أقرب إلى القلب :

 

رسلة إلى السفير جمال من وحي ما كتب طلال

 

من أدب الرسائل في الخاص والعام 

 

عمر جعفر السوري *

 

سلاماً أيها الجلِد   سلمت و تسلم البلد!

 

      أحسب إنك قد أبليت من الطارئ الذي ألم بك حين عودتك إلى الديار. فالانتقال من بلد إلى آخر، و من مناخ إلى مناخ، و من فئ و ظلال إلى شموس حارقة، يسبب أحيانا ما شكوت منه. إنني في أوقات الأسفار أتناول كثيرًا من البصل مع كل وجبة يوم وصولي إلى محطة غير التي أقيم فيها، و هكذا دواليك عند كل توقف قصير حتى أعود إلى نقطة انطلاقي الأولى، فأزيد كمية البصل في اليوم الأول و أقلع عن تناوله بعد ذلك، و يتكفّل العلك برائحة البصل، أو خمرة باخوس النقية. كذلك أحسب أنك منشغل باناخة رحلك و غير ذلك مما ينقص عيش الإنسان في بلد كالسودان. فلا بأس عليك، و لعله طهور و أجر و كفارة!

 

      شاقتني كلمة طلال سلمان لقرآة الرواية. و في ذات الهوامش كتب عن صباح قباني. عرفت صباح أول مرة في تشييع الفرسان الثلاثة: أبي يوسف النجار و كمال عدوان و كمال ناصر الذين اغتالتهم بدم بارد و هم نيام فرقة مغاوير إسرائيلية قادها النقيب وقتذاك ايهود باراك. كان صباح، سفير سورية في واشنطن يومئذ، صديقا لذلك الشاعر الناصري الأعزب، كمال ناصر، فجاء إلى وداعه من أمام مشفى المواساة في دمشق إلى مقابر الشهداء في مخيم اليرموك بضواحي الشام. قدمني إلى صباح ناصري آخر، هو مراسل رويتر، حينئذ، ادمون خليف. عرف ادمون صباحاً يوم كان الأخير مديرا للتلفزيون السوري، و له حكايات طريفة معه و مع صديقه فاروق نصار الذي لم يفارق الاسوشيتدبرس البتة في دمشق و بيروت. كان صباح يقف ساعتئذ مع محمود درويش، الذي أصبح صهره فيما بعد، و خضر عمران و احمد اسكندر احمد و صابر فلحوط و آخرين.  طلق محمود درويش كريمة صباح، التي نشرت أول دواوينها الشعرية باللغة الانقليزية و هي في السادسة عشرة من عمرها، ثم تزوجت بعد مدة من الصحافي و الكاتب البريطاني، باتريك سيل، و مازالت معه. و لكن تلك قصة اخرى.

 

      كنت أود أن تكون في لبنان هذه الأيام التي تتسارع فيها الأحداث منذ إطلاق سراح الضباط الأربعة، و ما سيأتي في مقبل الأيام لما ينتخب اللبنانيون نوابهم،  ثم يستقبلون نوائبهم. لقد كنت في قلب الأحداث الجسام و الوفود تترى على ذلك البلد الجميل، و كنت مع أكثر من وفد، يودعكم زعيم ليستقبلكم كاهن أو شيخ. و الإفراج عن رؤساء الأجهزة الأمنية السابقين أثار زوابع و أعاصير في أوج الربيع، و أظهر كيف أصبح حال القضاء في بلادنا، و من ثم كشف الحال عن سوء المآل. لم تكن الأمور - كما تعلم – مثلما أصبحت عليه لما كان في بلداننا قضاء نزيه و قضاة لا يجرؤ الساسة على المساس بهم، ثم انقلبت الأحوال رأسا على عقب. ما جرى في السودان لمولانا عبد الرحمن عبده، مثلا، كريه و مؤلم و مشئوم. فقد عرفت الرجل عن قرب بعد عودته من دولة الإمارات العربية و السبعينيات عند عتبة التأريخ. أوفد إلى هناك مع عدد قليل من القضاة ليضعوا اللبنات الأولى لمحاكم دولة تحت التكوين، شوارعها لم تعرف الإسفلت بعد. و الرجل فقيه من فقهاء القانون. إلا إنني أعرف انه لم يترك كتابا بالانقليزية عن الحرب العالمية الثانية إلا قرأه، أكان رواية، أو تأريخا، أو غيره. و هو إلى ذلك، مصور فوتوغرافي ماهر، برع في فن التصوير الضوئي، و صياد لا يشق له غبار، و فوق هذا و ذاك صاحب بيان ساحر، حيثياته قطع أدبية تطرب لها النفوس.  يكفيه ملخص الحيثيات التي سطرها حينما كان نائباً للأحكام في المحكمة العسكرية التي رأسها الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر لمحاكمة وزير داخلية أكتوبر، الإداري الضليع، كلمنت أمبورو.

 

      كان القاضي، غير القاضي اليوم، لا يرد شكوى إلا بعد أن يحكم فيها، و لا يستهجن و لا يستغرب. و كان الناس لا تستثيرهم غرابة القضايا فتهيج نفوسهم، يقطعون الطرقات و يستبيحون الحرمات و يخربون الممتلكات. ففي عهد الأتراك بلبنان عرضت قضية إرث على قاضٍ شاب، طرفاها رجل و أرملة أخيه، ظلت عالقة أمام القضاء طويلاً، فجاء هذا اليافع ليحكم لمصلحة الرجل ضد الأرملة. فما كان من خال الأرملة إلا رفع دعوى شخصية لدى هذا القاضي ضد الذات الإلهية. لم يكن القاضي يعلم أن الرجل يمت بصلة لتلك المرأة التي ظلمها، فاستدعاه و سأله عن سبب إقدامه على مثل ذلك المزاح الشائن بحق الله عز و جل.

 

      أكد الرجل انه جاد في دعواه، لان الله سبحانه و تعالى كتب له قدرا سيئا، فأكثر أوجاعه و أطال عمره، و قلل رزقه، و أكثر عياله، و ناصر أعداءه عليه، و أبعد عنه أصدقائه، رغم انه ثابر على الصوم و الصلاة و سائر الفرائض. و بما انه رجل مؤمن و يعلم بأنه لا يصيب الناس إلا ما كتب الله لهم، فهو يرجو من المحكمة أن تحكم له على الله بالتعويض مما أصابه منه.

 

      فقال له القاضي: "و لماذا لم ترفع دعواك هذه أمام أحد القضاة الذين تعاقبوا قبلي على هذه المحكمة منذ ثلاثة عقود حتى اليوم؟"

 

      فأجاب الرجل: "لان جميع الذين جاؤوا قبلك كانوا يخافون الله، أما أنت فلا تخافه و لا تخشاه، و لذلك رفعت دعواي إليك".

 

       سأله القاضي: "و كيف عرفت أني لا أخاف الله؟" فقال الرجل: "لأنك حرمت الأرملة و أطفالها الأيتام من مال أبيهم. و لو كنت تخاف الله، لآمنت بقوله تعالى (و أتوا اليتامى أموالهم).

 

       و في دوما، و هي من ضواحي الشام، وقد التصقت بها اليوم كما قيل لي، رفع رجل دعوى ضد الله سبحانه و تعالى إلى القاضي زاهد الالشي، و كان واسع الصدر. عيّن زاهد بك الالشي جلسة دعا إليها بعض كبار الموظفين، ثم طلب من الرجل أن يبسط دعواه.

 

      قال الرجل إن الله أعطاه عائلة كبيرة و رزقا قليلا، و بلاه بشراهة في معدته، و ضعف في إرادته حتى نكب بصحته و أعطاه سحنة كريهة و زوجة سفيهة تتطاول عليه أمام الناس ففقد الكرامة و الإحساس، ووهبه طول الحياة في انحس الأوقات، حتى حاول الانتحار، فتعذرت عليه الوفاة، و منذ عشرين سنة حتى ذلك الوقت تعاقبت عليه المصائب و الويلات، و لذلك فهو يطلب من المحكمة أن تحكم له على الله بالتعويض عما أصابه منه.

 

      فسأله القاضي: " و لماذا لم ترفع دعواك إلى احد القضاة الذين تعاقبوا قبلي على هذه المحكمة؟" فأجاب الرجل: "لان أسلافك من القضاة لم تكن عندهم الشجاعة الكافية للنظر بمثل هذه الدعوى، أما أنت فقد بلغني أنك شجاع و لا تخاف من الله."

 

      و تقول الرواية إن زاهد الالشي أبرأ ذمة الله مع الرجل، فدفع إليه تعويضا من ماله الخاص، و استكتبه وثيقة يبرئ فيها ذمة الله من جميع حقوقه عليه.

 

      و قد وصّى زاهد بك لان تدفن معه تلك الوثيقة في القبر إلى يوم الحشر.

 

      كيف يكون حال الرجلين في أيامنا هذه؟ و كيف يكون حال القاضيين الساعة؟ أكانت أيام الأتراك و حكم الفرنسيين و الانقليز أبرك من اليوم؟ و عليك القياس. بئس ما يفعلون.

 

مع فائق المودة و الاعتزاز...

 

*صحفي سوداني مقيم بكندا - والأمين العام المساعد السابق لاتحاد الصحفيين العرب

 4 مايو/أيار 2009 الموافق 9 جمادى الأولى 1340