خرجت الالاف من جماهير شعبنا في مواكب العدالة الخميس 21 مارس ، في وقت ازدادت فيه الحركة الجماهيرية أكثر تلاحما وتنظيما، وتفاقمت أزمة النظام التي وصلت لطريق مسدود بعد فشل الحلول القمعية في احتواء الأزمة، وفشل حالة الطوارئ ومحاكم الطوارئ التي مثل أمامها أكثر من 900 متظاهر في وقف المد الثوري ووجود الجماهير في الشارع ، رغم أكاذيب النظام بعد محاصرته داخليا وخارجيا مثل: حديث وزير العدل أمام عضو مجلس الكونغرس الامريكي أن المعتقلين " لم يتعرضوا لأي معاملة غير انسانية " ، وكأن الاعتقال التحفظي نفسه الذي يتعارض مع حقوق الانسان والدستور معاملة انسانية!! ، ناهيك عن المعاملة السيئة التي يعانوا منها.

كما جاءت مواكب 21 مارس بعد البيان الختامي لقوى " نداء السودان" الذي كان ايجابيا في إعلان وقف الحوار مع النظام علي أساس خريطة الطريق، و اسقاط النظام بتنحي البشير ونظامه واقامة ترتيبات انتقالية ديمقراطية، مما فتح الطريق لقيام أوسع تحالف لاسقاط النظام وقيام البديل الديمقراطي ،وأعطى دفعة قوية لوحدة المعارضة وقطع الطريق أمام خطل دعاوى النظام للحوار بهدف كسب الوقت وخلق شرخ في قوى المعارضة واطالة عمر النظام كما فعل في السابق ، وإعادة إنتاج الأزمة بشكل واسع ، كما اتسع تحالف قوى "الحرية والتغيير" بانضمام تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل وتجمع البيئين السودانيين ، وتجمع الدراميين السودانيين، فالمزيد من الوحدة والتلاحم باعتبار ذلك الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات النظام .

جاءت المواكب أيضا في وقت تزداد فيه تفاقم أزمة النظام ، واعتراف قادة الاسلامويين بانهيار النظام كما في تصريح أحمد عبد الرحمن الذي أشار " للسردبة بس " ، وكما يتضح من المزيد من انهيار ميزانية العام 2019 ، والانهيار الاقتصادي والمالي كما في أزمة السيولة التي هي أعمق من طباعة فئات نقدية جديدة، وسببها الفساد وتهريب العملات والذهب ..الخ ، فرفع قيمة العملات لايحل المشكلة، فالأزمة سياسية ، وحلها رهين بذهاب النظام الفاسد، ولا يجدى ركون النظام للحلول القمعية مثل صرف ما لايقل عن 24 مليار جنية في محاولاته لوقف المظاهرات بلا طائل ، كما فشلت حالة الطوارئ في وقف السوق السوداء لتجارة العملة التي عادت من جديد في ظل حالة الطوارئ ، كما اشتكي وزير النفط اسحاق ادم أن ما تملكه البلاد من النفط لا يكفي فقط لمدة 15 يوما، كما أثرت الطوارئ علي الإنتاج الزراعي علي سبيل المثال : توقع عضو البرلمان الطاهر دفع الله الزاكي "خروج 70% من المنتجين من دائرة الإنتاج بسبب شح السيولة وانعدام الجازولين ، وان حالة الطوارئ أصبحت مهددة للإنتاج ، وارتفع سعر الجازولين في مناطق الإنتاج بولاية سنار ، وأشار إلي أن جركانة الجازولين كانت ب 400 جنية ، ارتفعت ألي 900 جنية بعد الطوارئ" (صحيفة الراكوبة 20 مارس 2019 )، كما توقف التنقيب عن الذهب بالشمالية بسبب أزمة الجازولين، إضافة للارتفاع المستمر في الأسعار والتضخم الذي من المتوقع ارتفاعه بعد طباعة الفئات الجديدة التي لا تحل الأزمة، كما تتفاقم أزمة اغلاق الجامعات الحكومية وخطورة ضياع عام دراسي كامل إذا لم يتم فتحها الشهر المقبل، وأزمة الفساد في صفقة تأجير ميناء بورتسودان الجنوبي التي أجرتها الحكومة لمدة 20 عاما لشركة فلبينية بثمن بخس 530 مليون يورو ، قبضت منها 410 مليون يورو ، ووجدت مقاومة كبيرة من عمال الشحن والتفريغ ، وقوى الثورة السودانية برفض التفريط في أصول وسيادة البلاد .

رغم فشل حالة الطوارئ في حل أزمة السيولة باعتبار أن الأزمة سياسية واقتصادية ومالية ونظام فاسد حتى النخاع ، الا أن النظام ما زال سائرا في خطى الحلول الأمنية والقمعية مثل: صدور أمر الطوارئ رقم (6) الذي يحظر المضاربة في العملة الوطنية وضد تخزينها خارج النظام المصرفي..الخ ، والتهديد بالعقوبات لمدة لا تقل عن 6 شهور ولا تزيد عن عشر سنوات والغرامة ومصادرة الأموال وأماكن التخزين. فالنظام ما زال سائرا في الطريق الخطأ والحلول الأمنية التي سوف تؤدي لتفاقم الأزمة بدلا عن حلها، مما يشير إلي افلاسه وعجزه التام ، مما يعجل بزواله.

كل هذه الأزمات وغيرها سوف يكون لها أثرمباشر علي أوضاع الجماهير المعيشية وتدهورها مما يجذبها للانضمام لقوى الثورة التي تسير في تزايد وتصاعد المقاومة الجماهيرية بمختلف الأشكال.

تدخل ثورة ديسمبر 2018 شهرها الربع وهي أكثر قوة واتساعا وتقدما ، وتزداد الجماهير تنظيما كما في التجمعات الجديدة التي ظهرت مثل تجمع العمال والحرفيين لاسترداد النقابات العمالية وتصحيح مسار العمل النقابي ، وتجمعات الدبلوماسيين والقضاة والعسكريين السابقين الذين أصدروا بياناتهم وطرحوا تقديم كل خبراتهم المهنية في خدمة الثورة، ويبقي ضرورة بعد انضمام تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل لتحالف قوى " الحرية والتغيير " تكوين تجمعات المزارعين في مناطق النيل الأبيض والأزرق والشمالية والشرق. الخ ، وتجمعات الرعاة ، وأصحاب البصات والشاحنات السفرية للدفاع عن مصالح جماهيرها وتكوين اتحاداتها ونقاباتها ، والمشاركة الفعالة في اسقاط هذا النظام الذي ارهقهم بالجبايات ،دون تقديم أبسط الخدمات لهم. كما تزداد الثورة قوة وصلابة بتكوين لجان المقاومة في المدن والأحياء التي وضح أثرها في التنظيم الجيد للمواكب الأخيرة التي خرجت منها ، وتسير في وجهة ايجابية مثل نظافة الأحياء والمدن وحماية البيئة والتشجير ، وحل المشاكل اليومية التي تواجه الأحياء مثل صيانة المدارس والمراكز الصحية والمنتزهات والميادين العامة وحمايتها من البيع ..الخ، مهم توسع لجان المدن والأحياء باعتبارها الركيزة الأساسية لنجاح وحماية الثورة.

كما تتزامن ثورة ديسمبر وهى تدخل شهرها الرابع مع الذكرى 34 لانتفاضة مارس – أبريل 1985 التي جاءت بعد إعلان حالة الطوارئ وقوانين سبتمبر 1983م سيئة الصيت التي دعمها الإسلامويين عندما كانوا متحالفين مع النظام الفاشي، بعد أن ضاق نظام النميري ذرعا بنمو الحركة الجماهيرية والمطلبية المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وضد غلاء الأسعار وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، ولمواجهة اضرابات المعلمين والفنيين والأطباء والقضاء وانتفاضات الطلاب.

كانت تلك الفترة حالكة السواد في تاريخ البلاد تضاعف فيها القهر والفساد والجوع والأمراض وغلاء الأسعار ، والتفريط في السيادة الوطنية ، وفضيحة تهجير اليهود الفلاشا لاسرائيل ، وضرب البلاد الجفاف والتصحر، وبلغت ديون السودان الخارجية 9 مليار دولار، وفاق عدد الأيادي المقطوعة في نصف عام عدد الأيدي المقطوعة في كل عهد الملك عبد العزيز آل سعود في ربع قرن!!. وتم استشهاد الأستاذ محمود محمد طه بعد نفض الغبار عن أحكام محكمة الردة 1968 ، وكان الأستاذ محمود محمد طه قد عارض قوانين سبتمبر ووصفها بأنها اذلت الشعب السوداني، وانفجرت حرب الجنوب بشكل اعنف من الماضي بعد نقض النظام لاتفاقية أديس أبابا التي اوقفت الحرب لمدة عشر سنوات ، وكانت انتفاضة مارس – ابريل 1985 التي اطاحت بنظام نميري عن طريق الاضراب السياسي العام والعصيان المدني بعد وحدة قوي المعارضة السياسية والنقابية.

وبعد انتفاضة مارس – ابريل 1985 استمر الصراع:هل تبقي الدولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع أم دولة دينية؟ ودافعت قوى الانتفاضة عن مدنية وعقلانية الحياة السياسية والدولة ضد اتجاه الجبهة القومية الاسلامية لفرض قانون الترابي الذي يفضي للدولة الدينية وفصل الجنوب وتقويض الديمقراطية ، وتمت هزيمة مشروع قانون الترابي.

بعد أن ضاقت الجبهة الإسلامية بالديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية، عملت علي تخريب النظام الديمقراطي ووقفت ضد اتفاقية الميرغني – قرنق للسلام مع الجنوب حتى نفذت انقلاب 30/يونيو/1989 الذي صادر الديمقراطية والنقابات و الحقوق والحريات الاساسية، وشرد أكثر من 350 مواطنا من الخدمة المدنية والنظامية ، إضافة لخصخصة ممتلكات الدولة وتشريد الالاف من العاملين، وأقام دولة التمكين والاقصاء ، مما أدي لهجرة الملايين خارج البلاد ، واقام دولة فاشية باسم الدين كانت وبالا ودمارا علي البلاد ، وازدادت وتوسعت حرب الجنوب التي اتخذت طابعا دينيا ، وبلغت خسائرها 2 مليون نسمة، وشردت 4 ملايين الي خارج وداخل السودان، وتعمقت الفوارق الطبقية واصبحت الثروة مركزة في يد أقلية طفيلية إسلاموية ،حتى أصبح 95% من السكان يعيشون تحت خط الفقر ، ورغم استخراج وانتاج وتصدير البترول الا أن عائده لم يدعم الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي والتعليم والصحة والخدمات، وتم نهبه وتهريب العائد للخارج والذي يقدر ب أكثر من 100 مليار دولار ، إضافة لنهب عائدات الذهب التي تقدر بأكثر من 40 مليار دولار، وتوقفت عجلة الإنتاج والتنمية وانهارت المشاريع الصناعية والزراعية وانتشر الفساد بشكل لا مثيل له في السابق، وتعمقت التبعية للعالم الرأسمالي حيث بلغت ديون السودان الخارجية 54 مليار دولار، وتم تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي (الخصخصة، سحب الدعم عن السلع الأساسية، رفع الدولة يدها عن خدمات التعليم والصحة، بل ما تم كان اسوأ مما يحدث في العالم الرأسمالي نفسه). ونتيجة للضغوط الداخلية والخارجية تم توقيع اتفاقية نيفاشا والتي افرغها نظام الانقاذ من محتواها باصراره علي الدولة الدينية، وكانت النتيجة انفصال الجنوب واندلاع الحرب مجددا في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وابيي، وماساة الحرب في دارفور التي راح ضحيتها 300 ألف شخص ، وتشريد1,5 مليون مواطن ، مما جعل رئيس النظام ورموزه مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية التي حاكمت قبل يومين مجرم الابادة السابق كاردتش في صربيا بالسجن 40 عاما .

لا بديل غير الديمقراطية وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتحسين الوضاع الاقتصادية والمعيشية و الدستور الديمقراطي الذي يكرّس دولة المواطنة التي تحقق المساواة بين الناس غض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة أو اللغة، وهذا يتطلب مواصلة الثورة حتي الاضراب السياسي العام والعصيان المدني لاسقاط النظام وقيام البديل الديمقراطي..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.