أقرب إلى القلب :

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(  1  )

           قبل مغيب الشمس التقيته في مقهى المثقفين الشهير "السيتي كافيه" في منطقة راس بيروت . . ليس بعيداً من كورنيش  العاصمة اللبنانية ، وقد أوشك زمهرير الشتاء على الرحيل . أعرف عن رءوف مسعد محبته العميقة لبيروت ، إذ لا يفتأ يتذكر أيامه الثرية بعنفوانها ، والمليئة بالنشاط والحركة في سنوات الثمانينات ، وقت أن كان يعمل في صحيفة "السفير" التي يديرها الصديق الصحفي  الكبير طلال سلمان في بيروت .  لم يكن لبيروت في بهائها الراسخ ، كل هذا الجمال الذي هي عليه الآن بعد أن أعيد إعمار كل ما انهار إثر الحرب الطاحنة والتي امتدت لخمسة عشر عاماً من عام1975 وحتى 1990. "السيتي كافيه" لا يبعد كثيراً عن كاراكس ، المنطقة  البيروتية  التي كان يقيم فيها مسعد تلكم السنوات البعيدة . لم تتغير جغرافيا المكان كثيراً . الـ"كافيه" منمقاً عتيقاً ، كما هو على حاله منذ تلك السنوات البعيدة فيما سمعت . جلسنا في ركنٍ قصيّ  في المقهى ، ولكن لم نسلم من أبواق السيارات تعوي من حولنا، غير أن هذا الإزعاج المحبب ، هو ميزة هذا المقهى الجميل . تزيّن  الجدران من حولنا ، لوحات تشكيلية زاهية ألوانها . نادل المقهى يرمقني من حين لآخر ليهرع يخدم رجلاً يعرف أنه سفير ، يرافقه ضيف غريب ، وقليل هم السفراء الذين يزورون "السيتي كافيه" ، لأسباب شتى ، فيها الأسباب الأمنية بالطبع. .

(  2  )

          - سيدي رءوف . . أنا مشغول بمسألة اللون وانعكاساته على هويتنا . تعرف كم نحسّ بذلك ، نحن الذين نقف على التخوم العربية الإفريقية ببشرتنا السمراء المميزة . . وددت أن أعرف كيف ترى هذا الجانب ، وأنت الذي عشت في السودان وتعرف واقعنا جيدا ، كما قد أقمت طويلا في مصر  والآن لك سنوات في هولندا . .اللون . نعم هو هاجس هام . في هولندا حيث أقيم الآن ، نحن نعيش التجربة  بعمق . هنالك برغم لون بشرتي القمحي فأنا أصنف "ملوّناً " . أولادنا لا يرتاحون ويعانون في فصول الدراسة من سلوكيات الآخرين الظالمة ، تجاه سحناتهم المختلفة .  .           كنت أريد أن استدرج الروائي رءوف مسعد ، ليسرد لي طرفاً من هذه التجربة ، فشرعت أحكي له عن روايتي "نقطة التلاشي" وكيف  عبّر الراوي والذي أقام في مصر وفي تونس ، بنحو مزعج لمسألة لون بشرته كملمح مهم في هويته . في الحقيقة أن اسم "السودان" صار مرادفاً لغوياً وانثروبولوجياً لبلد يسكنه ذوو البشرة "السوداء" . حين أنظر في التاريخ القريب ، أرى أن إقليم السودان في الحقيقة الجغرافية هو ذلك الإقليم الذي يتمدد من السواحل الغربية للبحر الأحمر ويمتد إلى سواحل الأطلسي . كان السودان الفرنسي يشمل أجزاءا من ساحل العاج وفولتا العليا وداهومي وغينيا . أسقطتْ هذه البلدان إسم السودان، لكن ظل لصيقاً بالأراضي التي تقع غرب البحر الأحمر وجنوب مصر ، هي السودان بحدوده التي عرف بها منذ استقلاله في القرن العشرين .         لا أريد أن استرسل في هذه الفذلكة التاريخية ، لكن وددت أن أوضح كيف يلتبس إسم "السودان" باللون الأسود، بينما كل سكان القارة هم من ذوي البشرة السوداء أو السمراء في مجملهم. للسودان تميزه بانتماء عربي باذخ متجذر في القارة الإفريقية ، كما هو في بحبوحة من "خلاسية ثقافية" متفردة ، في أدناها تيه ونقمة ، وفي بعدها الأعمق ، نعمة خبيئة ، وغنىً لا يقف عند حدود . يقول الروائي الصديق في مصارحة جريئة :- لك أن تعرف عن مصر أنه لا هيئة تلفزيون فيها ولا إذاعتها ، تضم أسمراً من بين مذيعيها الكثيرين . ولو أجلت النظر في الساحة الفنية ، لن تجد أحداً أحدث اختراقاً "لونياً" لافتاً ، غير الراحل أحمد زكي. .

 (  3  )

         أجل ، صدقَ مسعد ، فهذا الحديث "اللوني" مما يقع في دائرة المسكوت عنه جزئياً ، وكأنا نجد حرجاً في إبراز المبرر الذي لا يضبطه منطق في النفور من البشرة السمراء ، والقبول غير المشروط بالبشرة الحنطية ، ترسيخاً لصورة نمطية للوجه العربي ، يراد لها أن تستدام ، برغم ما تشي به من عنصرية مبطنة . لعل من كان يتابع القنوات العربية - دون بقية القنوات الأمريكية والأوربية - لا يجد من مقدمي برامجها من في بشرتهم سمرة ، ولو تلك السمرة المحببة . أين ذلك المذيع الذي كان يطلّ من "قناة الجزيرة" الذائعة الصيت ، هل مكانه أن يحرر النشرة السياسية من وراء الكواليس ؟ المذيعة السمراء التي كنت أتابع باعجاب ، أداءها من موقعي في بيروت ، تلهج بلهجة لبنان في قناة "الجديد" اللبنانية ، هي من أصول سودانية . لن يتعرف عليها السودانيون بيسر لحذقها اللهجة اللبنانية ، لكأنها بذلك تتخذ هوية مستعارة . الحديث عن اللون في لبنان حديث يطول . نظرت حولي  والقهوة "الاسبرسو" الساخنة لم تبرد بعد . الهدوء يلف المقهى إذ لم يكن فيه - بعد إزعاج أبواق السيارات- إلا القليل من الرواد . خشيت من فرط هدوئه ، أن يصل حديثنا الهامس إلى أذن لا نريدها أن تسمع .

(  4  )

           للروائي مسعد قصة طريفة حكاها لي ، عن تجربته مع فتاة سمراء ، عرضت له في مواقع منتديات الإنترنت الحميمة . أدهشني أنها غزاوية من حي "السودانية" ، في أطراف غزة . كنت أظن في أول وهلة أن المرأة التي حاورته هي من سلالة السودانيين الذين استقروا بعد حرب 1948 في فلسطين ، غير أن مسعد أكد لي أن سكان حي "السودانية" في أطراف غزة الشمالية ، ينحدرون من أسر قديمة لربما تعود تواريخ هجرتها إلى القرن التاسع عشر . وتذكرت ذلك الحيّ الفلسطيني حين كنت أتابع عدوان إسرائيل على غزة وتوقفت طويلاً عند اسمه تحديداً . هؤلاء على زعم مسعد ، لم يحملوا الإسم بسبب لون بشرتهم ، بل هم من أصول تاريخية/جغرافية تصلهم بالسودان الذي نعرف الآن .الرواية التي أعمل عليها الآن ، مستوحاة من حوارات طويلة مع هذه الغزاوية السودانية . . للسمراوات جرأة إضافية . . !        سمعت من مسعد قصصاً عن متاعب تعرضت لها أسرته بسبب التمييز العنصري الذي يمارس  بخفاء مزعج في هولندا ، حيث يقيم الآن ومنذ سنوات . يظل الأسمر أو من يحمل بشرة ليست بيضاء ، محل تمييز خفيّ ، يثار حوله غبار كثيف عازل ، من أحاديث مطولة عن "قداسة" لحقوق البشر ، يريد "الغرب" أن يوهمنا أنها من سمات تقدمهم علينا ، نحن الذين علّمنا نبيّنا عليه السلام ، أننا سواسية كأسنان المشط . إن "المسكوت عنه" في "الغرب المتقدم" ، لهو أكثر بكثير مما ظنوه بنا من سكوت . تمنيت على رءوف مسعد أن يقتحم هذه التخوم اللونية الملتبسة على الجميع في عمله الأدبي القادم  ، إذ ينبغي أن نفيد جميعنا مما تتيحه لنا فتوحات الإتصال الحديث من إمكانيات ، تتسع عبرها تجارب الابداع ، وتتخذ لها صوراً أكثر انفتاحاً وأشد حماساً لإزالة الحواجز واستنطاق الإبداع ، تقوده حتماً لاستكشاف تخوم المسكوت عنه ونبش تجلياته . ثورة الاتصالات هي قيمة إضافية للإبداع  وتزيده ثراءاً بلا شك .

(  5  )

           يبقى رءوف مسعد ، ذلك الروائي المثير للجدل على أصعدة عديدة . كوزموبوليتانيته وحدها تفتح ملف الهوية والانتماء بالتباساته الجغرافية والتاريخية وتقاطعاتها المربكة ، فيما يقف العالم ، في تصاغر نواحيه ، منتظراً حائراً ، في بؤرة مواجهات حضارية روّج لها منظرو التشاؤم وأنبياء نهايات الحضارات في الولايات المتحدة وأوروبا . الجدل يثور أيضاً حول أسلوبية مسعد واجتراءاته السردية . في روايته "بيضة النعام"( بيروت، 1994) أو روايته "ايثاكا" ( القاهرة، 2008) ، ظل يمخر بقلمه من واقع ماثل إلى واقع من السحر المسكوت عنه ، مجازفاً بالدخول في مصادمات مع حراس التقليد وسدنة القديم . لكن إن كانت سطوة السدنة قوية في ستينات القرن الماضي ، بما دفعت بالروائي الراحل الطيب صالح ومعه توفيق صائغ إلى حذف أجزاء من رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" ، قبل نشرها لأول مرة في مجلة "حوار" ، فإن رءوف مسعد أوفر حظاً في العبور برواياته إلى ضفة القبول ، خاصة وأن  مقصات الرقابة ، وبعد ولوجنا عصر الإنترنت ، قد صارت من الخرافات المضحكة . . بيروت – نيسان 2009