شعب السودان الاعزل من كل سلاح سوى حبال صبره للممدود وعزيمته التي لا تعرف الفتور يخرج بقبضته العارية لمواجهة الرصاص وهراوات الأمن وغازه المسيل للدموع ويوما بعد يوم يخرج الوف الرجال والنساء سائلين عن برنامج اليوم من مواكب ومظاهرات اما الاطفال الذين اغلقت مدارسهم فلهم برنامج يومي مضمون يمارسون فيه هوايتهم الجديدة في إشغال الامن وتحريكه من شارع لشارع باشعال الحرائق في اطارات السيارات القديمة يأتي عدد من صبية الحي مدحرجا اطارا ضخما يتعاونون على توجيهه نحو منتصف شارع الاسفلت وبسرعة خارقة يشعلون النار في طرفين من اطرافه ثم في غمضة عين ترتفع السنة اللهب مصحوبة بدخان أسود ثقيل وسرعان ما ترتفع تلك السحب السوداء الى الاعالي مرسلة انذارها للمركبات الخاصة ان تحترس ومرسلة شفرتها الخاصة الى الامن بانهم يقطعون امامه الطريق وعند ذلك يطلق الامن صافراته قادما نحو موقع الحريق فينسحب الصبية الى الشوارع الجانبية وليس الى بيوتهم فان رجال الامن لن يتركوك لو رأوك تدخل بيتا إذ انهم يقتحمون البيوت دون إذن ويعتقلون الاطقال من كل الاعمار.ويظل ذلك الحدث يتكرر طيلة اليوم وفي مختلف ساعات الليل والنهار معبرا عن عزيمة الثورة في البقاء والانتصار.

استمرار الثورة هو العامل الاكبر في نجاحها فهنالك اشياء تختمر وتتفاعل في الخفاء والزمن وحده هو الذي يقرر طبيعتها وتوقيت حدوثها فمن ذلك التدخل العسكري للقوات النظامية وهو تدخل بوسعه اجبار البشير على التنحي او اعتقاله وحبسه ليقرر الشعب في امره ما يراه واذا لم نستمر في الفعل الثوري فان احدا لن يعبأ بدراسة تلك الخيارات ناهيك عن تنفيذها.

واستمرار الثورة هو الضمانة الكبرى لسلميتها وعدم انسياقها لعوامل الثأر والغضب وجنوحها لاعمال تدمرها وتدمر معها الوطن نفسه كما ان استمرار الفعل الثوري هو وجاء للشعب من مشاعر الاحباط التي تصيب الثوار متى استيأسوا من النجاح إلا ان طبيعة هذا الثورة وتفاصيل احداثها تبشر باستمرارها فقد اشعلت الاحداث التي شهدتها العطبرة والقضارف حماس كل المدن والبلدات والقرى في السودان ومع انضمام كل واحدة منها الى قائمة الثورة يشتعل الحماس في الاخريات ويدخل المعترك لاعبون جدد وبالاضافة لكل تلك العوامل هنالك ثقتنا في قدرات شعبنا الابداعية في ابتكارالاساليب الكفاحية الجديدة كلما استمر فيه الضرب والقتل.

قبل قليل سمعت باحثا يقول ان سبب سقوط الاتحاد السوفيتي ليس طائرات الناتو ولادباباته وانما هو الدوتشي مارك (العملة الالمانية المتزايدة القوة في كل البورصات) ونسجا على منوال ذلك العالم يمكننا ان نتمنى ان يكون الجنيه السوداني سببا رئيسيا في انهيار الدكتاتورية وخلاص البلاد والعباد منها فقد تجاوز التضخم كل المعدلات واصبحنا نسأل الحوانيت كم كان ثمن السلعة التي نريدها ليلة الامس فيجيبون انها ارتفعت بما يساوي عشر او ربع ثمنها الحالي وفي مدى اسبوع ارتفع سعر مشوار الركشة من عشر جنيهات الى خمسة عشر ولكن الفصال يبدأ من عشرين لينزل الى الخمسة عشر والسائل في شوارع امدرما ن لايقبل بأقل من خمسة جنيهات (تساوي ما كان يصلنا من اهلنا لمصاريف الشهر من اوله لاخره) ومن الطريف حقا ان سعر الدولار ليس ثابتا في السوق السوداء فيرتفع وينخفض بوتائر محترمة ولكن لم ارى انخفاضا موازيا في سعر اي سلعة من السلع التي نشتري وما دام التضخم مستمرا فان الثورة ستستمر ولن يهدأ الشعب الفقير حتى يذهب من تسببوا في ذلك النضخم بطيشهم وفسادهم وفي ذلك الصدد فان جنرال اسمه التضخم سيظل مشهرا سيفه وقواته على النظام بينما يلوذ الجنرالات الحقيقون بالصمت وهم يتدبرون امرهم بينما الشعب يموت.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.