أقرب إلى القلب :

(1)

لقد خصّصتُ مقالاً في سبتمبر الماضي عن "تغريدات" الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وعن الوصف الذي أطلقته عليه بعض أصوات إعلامية : "الرئيس المغرّد". يواصل الرئيس الأمريكي في إرسال "نغريداته" المثيرة للجدل وللامتعاض في ذات الوقت، داخل الولايات المتحدة وخارجها . في مجال علاقات الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية، نرى جانبان ينبغي الإلتفات إليهما، فيما نحن نتابع الأسلوب الذي تدير به الإدارة الأمريكية، مجمل مواقفها في الساحة الدولية..
الأمر الأول يتصل بثورة الاتصالات واعتماد الشفافية وانكشاف المعلومات، والتداول حولها جميعا، عبر مختلف وسائط التواصل الاجتماعي. ذلك التطور، أحدث تغييراً في فن الدبلوماسية، وفي أساليب الأداء الدبلوماسي، بما حسبنا أنه بات الضروري إجراء التعديلات التي تتوافق مع الواقع الجديد، والتي ربما تصل إلى إجراء تعديلات في المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تضبط العلاقات الدبلوماسية والقنصلية بين الدول والشعوب.
هكذا تغيّرت طبيعة التواصل بين الدول، فصرنا نسمع، بعد انتشار الهواتف الجوّالة الذكية، عن "دبلوماسية الاتصال المباشر" باستعمال تلك الهواتف، بين قادة الحكومات من وزراء ورؤساء، فاختصروا كذلك الكثير من مهام السفراء والمبعوثين الذين يحملون رسائل خطية بينَ أولئك الكبار. هكذا صارت الهواتف الجوالة والذكية عوناً حاسماً، في إنجاز أكثر المهام الدبلوماسية التي كان يقوم بها السفراءُ والمبعوثون، في حقبة ما قبل "الإنترنت". فهل هي ظاهرة تمهّد لـ"موت الدبلوماسية"..؟


(2)
الأمر الثاني يتصل باسلوب الرئيس الأمريكي ومزاجه في التعبير عن علاقات إدارته الخارجية، عبر وسيلتين . أول الوسيلتين هي إرسال "تغريداته" الفورية، عبر تطبيق "تويتر" على النت، والتي تحدّث عن مزاجه الشخصي، قبل الحديث الرسمي الذي يعبّر عن مواقف السياسة الخارجية الأمريكية المدروسة.
ثاني الوسيلتين هي الاعتماد على الناطق الرسمي بإسم "البيت الأبيض" – وهي السيدة "ساندرز" – التي تعمد على إضفاء إضافات توضيحية ، أو ارسالها عبارات تبريرية لبعض الخطرفات التي ترد في تلك "التغريدات"، والتي تصدر عن مزاج "الرئيس ترامب" وحده. الأخطر في كل ذلك، أن "البيت الأبيض" تحت رئاسة "ترامب"، يتصرّف بأسلوب يتجاوز عبره الدور المؤسّسي لوزارة الخارجية الأمريكية، مما أضعف دور وزير الخارجية فصارت الخارجية تتعثر أو تتردّد ، في التعبير الرسمي عن المواقف الأمريكية. اتخذت تصريحات الرجل شكل الحواشي التوضيحية، المصاحبة لتصريحات الرئيس "ترامب" و"تغريداته" البالغة الغرابة . لكني أتذكر هنا، كيف يعمد بعض الممثلين المصريين، في خروجهم عن النص على المسارح، بغرض إضحاك المتفرجين، فما الذي يدفع رئيس أقوى دولة في الساحة الدولية للخروج على النص، على نحوٍ يثير الرثاء والضحك على حدٍّ سواء..؟


(3)
نشرتْ الـ"نيويورك تايمز" مقالاً بتاريخ 27 نوفمبر 2017، لسفيرين أمريكيين معتقين ، هما "نيكولاس بيرنز" و"ريان كروكر"، ولفتا النظر إلى جنوح إدارة الرئيس "ترامب" لتخفيض ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية، بما يزيد عن 30% . ليس ذلك فحسب بل قرر إلغاء عدد كبير من وظائف المبعوثين الخاصين ومن ترشيحات السفراء في بعض أنحاء العالم. وأعرب السفيران عن قلقهما من تراجع دور الدبلوماسية الأمريكية، وعجز الإدارة الأمريكية عن ملء الشواغر في الوظائف الدبلوماسية، في الداخل والخارج، وشكيا من التهميش الذي تلقاه من "البيت الأبيض". إن الأزمات المعقدة التي نراها في الساحات الدولية تستدعي – في نظر السفيرين- المزيد من الدعم المادي والمعنوي للدبلوماسية الأمريكية، حفاظا وحرصاً على المصالح الأمريكية، لا أن تعامل بتجاوز متعمّد من "البيت الأبيض" . لولا مجاهدات وزير الخارجية "تيلرسون" لما سمعنا صوتاً عاقلاً لوزارة الخارجية، إزاء الأزمات المتصاعدة التي تواجه المجتمع الدولي.


(4)
أبان السفيران المهنيان بوضوح، إلى نوعٍ من "سياسة التمكين" التي تتبعها الإدارة الأمريكية ، في تعيين السفراء في السفارات الأمريكية بالخارج والداخل. تكفي إشارتهما لتجاوز المؤسسية، في تعيينِ دبلوماسيٍّ سابق ، لا تتجاوز خبرته الثماني سنوات، مديراً عاماً للخدمة الخارجية، من بين مسئولياته ترشيح السفراء لرئاسة السفارات الأمريكية بالخارج. بدا ذلك للسفيرين المهنيين ، كأنّ الإدارة الأمريكية، تدفع بنقيب في الجيش الأمريكي ليشغل منصب رئيس الأركان. . !
يذكر السفيران أن عدداً من الدبلوماسيين المهنيين غادروا الخدمة الدبلوماسية، كما أن بعض السفراء قد تم الاستغناء عن خدماتهم ، فيما قدم عدد آخر استقالته.
يشبه ذلك الحال- مع الاحتفاظ بمسافات شاسعة في المقارنة- تلك التجربة التي مرّت بها الدبلوماسية السودانية في سنوات التسعينات الأولى، حيث اتبعتْ سياسة "إحلالٍ" و"تمكين"، تم الاستغناء فيها عن عدد كبير من السفراء والدبلوماسيين المهنيينن، وتمّ تعيين آخرين محلهم، دون اتباع معايير التعيين التقليدية المعتمدة، منذ إنشاء وزارة الخارجية، فجر استقلال السودان منتصف الخمسينات من القرن الماضي. قرارات السياسة الخارجية في سنوات التسعينات تلك، كانت تدار من خارج وزارة الحارجية .


(5)
في رؤيتنا للممارسات الدبلوماسية العامة، بعد ثورة الاتصالات والمعلوماتية، فإنّ المتوقع ، أن يتم تطوير القدرات في مجال الموارد البشرية للتعامل بحصافة مع معطيات الواقع الجديد الفعلي، والتفاعل الايجابي مع ذلك الواقع الافتراضي المستحدث. ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تقليص الوجود البشري في ساحة العمل الدبلوملسي الخارجي. إنه لتطور محمود ، ولكن من غير المحمود – من وجهة نظر السفيرين الأمريكيين المعتقين- هو تجاوز المؤسسية، وتعمّد تهميش دور الدبلوماسية الأمريكية، واتباع سياسة لـ"تمكين" أصحاب الولاء بصورة غير مسبوقة، على حساب الدور المؤسّسي لوزارة الخارجية.
لم يبق أمام السفيرين، سوى التذكير بضرورة العودة إلى المؤسّسية ، ومطالبة الأجهزة التشريعية الأمريكية وحثها لكبح جماح "البيت الأبيض" وسيده "ترامب"، من المضي في التهميش المنظم لوزارة الخارجية الأمريكية، والعمل على استعادة دور الحوار ودور التفاوض اللذين تبدع فيهما أيّ دبلوماسية حصيفة، ولن تكون "تغريدات تويتر"، من الوزراء أو الرؤساء ، بديلاً لهما. طالما هنالك حاجة للتعاون بين الدول والشعوب ، فإن الدبلوماسية لن يحكم عليها بالموت.
من الطبيعي أن ينظر كل عاقل في الصورة التي عليها الدبلوماسية الأمريكية حاليا، فيكيف أساليب تعامله معها بما يحمي مصالحه ، أو يكون الخيار هو "التغريد" مع "المغرّدين"..


الخرطوم 30 نوفمبر 2017