نتابع في هذه الدراسة تجربة فشل الفترة الانتقالية والديمقراطية الثانية بعد ثورة أكتوبر والتي جرت فيها مذبحة الديمقراطية بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ، وانتهاك استقلال القضاء، ومحكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه ، وتعميق حرب الجنوب بالاستغلال الفاضح للدين في السياسة بالدعوة للجمهورية الرئاسية الإسلاموية، والفشل في عمل دستور دائم للبلادـ مما أدي لتقويض الديمقراطية الثانية بانقلاب 25 مايو 1969 الذي كان الأثر الكبير في تدمير البلاد كما هو الحال الآن ، وكنا قد تابعنا في دراستين سابقتين فشل تجربة الفترتين الانتقاليتين بعد انتفاضة أبريل 1985 ، ونيفاشا 2005 ، وسنري أن سمات الفشل متقاربة إن لم تكن متطابقة، حيث لم يتم الاستفادة من التجارب الماضية في قيام نظام ديمقراطي مستقر ، بسبب السياسات والمصالح الطبقية لقادة الأحزاب التقليدية والاسلامويين والدوائر الخارجية التي تدخلت في الشؤون الداخلية لخدمة مصالحها لنهب موارد البلاد الاقتصادية، والسير في طريق التنمية الرأسمالية الذي كرّس التبعية والتبادل غير المتكافئ ، مما كرّس الفقر والتخلف، ساعدت في ذلك الانقلابات العسكرية التي قوضت التجارب الديمقراطية الثلاث. والآن نخوض تجربة ديمقراطية رابعة بعد ثورة ديسمبر 2018، تتطلب اليقظة وتشديد النضال والصراع من أجل نجاحها ، ومن المهم الا تتكرر مآسي فشل التجارب الثلاثة، ونبقي مثل أل بروبون الذين عادوا بعد انتكاسة الثورة الفرنسية للسياسات السابقة نفسها التي أدت للأزمة " لم ينسوا شيئا ، ولم يتعلموا شيئا"، فلا خير في تجربة لا تُورث حكمة.
* بعد ثورة أكتوبر، ونجاح الاضراب السياسي والعصيان المدني الذي قادته جبهة الهيئات، تمّ تكوين الحكومة الانتقالية الأولي بعد مفاوضات بدأت في البداية بين جبهة الأحزاب وقيادات من القوات المسلحة ، وفي وقت لاحق انضم اليها مندوبو جبهة الهيئات، وحزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي.
كان برنامج الفترة الانتقالية للحكومة الجديدة : حل مشكلة الجنوب ووقف الحرب الأهلية، ومكافحة الفساد ، وحل مشاكل الجماهير المعيشية والاقتصادية، واعداد قانون انتخابات لانتخاب جمعية تأسيسية في نهاية الفترة الانتقالية لاعداد دستور دائم للبلاد.
جاء تكوين الحكومة من جبهة الهيئات وتمثيل للعمال والمزارعين والأحزاب ، والقيادات العليا في القوات المسلحة، برئاسة سرالختم الخليفة. كانت المطالب : إقالة عبود ومحاكمة أعضاء المجلس العسكري ، وإعادة تنظيم الإدارة الأهلية، دعم جبهة الهيئات، تصفية الخدمة المدنية من قيادات النظام السابق الفاسدة، وقانون انتخابات ديمقراطي يتم فيه تمثيل المرأة و العمال والمزارعين والخريجين ، وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات وتوسيع الحقوق الديمقراطية، وإلغاء قانون 1960 للنقابات واستبداله بقانون ديمقراطي يؤكد ديمقراطية واستقلالية الحركة النقابية، وتطبيق شروط الخدمة للعمال في القطاع العام في القطاع الخاص وزيادة أجورهم ، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ووقف الحرب والحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب..الخ.
رغم الضعف الذي لازم قوى الثورة مثل : أن الاضراب العام لم تسنده فصائل مسلحة ، والتآمر في المفاوضات التي كانت ترمى لتسليم السلطة للقوي التقليدية ، وعزل الحزب الشيوعي من المفاوضات في بداية الأمر ، الا أنه قامت حكومة انتقالية ذات طبيعة وطنية الغالب فيها أنها معادية للاستعمار،وكان من أهم الانجازات علي سبيل المثال لا الحصر:-
- إلغاء الأوامر الدستورية التي اصدرها الحكم العسكري ( 1958- 1964)، والعودة لدستور 1956 الانتقالي المعدل 1964 الذي كفل في الفصل الثاني الحقوق والحريات الأساسية ، حق الحرية والمساواة، حرية الدين والرأي وحق تأليف الجمعيات، وحظر القبض علي الأشخاص ومصادرة ممتلكاتهم، التمتع بالحقوق الدستورية، واستقلال القضاء، وأكد في الفصل الثالث: أن السلطة القضائية هي حارسة الدستور ، ولها اختصاص النظر والحكم في أي مسألة تشمل تفسيره أو تطبيق الحقوق والحريات الممنوحة بموجبه.
- إلغاء قانون الجامعة لسنة 1960 ، واطلاق سراح المعتقلين ، وإعادة جميع الضباط الذين فُصلو من الخدمة في ظل الحكم العسكري.
- الغاء قانون النقابات للعام 1960 والعودة لقانون 1948 المعدل 1966 الذي كفل حرية العمل النقابي و تكوين الاتحادات النقابية، وتمّ الاعتراف باتحاد العمال.
- وضعت حكومة سرالختم الخليفة مشكلة الجنوب علي رأس أولوياتها ، وضمت حكومته وزراء من الجنوب، لأول مرة تولي كلمنت امبور وزارة سيادية ( وزارة الداخلية)، وسعت لعقد مؤتمر المائدة المستديرة حتى انعقد في 1965 حول مشكلة الجنوب ، رغم أن المؤتمر لم يتمكن من الوصول لقرار جماعي حول المسائل الادارية والدستورية ، لكنه استطاع تكوين لجنة الاثني عشر التي أُسند اليها مهمة البحث عن حل في ذلك الخصوص ، كما نجح المؤتمر في التعرف علي وجهات نظر القادة الجنوبيين وطبيعة تلك المشاكل ، وضرورة اتخاذ خطوات عملية لحلها.
- اتساع التضامن مع حركات التحرر الوطني في المنطقة كما حدث مع ثورات وحركات : الكونغو ، والمؤتمر الوطني بجنوب أفريقيا ، والشعب الاريتري، والجزائر وفلسطين، والجمهورية العربية المتحدة، الخ .
- صدر قانون الانتخابات للعام 1965 الذي أعطي النساء حق التصويت والترشح للمرة الأولي في تاريخ البلاد، وتخفيض سن الناخب من 21 سنة كما في قانون الانتخابات 1953 الي 18 سنة، وأعطي للخريجين 15 دائرة، لكن من عيوبه: لم يمثل العمال والمزارعين ، وتراجع عن تمثيل مناطق الإنتاج والوعي كما حدث في قانون 1953 ، وقسّم الدوائر عدديا محضا.
* كان زخم ثورة أكتوبر كبيرا ، وتعبيرا عن تراكم النضال ووعي شعب السودان وصراعه من أجل تجديد حياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واستقلال السودان، أدي ذلك الزخم لاستيقاظ الريف السوداني ، والوعي بأهمية التنمية وتوفير خدمات التعليم والصحة والخدمات البيطرية والاصلاح الزراعي الديمقراطي ، ومحو الأمية، والدفاع عن مصالح فقراء المزارعين والرعاة ، وبرزت تنظيمات أبناء تلك المناطق للدفاع عن تلك المطالب بعد فشل الأحزاب التقليدية في تلبيتها، وانشغالها بكراسي الحكم، وقامت تنظيمات جبهة أبناء دارفور وجبال النوبا ، واتحاد جنوب وشمال الفونج والروابط القبلية في المدن، وقبل ذلك تأسس مؤتمر البجا في شرق السودان في أكتوبر 1958، واتسعت دائرة الاشتراكية والديمقراطية و ظهرت أحزاب وتنظيمات وحركات جديدة مثل: تنظيمات الاشتراكيين الديمقراطيين، وحركة الاشتراكيين العرب. الخ، بالتالي حرّكت ثورة أكتوبر ساكن الحياة في الحضر والريف، مما اصاب القوى التقليدية بالهلع ، واصبحت تضع المتاريس وتحيك المؤامرات لانتكاسة الثورة كما حدث في الآتي:
- المحاولة الانقلابية في 9 /11/ 1964 التي واجهتها الجماهير في ( ليلة المتاريس) وتمّ احباطها بعد اعتقال جميع أعضاء المجلس الأعلي السابق وترحيلهم الي زالنجي، واستقال الفريق عبود وأُعطي مرتب تقاعدي.
- الفوضي والفتنة القبلية كما حدث يوم الأحد 6 /12 / 1964 ( الأحد الأسود الدامي) الذي قتل فيه 14 شخصا ، وجرح اكثر من 400 شخص.
- حادث واو يوم 11/ 7/1965 الذي وقع في حفلة عرس أدي لمقتل 56 في مخطط لتمزيق وحدةالبلاد ( جريدة الميدان31/7/ 1965).
- الضغوط من حزب الأمة والأحزاب التقليدية علي حكومة سر الختم الخليفة ، لدرجة تسيير المواكب من المليشيات المسلحة ضدها لاسقاط الحكومة، واشتدت ضغوط حزب الأمة علي سرالختم الخليفة رئيس الوزراء ، فاضطر لتقديم استقالة حكومته في 28 ديسمبر1965، بعد أن اشتدت الضغوط عليه.
- بعد استقالة سرالختم الخليفة ، تمّ تشكيل حكومة جديدة في 24 فبراير 1965 ، كان نصيب كل من حزب الأمة والوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وكتلة الجنوبيين بثلاثة وزراء ، وتمثيل كل من الحزب الشيوعي والإخوان المسلمين بوزير واحد، بالتالي اصبح للأحزاب التقليدية الأغلبية فيها ، وتمّ الاسراع في الانتخابات المبكرة التي تقرر عقدها في يونيو 1965.
انتخابات 1965 :
جرت انتخابات 1965 بالقانون المشار له سابقا، وشارك فيها 12 حزب ، وعدد الدوائر 233 ، وقاطع حزب الشعب الديمقراطي الانتخابات بسبب عدم قيامها في الجنوب ، وكانت نتيجة الانتخابات : الأمة (92)، الوطني الاتحادي (73)، مستقلون (18)، مؤتمر البجا(15) ، الحزب الشيوعي (11) وكلها في الخريجين، سانو (10)، جبال النوبا (10)، جبهة الميثاق(5)، وفازت فاطمة أحمد إبراهيم كأول امرأة تدخل البرلمان.وتمّ تكوين حكومة ائتلافية بين الأمة والوطني الاتحادي راس وزارتها محمد أحمد المحجوب، وبعد أن بلغ الصادق المهدي سن الثلاثين تمّ إخلاء دائرة كوستي له ودخل الجمعية التأسيسة، ولم يلبث قليلا حتى طالب برئاسة مجلس الوزراء من المحجوب، واصبح رئيسا للوزراء لفترة قصيرة بعدها تم اسقاط حكومته وعاد المحجوب لرئاسة الوزراء، كما خلق الصادق المهدي انشقاقا في حزب الأمة جناح الصادق والهادي المهدي.
بعد انتظام الجمعية التأسيسية ضاقت أحزاب الأمة والوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي( الإخوان المسلمين وحلفائهم بقيادة د.الترابي) بنشاط الحزب الشيوعي البرلماني الراقي والنقد الموضوعي لسياسات الحكومة وتقديم البديل، واتساع جماهيرية الحزب الشيوعي وندواته مثل ندوة الأربعاء الاسبوعية التي كان يقيمها عبد الخالق محجوب ، والتوزيع العالي لصحيفة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي الذي اصبح ينافس الصحف الكبرى الأخري، وقامو بقيادة الإخوان المسلمين بتدبير و"فبركة" مؤامرة حل الحزب الشيوعي، وقامت المليشيات المسلحة بالهجوم علي دور الحزب الشيوعي مما أدي لتدمير وجرحي، ودافع الشيوعيون ببسالة عن دورهم في مواجهة "عنف البادية" كما أطلق عليه عبد الخالق محجوب، وعدلوا الدستور وطرد نوابه من البرلمان، لكن المؤامرة واجهت مأزقا قانونيا وسياسيا وأخلاقيا ، فدستور السودان المؤقت من الدساتير الجامدة التي لا يمكن تعديل مواده الأساسية، لا سيما فيما يختص بالحريات، فقد حدد مبارك زروق عام 1958 مبادئ تعديل الدستور وخلص الي أن " دستور السودان من الدساتير التي لا يمكن تعديل مواده الأساسية"، أما المأزق السياسي فقد خلق ذلك أزمة سياسية أدت لفقدان المصداقية في الأحزاب التقليدية التي قوضت الديمقراطية دفاعا عن مصالحها الأنانية الطبقية الضيّقة في محاولة يائسة لوقف نمو الوعي والطاقات الشبابية والنسائية التي فجرتها ثورة أكتوبر في الحضر ومواقع الأحزاب التقليدية في الريف، أما الأخلاقية فتتجلي في الكذب و"فبركة" حادث معهد المعليمن العالي ، ومحاكمة الحزب الشيوعي بأقوال طالب لا علاقة للحزب به، مما فضح تلك الأساليب الخبيئة التي وقف وراءها د. الترابي والإخوان المسلمين ، وتلفيق تهمة الالحاد وغير ذلك من الأكاذيب، لقد وجد ذلك استنكارا واسعا وسط القوى الديمقراطية، وتم تكوين " مؤتمر الدفاع عن الديمقراطية" الذي ضم الحزب الشيوعي والتيار الديمقراطي داخل الوطني الاتحادي والنقابات. الخ، الذي ركز علي الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة.
بعد ذلك رفع الحزب الشيوعي قضية دستورية الي المحكمة العليا ، وحكمت المحكمة ببطلان التعديلات التي اتخذتها الجمعية التأسيسية لأنها تتعارض مع الدستور ، لكن الصادق المهدي الذي كان رئيسا لمجلس الوزراء يومئذ ، رفض حكم المحكمة العليا واعتبره حكما تقريريا، مما أدي لتحقير القضاء وانتهك استقلاله وقوض الدستور، وخلق أزمة حادة بين الحكومة والقضاء أدت لاستقالة رئيس القضاء، وتم تقويض الديمقراطية بدلا من استقرارها واستدامتها باعتبارها هدف أساسي من أهداف الثورة.
الأزمة الاقتصادية:
سارت الحكومة علي خطى سياسات الحكم العسكري الاقتصادية، علي سبيل المثال : قدم مبارك زروق في ديسمبر 1965 الميزانية التي لا تختلف عن ميزانية الحكم العسكري التي عارضها الحزب الشيوعي في يوليو 1964 ، فتجاهلت الأجور التي ظلت ثابتة بينما ارتفعت تكاليف المعيشة 200 %، وسارت في سياسة المعونات والقروض الأجنبية التي أدت لتراكم الديون الخارجية التي زادت عن 130 مليون جنية ( حسن طه مهدي: الآثار الفكرية الفكرية للزعيم عبد الخالق محجوب، ص 282- 283).
بعد تدهور المعيشة وحدوث نقص في الذرة استوردت الحكومة 300 ألف طن ذرة ( جريدة الرأي العام:بتاريخ 15 /11/ 1966)، كما انخفضت الأرصدة من العملات بسبب الزيادة المستمرة في مصروفات الحكومة، واستدانة الحكومة من النظام المصرفي ، كما سجل الميزان التجاري عجزا تراوح بين 5 الي 9 مليون جنية سوداني ، كما زاد الفساد، وتدخل البنك الدولي مانحا لقروض انشئت بموجبها المؤسسة الزراعية الألية، اضافة لمقترحاته لخصخصة مشروع الجزيرة لمصلحة أغنياء المزارعين ، والتنافس بين الرأسمالية في أحزاب الائتلاف وغيرها حول الرخص التي مُنحت للزراعة الألية بعد توزيع مساحات شاسعة في القضارف ، والدمازين ، وهبيلا جنوب كردفان، بعد نزع الأراضي من أهل المنطقة الأصليين، ومُنحت لوافدين استغلو فوائض المشروع ( تمّ جلبهم لأصوات انتخابية للأحزاب التقليدية)، مما أضر بالرعي والبيئة والثروة الغابية . كما ربط صندوق النقد الدولي قروضه بدعم القطاع الخاص.
في 2 يونيو 1967 وقع العدوان الاسرائيلي علي مصر وسوريا والضفة الغربية وغزة ، وكان لشعب السودان موقفا مشرفا بعد هزيمة يونيو 1967 ، والاستقبال الجماهيري الحاشد للرئيس جمال عبد الناصر، وانعقاد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم الذي عزز الصمود ضد العدوان الاسرائيلي الذي تمّ بموجبه احتلال سيناء وهضبة الجولان وغزة والضفة الغربية، وخرج المؤتمر بلاءاته الثلاثة: لا سلام ولاصلح ولا تفاوض مع اسرائيل. الخ.
انتخابات 1968 :
قبل الانتخابات تم تغيير قانون الانتخابات ، والتراجع بإلغاء دوائر الخريجين ، وحدثت تحولات باندماج الحزب الوطني الاتحادي مع الشعب الديمقراطي في حزب واحد هو الحزب الاتحادي الديمقراطي في ديسمبر 1967 ، وانقسم حزب الأمة إلي جناحين : الهادي والصادق ، كما انقسم الإخوان المسلمين الي جناحين جبهة الميثاق د. الترابي و خرج من التنظيم محمد صالح عمر ، الشيخ مدني سبال ، الشيخ برات، والشيخ علي جاويش. الخ، وحدث انقسام مجموعة مختار عبيد عام 1968 في الحزب الشيوعي الذي لم يكن مؤثرا. كما برزت الدعوة للدستور الإسلامي والزج بالدين في السياسة، وتدخل الأيادي الأجنبية في السياسة السودانية بمختلف الأشكال.
في ظل هذه الأوضاع المضطربة تمت انتخابات 1968 في 218 دائرة ، شارك فيها 3 ملايين ناخب ، نال الاتحادي الديمقراطي (101)، الأمة بجناحيه (72)، المستقلون (10)، الأحزاب الجنوبية (25)، جبهة الميثاق (3) ، الحزب الشيوعي(2)، حيث فاز عبد الخالق محجوب علي أحمد زين العابدين المحامي مرشح الاتحادي في دائرة أم درمان الجنوبية، وفاز الحاج عبد الرحمن علي مرشح الاتحادي محمد الحسن عبد الله في دائرة عطبرة، وكان ذلك صفعة لقرار حل الحزب الشيوعي ( للمزيد من التفاصيل: راجع محمد سعيد القدال: لمحة تاريخية عن الانتخابات في السودان، الحوار المتمدن، 7/5/2007)، ومحمد أحمد المحجوب، الديمقراطية في الميزان) الجدير بالذكر أن الصادق المهدي خسر مقعده امام محمد داؤود الخليفة وزير الحكومة المحلية السابق، وخسر أحمد المهدي مقعده أمام محمد أحمد المحجوب، وخسر د. حسن الترابي ( زعيم جبهة الميثاق) مقعده أمام حاج مضوي مرشح الاتحادي في دائرة المسيد.
بعد ذلك تمّ تكوين وزارة جديدة برئاسة محمد أحمد المحجوب، وحكومة ائتلافية من الاتحاي الديمقراطي والأمة تكونت من 8 وزراء اتحاديين ، 6 أمة ، 2 جبهة الجنوب.
شهدت تلك الفترة صراعات عقيمة غير منتجة قادت لأزمة في البلاد وتدهور الأوضاع المعيشية وقاد اتحاد العمال معركة من أجل رفع الأجور وتحسين مستوى المعيشة، وعلاوة المعيشة والسكن والمواصلات ، ووقف التشريد ، وتوفير فرص العمل للعاطلين. الخ ، ونفذ اضرابا عاما عام 1968 من أجل تلك المطالب، كما قاومت جماهير العاملين مخطط الإخوان المسلمين بقيادة عبد الرحمن قسم السيد لشق اتحاد العمال ، بتكوين ( مؤتمر النقابات الوطنية) ، ولكنهم فشلوا.
كما قام الصادق المهدي بتكوين (تحالف القوى الجديدة) مع جبهة الميثاق الإسلامي ، وحزب سانو بقيادة وليم دينق. كما اتسع نشاط حركة الانانيا المسلحة في الجنوب، وتفاقمت أزمة حكومة الائتلاف.
مارس الإخوان المسلمين العنف والإرهاب كما حدث عام 1968 عندما هجموا علي مهرجان الفنون الشعبية الذي أقامته "جمعية الثقافة الوطنية" بجامعة الخرطوم ، أدي لاغتيال طالب وجرحي ووجد استنكارا واسعا، كما تجمع الإخوان المسلمين والقوى السلفية المعادية للديمقراطية ودعاة الدستور الإسلامي المزيف وقاموا بتكفير الأستاذ محمود محمد طه، واقاموا محكمة الردة التي كانت الأساس لاعدامه بواسطة الديكتاور نميري في 18 يناير 1985،
وجاءت الطامة الكبرى عندما اتفق جناحا الأمة علي ترشيح الأمام الهادي المهدي لرئاسة الجمهورية ، والصادق لرئاسة الوزارة في أي انتخابات تُجرى في المستقبل، تركزت المناقشات العقيمة علي طبيعة الدستوروالجمهورية، ما اذا كان الدستور إسلاميا أم علمانيا؟، في استغلال فج للدين في السياسة، وما اذا كانت الجمهورية رئاسية أو برلمانية، في حين كان المطلوب دستور ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات الأساسية، ويضمن وحدة البلاد من خلال تنوعها، وتمّ الفشل في اعداد الدستور الدائم للبلاد.
في 23 مايو 1969 أصدرت الأحزاب الحاكمة بيانا ، قالت فيه أنه تمّ الاتفاق عاي أن يكون الدستور إسلاميا ، والجمهورية رئاسية، وأن الدستور سوف يكون جاهزا في غضون ستة أشهر ، علي أن تّجرى انتخابات الرئاسة في مطلع عام 1970.
كما تمّ تشكيل (اتحاد القوى الاشتراكية) واصدر ميثاقا وقرر ترشيح بابكر عوض الله لرئاسة الجمهورية، وزادت حرب الجنوب ضراوة بعد إعلان الجمهورية الرئاسية والدستور الإسلامي ، مما أدي لاستقطاب حاد ،وفي هذا الظرف وقع انقلاب 25 مايو 1969 ، الذي كان كارثة فتح الطريق لكل الخراب والدمار الذي حدث بالسودان، وفشلت التجربة الديمقراطية الثانية في ترسيخ الديمقراطية والسلام بوقف الحرب والحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وانجاز الدستور الدائم، وتمت انتكاسة ثورة أكتوبر، مما يتطلب النضال لعدم تكرار تلك التجربة في نضالنا لحماية الفترة الانتقالية الحالية بعد ثورة ديسمبر 2018.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.