كانت اجراءات حكومة النميري في مارس 1985 بعد الخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين في تخفيض سعر صرف الجنية مقابل الدولار ،وتدهور الأوضاع المعيشية القشة التي قصمت ظهر البعير،فتمّ انفجار الشعب السوداني في انتفاضة أبريل 1985 التي نعيش ذكراها هذه الأيام، واسقاط حكم الفرد.
تضافرت عوامل كثيرة تراكمت علي مدي 16 عاما من حكم النميري أدت لاسقاطه منها : تصاعد المقاومة الجماهيرية والعسكرية ، القمع المتواصل للحركة الجماهيرية الذي انتهي بقوانين سبتمبر 1983 ، واستشهاد محمود محمد طه ، ومجاعة 1983 / 1984 ، وتصاعد الحرب في الجنوب بعد خرق النميري لاتفاقية اديس ابابا ، وصب الزيت علي نار الحرب بتطبيق قواين سبتمبر 1983 ، والتفريط في السيادة الوطنية مثل : اشتراك السودان في قوات النجم الساطع، وفي اتفاقية الدفاع المشترك ، وتمدد الاستخبارات الامريكية في البلاد حتى اصبح السودان مستعمرةً أمريكية، اضافة لترحيل الفلاشا لاسرائيل، وتكوين التجمع الوطني لانقاذ الوطن من القوى السياسية والنقابية في آخر أيام النميري الذي قاد الانتفاضة.
لكن ما يهمنا في هذا المقال التركيز علي أثر تنفيذ شروط صندوق النقد والبنك الدوليين علي تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الذي كان من العوامل الرئيسية في انفجار الانتفاضة.
معلوم تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية منذ خضوع حكومة النميري لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين في العام 1978، مما قاد لتدهور سعر الصرف للجنية السوداني مقابل الدولار علي سبيل المثال: تراجع سعر صرف الجنية من 3,14 دولار في 25 مايو 1969 الي 2,8 دولار عام 1975، إلي 2,5 دولار عام 1978 ، ثم الي حوالي 4, دولارعام 1985.
إضافة لارتفاع المديونية الخارجية الي 9 مليار دولار في عام 1985 ، وتصاعدت تكاليف المعيشة خاصة بعد عام 1978 ، بعد أن قامت الحكومة بايقاف مشاريع التنمية وسحب الدعم الحكومي من السلع الضرورية ، فضلا عن المجاعة والجفاف عام 1983 / 1984 والنزوح الكثيف الذي حدث للمدن ، وتصاعد الحرب الأهلية في الجنوب التي وصلت نفقاتها الي مليون دولار في اليوم ، مما زاد الجماهير رهقا علي رهق.
أدي تدهور الأوضاع المعيشية الي خروج عمال السكة الحديد في موكب بتاريخ 7 مارس 1985 يرفض الزيادات في الأسعار، وفي 10 مارس خرج موكب موظفي السكة الحديد ، وتواصلت المظاهرات في المدينة لأيام، حتى دخلو في اضراب مفتوح ، فقد كان عمال السكة الحديد من المبادرين بتفجير الانتفاضة ، كما بادر مواطنو عطبرة بعد الدمازين في تفجير ثورة ديسمبر 2018 التي استمرت حتى اسقاط البشير في 11 أبريل 2019 .
ثم بعد ذلك جاءت الطامة الكبرى أو نقطة التحول الحرجة التي اطاحت بالنظام ، عندما أعلنت الحكومة في 25 مارس 1985 برنامج صندوق النقد الدولي التقشفي ، فتم تخفيض سعر الجنية السوداني مقابل الدولار 150 % ، كان سعر الدولار 1 جنية ارتفع الي 2,5 جنية ، والارتفاع الجنوني في اسعار السلع والمحروقات، مما أدي لانفجار الشارع ، الذي بدأ بتحرك طلاب الجامعة الإسلامية وانضم اليهم عمال المنطقة الصناعية، وكانت الهتافات " مليون شهيد لعهد جديد" ، لا متاجرة باسم الدين "..الخ وخرجت الخرطوم في مظاهرات هادرة ، وبعد ذلك تحرك الأطباء في مستشفي الخرطوم واتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وبقية المدن السودانية.. الخ، وتم تكوين التجمع الوطني لانقاذ الوطن من القوى السياسية والنقابية الذي قادة الانتفاضة والاضراب السياسي العام والعصيان المدني حتى تدخل القيادة العامة بقيادة سوار الذهب لانهاء بحكم الفرد لتبدأ فترة جديدة من الصراع.
الجدير بالذكر أنه بعد انقلاب 30 يونيو 1989 الذي نفذه الإسلامويون ، اندفع حمدى وزير المالية في تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي ، واقتصاد السوق والخصخصة ونهب وتفكيك القطاع العام وتشريد العاملين ، وسحب الدعم عن الصحة والتعليم ، الانخفاض المستمر في سعر صرف الجنية السوداني ، مما أدي لتدهور الأوضاع المعيشية وتزايد الفقر ، واستمر السير في سياسة الصندوق والتخفيض المتوالي والزيادات في أسعار السلع وتدهور المعيشة ،وفي ديسمبر 2018 ، كان الدولار يساوي 59 جنية ( 59 الف بعد سحب الثلاثة اصفار)، مما أدي لاندلاع ثورة ديسمبر 2018.
والأن تجاوز الدولار 120 جنيها ( 120 إلف) ، رغم هذا التدهور يطل علينا وزير المالية البدوي ويطالب برفع الدعم ، والاستمرار في سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين التي دمرت الاقتصاد السوداني وفاقمت الأوضاع المعيشية والاقتصادية، فما لكم كيف تحكمون؟!!



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.