نواصل في هذا المقال بمناسبة الذكرى الأولي لثورة ديسمبر 2018 ، بالاشارة لضمان استمرارها ونجاح الفترة الانتقالية، وسط الأمواج المتلاطمة للمؤامرات الداخلية والخارجية لاجهاضها، وافراغها من مضمونها وتجميدها، وتدجين واختراق أدوات الجماهير القاعدية التي قادت الثورة من لجان المقاومة في الأحياء ومجالات العمل والدراسة والنقابات.

* جاءت ثورة ديسمبر استمرارا لتقاليد شعبنا الثورية والقانون الأساسي لثوراته ضد الأنظمة الاستعمارية والديكتاتورية التي تبدأ بتراكم المقاومة الجماهيرية ضدها التي ما أن يتم اخماد كل منها علي أنفراد حتي تشتعل من جديد في مواقع أخري ، ويستمر التراكم النضالي حتي الثورة أو الانتفاضة الشاملة التي تطيح بالنظام بعد توفر الظروف الموضوعية والذاتية للثورة والتي أهمها أن تصبح الحياة لا تطاق من الجماهير ووجود القيادة الثورية التي علي استعداد لقيادة الثورة حتي النصر، حدث ذلك في الثورة المهدية 1885 التي اتخذت شكل الكفاح المسلح ، وثورة الاستقلال 1956 التي اتخذت شكل النضال السلمي الجماهيري ، وثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة مارس – أبريل 1985 اللتين اتخذتا شكل النضال السلمي الجماهيري وأطاحت بالنظام عن طريق الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الذي أصبح من التجارب الراسخة في تاريخ السودان الحديث وكسلاح تشهره الجماهير عندما تنضج الظروف الموضوعية والذاتية لتغيير الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة التي تسومها سوء العذاب بمصادرة حقوقها وحرياتها الأساسية والحروب والفقر والمسغبة والدمار ، ونهب ثروات البلاد والتفريط في أراضيها وسيادتها الوطنية.
* ما يميز ثورة ديسمبر الحالية أنها واجهت تنظيما إسلامويا فاشيا بمليشياته الدموية سخر كل موارد وثروات البلاد لمصلحة وحماية أقلية طفيلية إسلاموية ضيقة ، وبذل جهدا كبيرا في أن يسد منابع الثورة باقتلاع المؤسسات الحديثة والخدمية والمشاريع الزراعية والحيوانية في المدن والريف ، فقام بتصفية وخصخصة السكة الحديد والنقل النهري والخطوط الجوية والبحرية ، والمصانع وقومية الخدمة المدنية والنظامية والتعليم ، ومشاريع الجزيرة والنيل الأبيض والأزرق والقاش وطوكر وجبال النوبا.الخ ، وحاول السيطرة علي النقابات تحت اسم نقابة المنشأة ودمجها في الحزب الحاكم كما فعل نظام النميري.
* كما فعل الاستعمار البريطاني عمق النظام سياسة " فرق تسد " باحياء عصبية القبيلة والتناحر القبلي والعنصري ، وسؤال القبيلة في الوثائق الرسمية ، والتمييز بسبب الدين، وقمع المرأة ، في محاولة يائسة لضرب وتدمير الوطنية السودانية وقيم التسامح الديني التي تبلورت قبل حوالي قرنين من الزمان، في المدن والمشاريع الحديثة ومؤسسات التعليم والخدمة المدنية والنظامية ، وأشعل نيران الكراهية والعنصرية ، ونيران حرب الابادة في الجنوب وجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور ، وارتكب جرائم حرب أدت إلي أن يكون رموز النظام مطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية. كما مارس النظام اسوأ أنواع القمع في تاريخ السودان الحديث من تشريد لأكثر من 350 ألف من الخدمة المدنية والنظامية ، إضافة لما تم تشريدهم بسبب الخصخصة وبيع أصول وممتلكات الدولة والقطاع العام.، كما مارس التعذيب الوحشي للمعارضين السياسيين والنقابيين بهدف كسر اراداتهم.
* قام النظام بالدعوات الكاذبة للحوار والحلول الجزئية ونقض العهود والمواثيق بهدف اطالة عمره، مما أدي لفصل الجنوب وإعادة إنتاج الحرب والأزمة بشكل أعمق من السابق.
قام بتفتيت الأحزاب وقوى المعارضة، باستخدام سياسة "سيف المعز وذهبه" ، واحتكار السلاح والإعلام والمال بضرب الرأسمالية الوطنية المنتجة ، بهدف إطالة عمره ، والإعلان غير الرسمي لحالة الطوارئ لمدة ثلاثين عاما.
كل هذا القمع المهول لم يحمى النظام ، ربما يكون قد أطال عمره ، لكن مقاومة شعب السودان لم تتوقف في الداخل و الخارج . استمر التراكم النضالي الذي فت من عضد النظام ، حتي انفجر في ثورة ديسمبر الحالية بعد أن نضجت ظروفها الموضوعية والذاتية.
* أكدت تطورات الأحداث أن الأوضاع بعد هذه الثورة واستمرارها لن تكون كما كانت في السابق ، وأن تحولا سياسيا واجتماعيا وفكريا بدأ يتخّلق، ارتفعت فيه رايات الوطنية السودانية ، وشعارات الديمقراطية وحكم القانون واستقلال القضاء ، وقيم التسامح واحترام المرأة ورفض التمييز ضدها، ودولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة أو الجنس ، استنادا للتجربة المريرة التي عاشها شعب السودان الذي أدرك أن سر قوته في وحدته ، وسلمية وجماهيرية الثورة ، ولا بديل غير السير قدما حتي نجاح الفترة الانتقالية وتفكيك النظام الفاسد ومؤسساته القمعية والاقتصادية والإعلامية.
* هزت الثورة ساكن النظام وفشل القمع في اخماد نيرانها بما في ذلك حالة ومحاكم الطوارئ التي زادت نيران الغضب ضده ، واعادت للاذهان أيام الديكتاتور نميري الأخيرة التي أعلن فيها حالة ومحاكم الطوارئ بعد تطبيق قوانين سبتمبر 1983 بهدف وقف المقاومة الجماهيرية التي كانت متنامية ضده، لكن ذلك لم يعصم النظام من مصيره وسقط في انتفاضة ابريل 1985.
*واجه النظام حصارا من الراي العام المحلي والعالمي بسبب استخدامه للقمع المفرط بالضرب بالهراوات والغاز المسيل للدموع، واطلاق الرصاص الحي مما أدي لاستشهاد الكثيرين ، وجرح المئات ، واعتقال الآلاف ، والتعذيب الوحشي للمعتقلين حتي الاستشهاد ، واقتحام البيوت وحرقها ب" البمبان" ، وخرق الدستور بإعلان حالة ومحاكم الطوارئ والأحكام بالسجن والغرامة والجلد للمشاركين في المظاهرات والمواكب السلمية التي يكفلها الدستور.
إضافة لمجزرة فض الاعتصام البشعة التي فشلت في اخماد نيران الثورة ، بل زادتها اشتعالا واستمرار المطالبة بالقصاص ولجنة التحقيق الدولية المستقلة.
* ما زالت الثورة مستمرة بمختلف الأشكال من مليونيات ومظاهرات ووقفات احتجاجية وعرائض واضرابات.الخ ، رغم التسوية بعد التوقيع علي الوثيقة الدستورية التي كرّست هيمنة المكون العسكري وقننت دستوريا مليشيات الدعم السريع ، وابقت علي التحالفات العسكرية الخارجية التي زجت بالسودان في محور حرب اليمن واستمرار ارسال القوات لها، وابقت علي القوانين المقيدة للحريات، واعادت إنتاج السياسات الاقتصادية التي ابقت علي استمرار التبعية لمؤسسات الرأسمالية العالمية من بنك وصندوق نقد دوليين، والخضوع لشروطهما في تخفيض العملة ورفع الدعم عن السلع ، والاعتماد علي العون الخارجي بديلا للتوجه للداخل ، والاسراع في استعادة الأموال المنهوبة ، واصلاح النظام المصرفي، وعودة شركات المؤتمر الوطني والجيش والدعم السريع من ذهب وغيرها للمالية. الخ.

* كما رفض بعض أفراد القوات النظامية في الجيش والشرطة ضرب المواطنين العزل مما أدي لفصلهم من الخدمة، مما يتطلب مواصلة النضال لعودتهم مع المفصولين العسكريين من النظام الفاسد ، ورفض بعض القضاة العمل في محاكم الطوارئ التي نسفت أسس الاجراءات للمحاكم العادلة التي تكفل حق الدفاع والاستماع لشهود الدفاع..الخ، وغير ذلك من تفكك وتصدع بنية النظام القمعية وتنظيماته الفوقية.
* أكدت الثورة استمرار جذوة الثورات في المنطقة العربية " الربيع العربي" ضد الأنظمة الفاسدة التي امتدت لتشمل شعوب اوربا وأمريكا وبلدان أمريكا الجنوبية" شيلي ، الأكوادور. الخ" ، وتزامنت مع ثورة شعب السودان ثورة الشعب الجزائري ضد العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة. كما وجدت تضامنا واسعا من شعوب العالم والأحزاب الشيوعية والعمالية والوطنية ومنظمات حقوق الإنسان، وبعض الدول التي استنكرت القمع الوحشي للمظاهرات السلمية وحالة الطوارئ وطالبت باحترام حقوق الانسان واطلاق سراح المعتقلين فورا.
طرحت الثورة قضايا مهمة تحتاج لمتابعة انجازها ومواصلة النضال من أجلها مثل :
- سياسة خارجية تقوم علي الاحترام والمنفعة المتبادلة وحسن الجوار والسيادة الوطنية ، وعدم الارتباط بالاحلاف العسكرية ، وسحب القوات السودانية من اليمن .
- استعادة اراضي وموانئ السودان مثل " حلايب وشلاتين والفشقة وسواكن..الخ.
- استرداد أموال الشعب المنهوبة التي هرّبها الإسلامويون الفاسدون إلي دول مثل ماليزيا التي تبلغ عشرات المليارات من الدولارات إضافة لقيمة الأصول في تلك الدول ، مما دمر اقتصاد البلاد وأوصلها للدرك السحيق الذي تعيشه الآن. إضافة لفتح ملفات صفقات تأجير وبيع ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية التي بلغت مدة بعضها 99 عاما ، واستعادة اصول وممتلكات الدولة المنهوبة.
- الخروج من الحلقة المفرغة " ديمقراطية – انقلاب- ديمقراطية..الخ " ، وقيام نظام ديمقراطي راسخ ومستدام تتصارع فيه الطبقات والأحزاب ببرامجها المختلفة بحرية ، وحل مشاكل الديمقراطية بالمزيد من الديمقراطية ، وعدم إعادة إنتاج الأزمة بتسويات تبقي علي جوهر النظام السابق مع تعديلات شكلية في رأس النظام، ولابديل غير تفكيك النظام وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وقومية القوات النظامية وتفكيك المليشيات " دعم سريع ، الدفاع الشعبي . الخ".
- الترتيبات الأمنية والحل الشامل والعادل لقضايا مناطق الحروب بوقف الحرب ، وتسليم البشير والمطلوبين للجنايات الدولية، وعودة النازحين لأراضيهم وتعويضهم ، وعودة المستوطنين لمناطقهم والتنمية المتوازنة ، ودولة المواطنة التي تسع الجميع، وقيام المؤتمر الدستوري الذي يحدد شكل الحكم ، واعداد دستور ديمقراطي بمشاركة الجميع ، وقانون انتخابات ديمقراطي بمشاركة، يفتح الطريق لقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية تشارك فيها كل المناطق المتأثرة بالحروب ، وعدم الوقوع في خطأ التسرع في قيام انتخابات مبكرة تجاهلت مناطق الحروب ، كما حدث بعد ثورة أكتوبر1964 ، وانتفاضة أبريل 1985.
- قيام الخدمة المدنية علي أساس المهنية والكفاءة والشفافية ، لا علي محاصصات سياسية، تعيد إنتاج أساليب النظام الإسلاموي الفاسد .
وأخيرا ، فان ضمان نجاح الفترة الانتقالية رهين بترسيخ الاتي:
* انتشال الوطن من الانقاض والدمار الفظيع الذي تعرض له علي أساس الوطنية السودانية ، وترسيخ الديمقراطية ودولة القانون واستقلال القضاء ، والقصاص للشهداء ومتابعة المفقودين ،وفصل السلطات التنفيذية – التشريعية – القضائية ، وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والاتحادات والصحافة والتعبير والنشر، وحل وتفكيك المليشيات والتمكين في كل مفاصل الدولة. الخ.
* قيام دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو الثقافة أو العرق أو اللون أو الجنس.
*وقف الحرب بالحل العادل لقضايا مناطق الحروب الذي يخاطب جذور الأزمة
* وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية والتنمية المتوازنة بين أقاليم السودان.
* إعادة تأهيل المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية ودعم الصادر وتقوية الجنية السوداني ، وتوفير فرص العمل للعاطلين ، وجذب الكفاءات السودانية للمشاركة في تنمية ونهضة البلاد.
* التسوية العادلة بدون تسويف لأوضاع المفصولين تعسفيا.
* سياسة خارجية تقوم علي المنفعة المتبادلة والسيادة الوطنية وحسن الجوار.
*توفير حق ومجانية التعليم العام والعلاج والخدمات.
*قيام المؤتمر الدستوري ، وإجازة دستور ديمقراطي بمشاركة الجميع، والمحاسبة
* إعادة ممتلكات وثروات البلاد المنهوبة.
*قانون انتخابات ديمقراطي لضمان انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.
* كل ذلك عبر النضال المثابر لنجاح الفترة الانتقالية واحباط مؤامرات القوى المضادة للثورة لاجهاضها ونسفها كما في المحاولة المفضوحة لموكب الزحف الأخضر يوم 14 / 12 .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.