كما طائر الفينيق تنبعث الثورات في المنطقة العربية، فقد تزامن مع الثورة السودانية نهوض الحركة الجماهيرية التى تصاعدت منذ انفجار الثورات في المنطقة العربية : تونس، مصر، اليمن ، سوريا، ليبيا، والتي امتدت حاليا لتشمل: الجزائر، العراق ، لبنان ، وايران ، وامتداداتها في العالم كما في : حركة " السترات الصفراء" في فرنسا ، والاكوادور وشيلي ..الخ ، التي قامت احتجاجا علي السياسات الاقتصادية التي قامت علي التحرير الاقتصادي ورفع الدعم عن السلع وخدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء ، وتدهور البيئة. الخ ، كما في روشتة صندوق النقد الدولي المدمرة للشعوب، والفساد والمحاصصة الطائفية والثراء الفاحش للطغمة الحاكمة واستغلال الدين للمزيد من القمع والنهب ، ونهب الشركات الرأسمالية لثروات وموارد الشعوب وافقارها .

ما يحدث من ثورات انعكاس لتجليات الأزمة الرأسمالية العالمية في صورتها الراهنة، وخطل معالجتها لقطع الطريق أمام نلك الثورات ب" الهبوط الناعم" او التسوية التي سرعان ما تنهار وتعيد إنتاج الأزمة بشكل اعمق من جديد، كما حدث في تسوية "الهبوط الناعم" بهدف قطع الطريق أمام ثورة ديسمبر العظيمة والوصول لأهدافها وترسيخ الديمقراطية ، واستمرار ربط البلاد بالأحلاف العسكرية ( حلف اليمن) ، والاتفاقات العسكرية التي فرطت في السيادة الوطنية، مما يتطلب مواصلة النضال لالغائها، واستعادة اراضي السودان المحتلة في حلايب وشلاتين والفشقة. الخ.
الواقع أن ما حدث هو تراكم لنضال طويل خاضته شعوب المنطقة ، ما أن تخبو ناره حتى تشتعل من جديد، حيث بدأت المرحلة الأولي من النهوض والتحولات الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية: ونهوض حركات التحرر الوطني في بلدان المستعمرات وخاصة في افريقيا والعالم العربي ، وقيام المعسكر الاشتراكي والثورة الصينية والكوبية والفيتنامية.الخ.
وكان لهذا الزخم تأثيره علي العالم العربي ومنطقة الشرق الاوسط، فكانت حركة محمد مصدق التي اكدت السيادة الوطنية علي موارد ايران النفطية، وكذلك قيام الثورة المصرية عام 1952م التي اسقطت النظام الملكي الاقطاعي في مصر الموالي للاستعمار البريطاني والمد الثوري الذي بدأ يحدث في المنطقة نتيجة لتأميم قنال السويس وقيام الصناعة الوطنية في مصر ومقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين والأراضي العربية، والوقوف ضد الأحلاف العسكرية الامريكية، وظهور حركة عدم الانحياز ، والثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي ، وثورة اليمن ضد الاحتلال الانجليزي، ونهوض الحركة الوطنية في العراق والتي أدت لقيام ثورة 14 يوليو في العراق ضد نظام نوري السعيد عام1958 بقيادة عبد الكريم قاسم. وقيام الانقلابات العسكرية في سوريا التي طرحت مهام وطنية، واعلان حركة المقاومة الفلسطينية (فتح) عام 1965.الخ.
ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي بدأت موجة الانحسار في المد الثوري، وتراجع الانظمة الوطنية بسبب تناقضاتها الداخلية والضغوط الخارجية مثل العدوان الاسرائيلي في 5 يونيو 1967م.
وكان من اهم عوامل ضعف الانظمة الوطنية التي قامت في مصر والعراق وسوريا وليبيا.الخ ، مصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية والنقابية وفرض نظام الحزب الواحد أو نظام الجبهات الوطنية ذات الأحزاب أو الأقمار التابعة للحزب القائد فيها، والاعتماد علي أنظمة الحكم البوليسي المخابرات، وقيام فئات رأسمالية طفيلية عسكرية ومدنية احتكرت السلطة والثروة وافقرت الملايين من الجماهير الكادحة.
استمر الانحسار في المد الثوري لحوالي اكثر من ثلاثة عقود من الزمان وازداد عمقا بعد فشل التجربة الاشتراكية ، وسيطرة القطب الواحد وحلفائه عسكريا واقتصاديا علي العالم، ودعم امريكا لتلك الانظمة المعادية لشعوبها ( مصر ، تونس، اليمن،.الخ)، والذي كانت آثاره جلية في الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، والمخطط الأمريكي للسيطرة الاقتصادية والعسكرية علي المنطقة بالدعم الاسرائيلي باسم مايسمي بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" والحديث الزائف عن الديمقراطية في المنطقة والذي نفته مواقف امريكا التي كانت داعمة للأنظمة الاستبدادية التي اطاحت بها الثورات الشعبية في المنطقة مثل : تونس ومصر.الخ، والتغاضي عن تزوير العملية الانتخابية في السودان التي قام بها المؤتمر الوطني الحاكم، ودعمها لأنظمة القرون الوسطي الاستبدادية والمعادية لحقوق الانسان وحرياته الأساسية في منطقة الخليج.
اضافة للسعي الدوؤب لتمزيق وحدة البلدان العربية والافريقية حتي يسهل السيطرة عليها من خلال تكريس الفتنة الدينية والطائفية والاثنية في مصر وسوريا والعراق واليمن ودول الخليج ( الصراع بين الاقباط والمسلمين، السني / الشيعي، العربي/ الكردي.الخ)، وتمزيق وحدة الكيان الفلسطيني، ودعم الكيان الصهيوني في الصراع العربي/ الاسرائيلي، والتعاون مع حركات الإسلام السياسي لمصادرة الديمقراطية في المنطقة، اضافة لتمزيق وحدة السودان بعد فصل جنوب السودان.
الآن تدخل المنطقة في فترة جديدة من النهوض الجماهيري والمد الثوري،حيث قامت الثورات الشعبية في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا .الخ، رغم أنها لم تصل لأهدافها النهائية ، الا أن أهم ما ميز هذه الثورات أنها كانت مصممة علي اقتلاع الديكتاتورية وانتزاع الحقوق والحريات الديمقراطية والنقابية والتعددية السياسية والفكرية ، ومحاربة الفساد والمفسدين وتحسين الاوضاع المعيشية والثقافية للكادحين، والا يكون التغيير فوقيا مع الابقاء جوهر النظام البائد كما يتضح من تجارب مصر وتونس.
هذا المد الثوري سوف يستمر لفترة طويلة، طالما استند علي قواعد جماهيرية صلبة كالتي نشاهدها الآن بعد انفجار الموجة الثانية للثورات في( لبنان ، العراق، الجزائر، ايران ،. الخ)، مما يتطلب أوسع تضامن معها وضد القمع الوحشي ، والوقوف معها حتى تصل للحكم المدني الديمقراطي وتحسين الأوضاع المعيشية والسيادة الوطنية واستعادة الأراضي المحتلة من الكيان الصهيوني ، واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. وحتما سوف تصل الثورات لأهدافها طالما كانت جذوتها متقدة..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.