وبالتالي، إن الحزب الشيوعي ، كان من أكثر الأحزاب حرصا علي السيادة الوطنية ومراعاة خصائص ظروف وواقع السودان في تطبيق الاشتراكية علي واقع بلادنا، وعدم رهن بلادنا للأجنبي، وعدم الخضوع لضغوطه واملاءاته. هذا فضلا عن أن الحزب الشيوعي السوداني، كان أول حزب سوداني طرح قضية الحكم الذاتي الاقليمي لمشكلة الجنوب والاعتراف بالفوارق الثقافية بين الشمال والجنوب، والمطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوى بين العامل الشمالي والجنوبي، وحق القبائل الجنوبية في استخدام لغاتها المحلية في التعليم، كما طرح ضرورة التنمية المتوازنة بين الشمال والجنوب، وعدم فرض الثقافة العربية والدين الإسلامي علي الجنوبيين بالقسر، وعندما قامت أحداث التمرد 1955م، وارتفعت الأصوات الشوفينية المطالبة بالانتقام من الجنوبيين، رفع الحزب الشيوعي شعار إعلاء صوت العقل، ووقف الأعمال الانتقامية المنفلتة ومعالجة جذور المشكلة والتي عمقها الاستعمار وجعلها قنبلة موقوتة لتنفجر بعد خروجه من البلاد، تلك كلها مواقف تاريخية مشهودة للحزب الشيوعي، وبالتالي، فان هجوم الحركة الشعبية علي الحزب الشيوعي وتشويه التاريخ لايفيد شيئا، ولا أساس موضوعي له.
كما أشار بيان الحركة الشعبية، مايو 2008م الي أن :” رؤية السودان الجديد والتي تقوم علي: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، المساواة والتوزيع العادل للسلطة وفرص التنمية، حكم القانون واحترام حقوق الانسان، وذلك هو الخيار الأفضل لصيانة وحدة السودان وسيادة أراضيه ، والا التمزق”.
وهي كلها شعارات عزيزة علينا، ولكن تجربة شراكة الحركة الشعبية مع المؤتمر الوطني ، اكدت سير البلاد في انتهاكات حقوق الانسان وضرب عرض الحائط بوثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي للعام 2005م، من خلال الرقابة علي الصحف ، ولم يحصر جهاز الأمن نفسه في جمع المعلومات كما أشار الدستور ، إضافة إلي قمع المواكب والمسيرات السلمية وإطلاق النار عليها كما حدث في بورتسودان وكجبار والطلاب مما أدي لاستشهاد عدد منهم، إضافة إلي عدم انجاز شئ في التحول الديمقراطي وإلغاء القوانين المقيدة للحريات والتي تتعارض مع الدستور، إضافة الي تدهور أحوال الناس المعيشية وارتفاع ضروريات الحياة حتي أصبحت الحياة لاتطاق، واستمرار الانتهاكات والابادة الجماعية في دارفور مما استوجب المساءلة من قبل مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وحتي في الجنوب نفسه لم يتم شئ يذكر في التنمية (التعليم ، الصحة، الخدمات ”مياه، كهرباء. الخ”، إضافة الي ضعف البنيات الأساسية، رغم عائدات النفط التي لم تذهب للتنمية.
وكانت الحصيلة سيادة الاتجاه الانفصالي بعد رحيل جون قرنق ، ودفع أمريكا ونظام المؤتمر الوطني في ذلك حتي تم انفصال الجنوب ، وأصبح الوضع مزريا كما نراه الآن.
هناك خطورة للمزيد من تمزيق ما تبقي من الوطن بعد إعلان مؤتمر الحركة الشعبية “شمال” الأخير في كاودا شعار تقرير المصير ، والذي في ظل غياب الديمقراطية وحرية الإرادة يمكن أن يقود إلي الانفصال، بينما الواجب الأساسي هو قيام أوسع تحالف من أجل اسقاط النظام واستعادة الديمقراطية التي تفتح الطريق للحل الشامل والعادل لقضايا المناطق الثلاث.
كما أثار المانفستو مشكلة فكرية عندما حدد طبيعة الأزمة الوطنية في السودان بأنها (أزمة هوّية أساسها عجز السودانيين عن التصالح مع واقعهم الثقافي والاثني والذي يجعل منهم أمة).
وفي نظري أن أزمة الهوية منتوج تاريخي لبنية فوقية استمرت من تشكيلات اجتماعية استغلالية (رق، اقطاع)، كانت سائدة في السودان القديم والوسيط، ولطريق تنمية اقتصادي- اجتماعي- ثقافي سارت عليه البلاد منذ احتلال الانجليز للسودان عام 1898م، والذي كرّس التطور غير المتوازن، وكرّس الفوارق الطبقية والإستعلاء الثقافي الذي شكل قناعا أيديولوجيا زائفا لنهب وإستغلال كادحي المناطق المهمشة، وتحقيق أكبر قدر من الثراء بابقاء هذه القوميات الأقل تخلفا في أسر التخلف وعدم السير في طريق التطور الوطني الديمقراطي الذي يفجر الفائض الاقتصادي الكامن في الريف السوداني بتحقيق الاصلاح الزراعي الديمقراطي وتحرير جماهير الريف من الفقر والأمية والتخلف، ونشر التعليم والخدمات الصحية وتوفير خدمات المياه والكهرباء وتوفير العناية البيطرية للثروة الحيوانية، وانجاز تحولات ثقافية تقوم علي تراثنا الزنجي والعربي، والاعتراف بالفوارق الثقافية، وبعث لغات القبائل الافريقية والتوسل بها في التعليم، فالأزمة كانت ولازالت أزمة طريق تطور رأسمالي سارت عليه الطبقات والفئات التي حكمت بعد الاستقلال (مدنية وعسكرية)، وكان من نتاجه عدم الاعتراف بالفوارق الثقافية والاثنية وعدم التصالح معها.
ان طرح الأزمة، بأنها أزمة هوّية فقط تغبش الوعي الطبقي للكادحين ، بعدم تحديد أسباب الأزمة الحقيقية وهي تطلع أقسام من البورجوازية (في الشمال والمناطق المهمشة) للثراء علي حساب الكادحين، وعدم تحقيق التنمية الاقتصادية التي يتم فيها توزيع الفائض الاقتصادي بعدالة والتي يتم فيها اشباع حاجات الجماهير الأساسية في معيشة تليق بالحياة، وتعليم وصحة ، وخدمات “مياه، كهرباء، عناية بيطرية.الخ”، توفير البنيات الأساسية من طرق وكباري .الخ، وإشاعة روح الإنسانية وإعلاء قيمة الإنسان بغض النظر عن دينه أوجنسه.
كما أن خطورة طرح الازمة بأنها أزمة هوّية فقط تؤدي الي الحرب العنصرية والاثنية، وتعمق الاتجاهات العرقية والانفصالية في الشمال، والتي أيضا لها مصلحة في تغبيش الوعي الطبقي للكادحين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.