أقرب إلى القلب :

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
يجد الطغاة والجبابرة – آخر أمرهم- من ينبري للدفاع عن إرثهم المفزع وفعالهم المخزية، بما قد يثير الدهشة قبل الامتعاض ، والشفقة قبل الحنق. رجل مثل "عيدي أمين دادا" والذي جلس على سدة الحكم في يوغندا سبعينات القرن العشرين، يعرف القليلون من الجيل الماثل أطرافا من قصته، وقد يتذكر البعض أن شريطا أنتجته "هوليوود" عنه بعنوان "آخر ملوك اسكتلندا" يحكي طرفاً من قصته.
تناول كاتب أمريكي من كتّاب مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، قصة الطاغية "عيدي أمين دادا" من وجهة نظر نجله "جعفر أمين" الذي يبلغ عمره 48 عاماً . يعيش "جعفر أمين" حالياً، في العاصمة اليوغندية "كمبالا" ، وقد آثر في نفسه القدرة على الدفاع عن إرث والده، وهو يحسب أن التاريخ والإعلام الغربي قد ظلمه، برسم صورة بشعة عنه، قصد محاصرة الرجل واغتيال شخصيته، وانهاء حكمه في يوغندا، وتخليص الشعب اليوغندي من "رئيسٍ قتل نظامه قرابة نصف المليون من أبناء شعبه".، حسب زعم الصحفي كاتب المجلة الأمريكية .

(2)
لكن لابدّ من اعطاء القاريء المهتم، خلفية يسيرة عن الرّجل، وعن حقبة حكمه الوحشيّ في يوغندا. هذا البلد الآمن الجميل الذي قال عنه "وينستون تشرشل" ريئيس وزراء بريطانيــا الأسبق، في لحظة كولونيالية مفعمة بالرومانسية، أنه "سويسرا أفريقيا" . كان الرجل، وهو القائد العام للجيش اليوغندي، قد اتهمته التيارات التي تعارض حكم الرئيس "ميلتون أوبوتي"- رجل الاستقلال في يوغندا- أنه أساء لوظيفته في الجيش، وتورّط في نهب كميات من الذهب الكنغولي الذي أأتمنه عليه الثوّار الكنغوليين، بعد أن اغتيل زعيمهم رئيس الوزراء الشرعي "باتريس لوممبا". قامت القارة ولم تقعد حين تآمر "البلجيك مع "مويس تشومبي" والرئيس "كازافوبو" ومعهم قائد الجيش "جوزيف موبوتو" وعملوا على التخلص من "لوممبا" وتصفيته جسدياً. كانت سرقة الذهب الكونغولي فضيحة وصلت ذيولها إلى "كمبالا" ، وإلى"الخرطوم كذلك، ولكن تلك قصة أخرى. .

(3)
شكّلت المعارضة اليوغندية ضغوطاً على رئيس الوزراء الدكتور "أوبوتي" ليزيح القائد العام للجيش، ويخضعه لمحاكمة عسكرية. وفيما أخذت الضغوط تتزايد ، لم يكن "الجنرال عيدي أمين دادا" لينتظر المؤامرة ، بل تحرك بذكاء فطري واتخذ دور "بروتوس"، مؤثراً أن يمسك "خنجره" ليطيح برأس حليفه الرئيس "أوبوتي"، في انقلاب عسكري. كان الرئيس "أوبوتي" غائبا عن البلاد واهتبل الجنرال الفرصة وأطاح به.
تولى الجنرال "عيدي أمين دادا" حكم يوغندا لقرابة عقد كامل، بدأ في يناير عام 1971 وانتهى بانهيار نظامه في أبريل 1979...

(4)
لتعزيز قبضته على البلاد، إتبع الجنرال سياسة للتصفيات الدموية، طالت كلّ معارضي حكمه ، خاصة من أتباع القبائل الكبيرة المعروفة في يوغندا . ينحدر الجنرال "عيدي أمين" نفسه، من قبيلة صغيرة من القبائل المشتركة مع السودان في الولاية الاستوائية. كان طبيعياً أن يعمد الجنرال إلى الاعتماد على أبناء القبائل الإستوائية، يستقوي بهم على حكم البلاد. من بين هؤلاء من عاصرناهم أواخر سنوات حكم الرجل، وحينها كانت لسفارة السودان- وأنا عضو دبلوماسي فيها- "سمعة خطرة" كونها - في نظر السفارات الأجنبية في العاصمة "كمبالا" – سفارة "للحزب الحاكم". . والإشارة واضحة تلميحاً لسيطرة السودانيين من أبناء جنوب السودان على الأوضاع في كمبالا. .!
لربما لهذه الخلفية فإن التوجس من السودان لم يبرح ذهن الحاكمين في كمبالا إلى اليوم. العاقل منهم قد يرى في انفصال جنوب السودان إلى دولة مستقلة فرصة لكمبالا تعيد صياغة علاقاتها مع الخرطوم على أسس وقواعد تعيد الدفء المفقود لسنوات امتدت منذ القضاء على حكم الجنرال "عيدي أمين"، وإلى السنوات الأخيرة من القرن الماضي..

(5)
طفق الكاتب الأمريكي "جستن رورليش" J.Rohrlisch في مقاله بمجلة "فورين بوليسي" عدد أغسطس 2017 ، يتجاذب أطراف قصة "الجنرال عيدي أمين"، الذي فارق الحياة عام 2003، مع إبنه "جعفر أمين"، والذي حسب أن الفرصة قد واتته للدفاع عن إرث والده وتحسين الصورة القميئة التي رسمها له الإعلام الغربي. تلك مهمة صعبة دون شكّ . إذ برغم انطواء السنوات الطوال على حكم الجنرال لكن سمعته - الحقيقي منها والمتخيّل- قد حفظتْ له مكاناً متقدماً في قائمة للطغاة الذين مارسوا الإبادة الجماعية ضد شعوبهم، وضمّت تلك القائمة : "بول بوت" في كمبوديا، و"صدام حسين" في العراق، و"سلوبودان ميلوسيفيتش"في يوغسلافيا السابقة.. وأضيف إليهم هنا الإمبراطور"بوكاسا" في أفريقيا الوسطى..!

(6)
من الواضح أنّ كاتب المجلة ، فقد شهيته في الكتابة عن إرث رجلٍ، لن يسهل أبداً على أيّ شخص، حتى لو كان نجل ذلك الطاغية نفسه، في أن يزيل ما علق بشخصيته من أفعال مستهجنة، وأقوال حفظها التاريخ، يبدو محوها مستحيلا. لربّما نجد صفحات في سيرة ذلك الطاغية، تجبرنا على إبداء نوعٍ من التعاطف، ولكن لن يرى "الغرب" شيئاً حسناً صدر عن ذلك الطاغية. يكفيك أن ترى الأشرطة السينمائية التي أنتجتها "هوليوود"، لتعرف عزيزي القاريء، تلك الدرجة العالية من البشاعة التي بلغها "الجنرال أمين" في نظر "الغرب" وإعلامه الجبار.
لكن في الحقيقة، فإن للجنرال "عيدي أمين" محمدة بارزة تمثلت في مبادرته بطرد "إسرائيل" من يوغندا، بعد أن كان نظام "تل أبيب" حليفه الأول، وتبعته في هذه المقاطعة الحاسمة، بلدان أفريقية عديدة. وله بالطبع بعض أفعال إيجابية أخرى، ولكنها لا ولن تبين مع الكوابيس التي أثارها طغيانه وحكمه الدموي، الذي شارك فيه للأسف رجال جاء أكثرهم من السودان، وبعضهم من "الكونغو" (وقت أن كان اسمها "زائير")، ومن "رواندا" (قبل الإبادة الجماعية فيها)..

(7)
كنت في سنوات "الجنرال أمين"الأخيرة، قائماً بأعمال السفارة السودانية في كمبالا لفترة مؤقتة، كلفتن وزارتي خلالها أن أنقل رسالة هامة من رئاسة بلادي لرئيس الدولة في كمبالا. حدّدتْ لي مراسم الدولة، لقاءاً مع "الجنرال أمين" يقيم في قصره الرئاسي المشرف على شواطيء بحيرة "فيكتوريا". قابلت رجلاً – يا لدهشتي- تقطر منه الرقة ، ويخطو في أناقة لافتة. يبدو أن الطغاة مغرمون دائما بتحسين مظهرهم أناقة وجمالا، وكأنهم يتوهّمون أن ذلك ممّا يخفي القبح الساكن في دواخلهم.
حكى معي الرّجل بمودة وحميمية، حملتها لغته العربية "المكسرة" وهو الذي اختارها ليحدثني بها. يريد أن يذكرني بخلفيته االسودانية، فيما بدا لي. أنجزت مهمتي الديبوماسية مع الجنرال، وأنا أكاد لا أصدق أن ذلك الرجل، هو الذي قضى على الآلاف من أبناء يوغندا قتلاً وسحلاً ، ورمى ببعض وزرائه إلى تماسيح البحيرة . .

(8)
يمتد غرام الطغاة بالنساء، ولم يختلف عنهم "عيدي أمين ، فمن زوجاته العديدات، له منهن فوق الأربعين إبنا وبنتا. قصة تحرشه بالسيدة التي عينها وزيرة للخارجية، وهي أميرة بالغة الجمال من أميرات قبيلة "التورو" غربي يوغندا: "اليزابيث باقايا"، قصة صارت حديث العالم لفترة طويلة. .
لو أتيح لذلك الطاغية أن يعيش بعيداً عن سنوات طغيانه، ليرى بأم عينيه ويسمع بأذنيه، ما فعل وما قال، لربما أدرك بشاعة ماضيه المحتشد بعلامات الطغيان والاستكبار، فيعمد على الوقوف موقف التائب من الذنب. على أن الجنرال أمين" ، سعى بعد هروبه من "كمبالا" عام 1979 ، يبحث عن ملاذٍ آمن، فلم يجد – فيما طائرته حيرى في أجواء القارة الأفريقية- غير المملكة العربية السعودية..
يقدّر السعوديون رجلاً زعم أنه قائد مسلم ، وقد حكم يوغندا لما يقارب العقد الكامل. برّه النظام السعودي بقصرٍ متواضع للإقامة فيه هو وأسرته، ومنحوه مصروفاً ماليا يقيم أوده، فلبس الرداء والعباءة السعودية، واعتمر العقال وقضى بقية ايامه مجاورا بمكة . رآه البعض يتجول في الأسواق ولا يكاد يعرفه أحد... أما السياسة فقد كان عليه الامتناع عنها تماماً. ذلك ما طلبته المملكة السعودية منه ومن الطاغية الآخر الذي جاء بعده بسنوات : "زين العابدين بن علي" رئيس تونس الأسبق. .
سيحفظ التاريخ للملكة السعودية هذا الدور الإنساني الذي منبعه الرأفة لمن لاذ بأرضها ، والرحمة لمن جنى على شعبه، ففتحت له باباً علّه أن يكون باب توبة، إن قدر له أن يعبره مقيما بجوار البيت الحرام، فيحاسبه الله قبل أن تطاله لاهاي.. !

الخرطوم – 11 سبتمبر 2017